آخر المواد

عن حراك الجامعة الأردنية

هل تكفي المطالبات الحالية، وكيف نطوّرها؟

عنود العسّاف//

بغروب شمس السادس من نيسان كان اعتصام الأردنية قد طوى آخر أيامه التي لن ينساها طلبة الجامعة الأمّ أبداً ، أجواء حماسية خيّمت على شارع المكتبة كل يوم، تبدأ من الساعة الثالثة وتمتدّ طوال الليل حيث ينام المعتصمون أمام الرئاسة وتتوقف بعودتهم لمحاضراتهم في الصباح الباكر، ثمّ تعاود الكرّة من جديد في اليوم التالي. وقد كانت هذه الخطوة تصعيداً لما بدأه التجمع الطلابي لإسقاط رفع الرسوم قبل عامين عندما صدر القرار برفع رسوم الموازي والدراسات العليا إلى الضعفين تقريباً متزامناً مع خسائر الجامعة في الأسواق المالية، ومؤذناً برفعات مستقبليّة للرسوم، وذلك لسدّ العجز في ميزانية الجامعة من جيب الطالب.

 

البداية من القاعدة الطلابية

الواقع أن الجامعة تستقبل الطلبة في فترة شديدة الحساسية من حياتهم، فترة لديهم فيها من الطاقة والحماس الكثير، مما يجعل دورها حاسماً في ما ستكون عليه شخصية الطالب الشاب، وبالتالي شكل المجتمع وملامحه المستقبلية. ولا ينحصر دور الجامعة في تأهيل الطالب ضمن تخصصه فحسب، وإنما يفترض فيها أن تؤهله للعب دور اجتماعي، لتكون الجامعة بذلك الجسر المتين الذي ينقل الطالب إلى محيطه الأكثر شمولاً واتساعاً.

على الهيئة التي تتشكل بها القاعدة الطلابية في الجامعات تخرج النتائج ويتحقق التغيير، وبالأدوات التي يكتسبونها سيرون الواقع، وبحجم الثقة التي تتكون فيهم سيقفون للدفاع عما يؤمنون به، لذلك فإن أي تحرّك يستند إلى الطلاب عليه أن يراعي أن تكون البداية من القواعد الفكرية لدى الطلبة، وأي قفزة لإسقاط نتائج جاهزة (وإن كانت إيجابية)، ودفع الطلبة لتمثلها، ستكون في موضع خطر دائم لافتقادها لصلابة القاعدة المطلوبة. لهذا يفترض بالنضال الطلابي أن يبدأ باستفزاز العقول لطرح الأسئلة الهامة ودفعها باتجاه البحث عن الاجابات، ومن ثم وضعها تحت الضوء لنقدها مراراً وتكراراً في نشاط جماعي يضع جانباً أي مصالح شخصية أو نزعات فردية، وهو ما يتطلب بالضرورة هدم الحواجز بين الطلبة ونبذ كل دواعي التفرقة والانعزال الطلابي.

الخطوة الأهم هي في استعداد الطلبة لخوض هكذا نضال والنظر إليه كأسلوب حياة وقيمة أساسية للحياة الجامعية، وعلى قدر تفاعل المتجهات الفكرية الطلابية يتسلح الطلبة بالأدوات التي ستدعمهم في أي تحركات مستقبيلة فعالة بدلاً من الركون إلى ردود الأفعال الآنية التي لا تعمّر طويلاً.

هكذا نرى كيف أن على الكتلة الطلابية -بمطالبها النابعة من حاجاتها الأهمّ والأكثر شموليّة- أن تفرز الاعتصام وليس العكس، وكيف أن على التفاعلات الطلابية في كل مستوياتها، في داخل الكليّات وعلى جداول الأنشطة الجامعيّة كافة، أن تكون هي المحرك الأساسي الذي يحقق التغيير بدلاً من الاعتماد على نخبة مُحرّكة.

إن هذا التفاعل متعدد الاتجاهات سيساعد في بلورة الصورة داخل الكتلة الطلابيّة، وحين يصل هذا التفاعل إلى مرحلة النضج، سيكون خروجها إلى الشارع الطلابي امتداداً طبيعياً يستمدّ وقوده من ذاته ويكون تمثّله أكثر قبولاً وأوسع تأثيراً.

على طريق تبلور الفكرة، يكمن دور النخبة الطلابية: بدايةً من استفزاز عقول الطلبة لطرح الأسئلة التي تصبّ في جوهر النضال الطلابي، وفتح قنوات الحوار بين أطياف الطلبة المختلفة للإجابة عليها، ومن ثمّ تنسيق العمل في مسارات واضحة أمام الطلبة والسلطة على حد سواء.

 

الوجه السياسي للحراك الطلابي

ضمن النضال المطلبي / النقابي الشامل، تكون توجهات الطلبة الفكرية ومواقفهم السياسية -حين يتم تمثّلها بشكل حرّ وديمقراطي وحواري- إضافة نوعية تضيف للمشهد المجتمعي ثراءً وتنوعاً وتجارب جديدة، المشكلة تكون إذا تذرّع أحدهم بتوجهاته لاقصاء الآخر، أو رفض الحوار معه، فلا غاية مفيدة من أن يصوغ البعض التوجهات السياسية بحدّ ذاتها للمشاركين في الأنشطة الطلابية على أنها تُهَم. لا ضير في أن تكون التوجهات السياسية موجودة داخل الجامعات تعكس الوجه الطلابي للصورة خارجها، إلا أن المشكلة هي في أن تكون جهة ما فشلت في تحقيق مرادها على الساحة الوطنية العامة قد رأت في الطلبة وجامعتهم محيطاً أسهل للاستعراض، وفرصة لإثبات الوجود في تحركات آنية تستغني بها عن بذل الجهد الفعلي في عمل جماهيري/فكريّ طويل المدى.

لنكن صريحين: لو كانت هذه الجهات على القدر المطلوب من المسؤولية على الصعيد السياسي والاقتصادي العام، لما وصل الواقع الأردني إلى ما وصل عليه، ولما احتاجت هذه الجهات إلى أن “تفرد عضلاتها ” داخل الجامعة، لأن “داخل الجامعة” عند ذاك سيكون امتداداً وانعكاساً تلقائياً للإنجازات خارجها.

هذا الخلل تحديداً هو ما يجعل الأنشطة الطلابية الكبرى فرصة للبعض ليسجلوا مواقفاً لم ولن يحققوها في غيرها، ووليمة يريدون حصة من إنجازاتها، فيعزّون بذلك أنفسهم على فشلهم في النهوض بالواقع المؤسف للشارع الأردني.

 

القرار!

فلنعد إلى القرار الذي اعتصم الطلبة لإسقاطه: رفع رسوم التعليم الموازي وبعض تخصصات الدراسات العليا، وسأتحدّث تحديداً عن الموازي. تكمن المشكلة الأساسية في وجود “الموازي” كنظام جباية، وكوسيلة غير مجدية لإصلاح الأخطاء المستمرة للإدارات المتلاحقة، وهو نظام يعزز الطبقية بامتياز، حيث يحرم طالباً من مقعد كان يمكن أن يتوفر في نظام التنافس، ليعطيه لآخر لمجرد أنه يستطيع أن يدفع الضعف أو أكثر.

تشترط أسس القبول للعام الجامعي 2015-2016، ألا يزيد عدد الطلبة المقبولين في تخصصات الجامعة في البرامج الموازية عن (30%) من نسبة الطلبة المقبولين في البرامج العادية، إلا أن الجامعة الأردنية سجلت مخالفات عدة لهذه الأسس في بعض الكليات مثل كلية الطب. أما الفارق في الرسوم بين البرنامجين فكبير: بحسب وحدة تنسيق القبول الموحد، فإن كلفة الساعة الوحدة في تخصص الطب (مثلاً) تبلغ في البرنامج العادي (45) ديناراً مقابل (200) دينار في الموازي.

 

المطلب الأساسي لإحداث تغيير حقيقي في التعليم الجامعي هو مجانيته، وأن يتاح بشكل عادل ومتساو لجميع المواطنين على قاعدة الكفاءة، الأمر الذي يتطلب تغييرات حقيقية في نظام التعليم المدرسي نفسه لجهة رفع كفاءته في جميع أنحاء ومناطق البلاد. وبما أن هذا الأمور غير قابلة للتطبيق حالياً لأسباب عديدة، فالأَولى (قبل أن نطالب بحقوق الطلاب المقتدرين على الحصول على حصتهم التعليمية المنتزعة من العموم بقوة أموالهم) هو النضال من أجل أن يستطيع الطالب -بغض النظر عن خلفيته الطبقية- الحصول على فرصته العادلة كاملة في التخصص الذي يرغبه، أي: إلغاء نظام الموازي بالكامل (وهو نظام تمييزي بامتياز)، وتوسيع قاعدة النظام التنافسي بالرسوم المعقولة المعمول بها حالياً، رغم أن مجانية التعليم الجامعي يجب أن تكون الهدف الاستراتيجي الرئيسي لأي تحرّك طلابي.

سيتيح غياب نظام الموازي زيادة كبيرة في عدد مقاعد التنافس، وسيحفّز طلبة الثانوية العامة على الاجتهاد من أجل نيل الفرص التي يستحقونها، وهو ما سيدفع بالضرورة إلى المطالبة بتغيير تعليمي شامل على مستوى المدارس لجهة رفع كفاءتها، خصوصاً عندما توضع الاختلالات الكبرى في التعليم المدرسي، والتفاوت في المستوى بين المراكز والأطراف، تحت المحاسبة الطلابية.

موقف الجامعة

أمّا وقد ظهر التحرك الطلابي إلى الوجود مرة أخرى، فالجامعة مسؤولة عن الاستماع لمطالب طلبتها، والحوار معهم بشكل جدي، وتحقيق مطالبهم، بدلاً من التعامل معهم بالعقلية الأمنية التي وسمت طريقة تعامل الإدارات الجامعية مع الطلاب تاريخياً [راجع مقال الدائرة المغلقة]. لكن، هل تعلّمت إدارة الجامعة من أخطاء الماضي، والتزمت بحفظ وحماية الحق في حرية التعبير، والحق في المطالبة بالحقوق الطلابية والنقابية، والحق في أن يُنظّم الطلاب أنفسهم للدفاع عن مصالحهم؟

قبل أن تعلن الجامعة الأردنية موافقتها على اسقاط القرار نهائياً كانت قبل ذلك باسبوع قد اتفقت مع المعتصمين على تلبية مطلبهم بإسقاط القرار ولكن على دفعات تسمح لها بتدارك مشاكلها المالية، إلا أنها أخذت تماطل في ذلك حتى انتهى الأمر بإنكارها هذا الاتفاق مع الطلبة أصلاً، الأمر الذي دفع المعتصمين لاستئناف اعتصامهم خلال أقل من أسبوع على الإعلان الضمني لإسقاط القرار، ناهيك عن تصرفات إدارة الجامعة الصبيانية الكثيرة التي كان لها الفضل في انضمام الكثيرين للاعتصام بدلاً من النفور منه: تارةً تطفىء أضواء شارع المكتبة قبل موعدها الأصلي بعدة ساعات، وأخرى تقرّر فيها إغلاق المكتبة ومرافقها في وجه المعتصمين وغيرهم، وثالثة تقرّر فيها منع تواجد الطلبة داخل حرم الجامعة بعد ساعات الدوام الرسميّ، وأخيراً ترويج الإشاعات التي تسيء لسمعة الطلبة والاستعانة ببعض الكتاب الصحفيين لتضليل الرأي العام عمّا يحصل حقيقة.

 

خاتمة

أثبت الطلبة أن للإرادة الطلابية تأثيرها في صنع القرار ، فما قدمه الطلبة يمثل تجربة ناجحة في العمل والضغط الجماعيين وهي خطوة في الاتجاه الصحيح ينبغي البناء عليها وتطويرها ، إلاً أن ذلك وحده لن يؤدي بنا إلى أي تحول جذري نحو التغيير إذا ما افتقدنا الفهم العميق لأسباب الأزمات (على المستوى التعليمي والطلابي والسياسي العام)، وتحوّلنا إلى مناوشة الظواهر السطحية، بدلاً من مواجهة الأسباب العميقة.

أخطاء الجامعة المتتالية وما يصاحبها من تجاوزات في ظل غياب الرقابة على الأموال العامة، وتحويل المؤسسات إلى مساحات للترضيات السياسية والمناطقية من خلال التوظيف الواسع غير اللازم، وتوجّه الدولة “النيوليبرالي” للانسحاب من مهماتها الاجتماعية (مثل التعليم والصحة) هي التي أدّت الى رفع الرسوم أصلاً، وما دامت الأخطاء – ومن يرتكبها- موجودة فستحلّ قرارات أخرى تستهدف جيب الطالب ستحلّ محلّ القرار الحالي لو أُسقط.

لهذا، يجب أن توضع سياسات الجامعة المالية تحت المحاسبة الرقابية العامة والطلابية الخاصة، وأن يُشرك الطلاب في رسم السياسات الجامعية، وأن تتوقف الجامعات عن كونها مساحات متاحة للترضيات من خلال التوظيف، وأن تطلق حريات العمل الطلابي كاملة، وأن يركز الطلاب في مطالباتهم على إلغاء نظام الموازي بكليته، وتحويل مقاعده إلى نظام التنافس، مع إبقاء رسوم نظام التنافس دون رفع، مع صياغة برنامج استراتيجي للسير باتجاه مجانية التعليم.

كل ما سبق ذكره لا يعني أبداً رفضنا للاعتصام ومطالبه، أو رفضاً للعمل السياسي والعام داخل الجامعة وبين الطلاب، أو رفضاً لعمل الأحزاب في أوساط الطلاب. بالعكس، كل هذه الأمور مطلوبة وهامة، وهي التي ترفع سوية الوعي الطلابي، وتحوّل الطلاب إلى فاعلين اجتماعيين سياسيين. ما نرمي إليه هو ألا تغيب أية نزعات نقدية عن تشخيص الواقع، هذه النزعات الضرورية لدفع أي عمل ورؤية، إلى الأمام.