آخر المواد

الدائرة المغلقة: الشباب-التمرد–الاستلاب

الحركة الطلابية الأردنية نموذجاً

هشام البستاني //

مقدمة

سواء أعجبنا هذا الكلام أم لم يعجبنا، إلا أنه الواقع:

شقيقتي التي تصغرني بعشر سنوات (هي الآن في الحادية والعشرين من عمرها) تسألني يوم توفي أبو عمار: “هشام، من كان رئيسا للسلطة الفلسطينية قبل ياسر عرفات؟”.

وتجيبني إحدى الرفيقات التي كلفتها بكتابة مقال لهذا الملف عندما اتصلت بها بعد أسبوع من الموعد النهائي للتسليم (الذي أبلغتها به قبل شهر من تاريخه، وذكرتها به بعدها بمعدل مرة واحدة في الأسبوع على الأقل): “هشام، سأكون صريحة معك، لم أكتب شيئاً”.

واقرأ في الصحيفة عن رفض المحافظ الإفراج عن ثلاثين طالبا (أو أكثر) كانوا سبباً في مشاجرة عشائرية في جامعة الإسراء كانت من “الزخم” بحيث أدت بإدارة الجامعة إلى طلب تدخل القوات الأمنية وإغلاق الجامعة ليومين متتاليين بعدها “منعاً لنشوب المشاجرة مرة أخرى”، هذا مع العلم (كما يقول الخبر) أنه قد تم إيقاف ثلاثة من الطلبة “كانوا في طريقهم لإثارة الفتنة ونقل المشاجرة إلى جامعة أخرى” (الرأي، الخميس 16/3/2006، ص 4).

إذاً، هو كفر بالماضي إلى درجة الجهل به (السؤال عن “رئيس السلطة” قبل عرفات ينم عن جهل فظيع بأهم قضية عربية على الإطلاق وتحولاتها)، واستهتار بالالتزامات والمهام (“لم تكتب شيئا” رفيقتي العزيزة المتحررة من الالتزام الأدبي قبل أي شيء آخر)، وعودة بالحراك الاجتماعي إلى مراحل ما قبل مجتمعيّة (حرب العشائر في الجامعات تحت ظل “التنمية السياسية” لحكومة “التعيين” وبرلمان “الصوت الواحد”).

هذا هو الشباب الذي يبحث عن دوره ونبحث عن “مشاركته السياسية”: جيل برنامج “إنجاز” وميلودي والقوانين المؤقتة والديمقراطيات الزائفة.

ولكن، هل هو كذلك حقا؟؟ هل آلاف الشباب الذين امضوا ساعات داخل سحب “مسيل الدموع” في “معارك” الرابية (المظاهرات ضد سفارة العدو الصهيوني في حي الرابية في عمّان) أعوام 2000 و2002 هم “غير ناس”؟ هل “شباب آخرين” هم أولئك الذين اكلوا العصي والهراوات أمام السفارة الأمريكية في تظاهرة احتجاجية خططتها بدهاء المرحومة عايدة الدباس وحشدت فيها نساء وشباب وشابات “الطبقات البرجوازية” من ساكني عبدون (أحد الأحياء الراقية في عمان حيث يوجد مقر السفارة الأمريكية) مما جعل قوات الأمن تفكر لأربع ساعات قبل أن تقرر الهجوم؟

الواقع أن الشباب يعاني “انفصاماً” كما كل المجتمع، لكنه أشد حدة واضطراباً. و”الانفصام” هذا ليس ذاتياً بقدر ما هو أثر تركة ثقيلة وسياق اجتماعي/سياسي مشوه: هزائم واحتلالات وانهيار أحلام، تسارع وتمكن رهيب للبروباغاندا الاستهلاكية، وتغلغل أمريكي/صهيوني حتى في “التربية” و”التعليم” تحت غطاء “تطوير المناهج” و”تشجيع المبادرات الذاتية” ونثر “بذور السلام”. ولعل أهم العوامل المؤثرة بشدة على هذا “الانفصام”، هو عدم وجود حامل سياسي قادر على توظيف الحراك الشعبي لمصلحة الشعب والدفع بالمجتمع إلى الأمام، بدلاً من توظيف كل شيء للمصلحة الذاتية.

كل المتناقضات في طاقية ساحر واحد: تسحب منها مظاهرة مؤيدة للعراق وفلسطين كما تسحب منها مظاهرة مؤيدة لـ”الأردن أولا”؛ تسحب منها شبابا يلصقون البصل بأنوفهم في مواجهة الغاز المسيل للدموع كما تسحب منها شباباً يغلقون شارع الجامعة بعد فوز برشلونة الأخير في إحدى مباريات “أبطال أوروبا”؛ والشباب في كل الحالات المذكورة أعلاه هم نفسهم. يبقى أن نعرف الساحر (محرك الانفعالات وردود الأفعال)، وهذا هو السؤال الصعب حقاً.

الحق أن دراسة الظواهر في المجتمعات “المشوهة” هي مسألة بالغة التعقيد، ويكذب من يقول أنه قد وضع يده على “مكمن الخلل” و”سبل العلاج”. لكن ما قد يكون معقولاً هو إضاءة هذه الظواهر وعرضها ومحاولة تحليلها، علنا نخرج بفهم أوسع قليلاً مما ظننا أننا نمتلكه. هذا ما سنحاول مقاربته: فتح آفاق أوسع لإجابات لا تدعي أنها “هي الحل”.

مدخل: من الإنسان إلى “المسنن”

نولد ضمن أسرة كبيرة (عادةً)، ونتعود السكوت منذ الصغر في حضرة من هم أكبر منا سناً، ويقال لنا أن “كثرة الأسئلة قلة حياء”، إلى أن نخرج إلى المدرسة حيث الأستاذ يحمل العصا، فيكون علينا أن “نتكتف ونضع إصابعنا أمام شفاهنا” دلالة على الأدب، وأن نمر بتمرينات عسكرتارية (من “طابور الصباح” إلى الالتزام  بعدم مغادرة الصف أو المدرسة).

والحال أن ذلك كله يهدف إلى تطويع الطفل ضمن تقاليد المنظومة الاجتماعية المتوارثة، والى وأد أي نزعة لديه للتغيير أو النقد، تحت تهديد العقوبة القاسية “التي يتعرض لها الابن حين يعصى إرادة أبيه في نمط العائلة التقليدي، فيصبح الابن عاجزاً ومسلوباً من حقوقه ومجرداً من ملكيته…” فيتعلم الابن عبر التجربة المؤلمة أنه لن يأمل في  الوصول إلى هدفه المنشود إلا “بالخضوع لإرادة أبيه”(1) وللإرادة الاجتماعية القمعية بشكلها الأوسع(2).

هذا النسق يتعارض مع البنية النفسية للطفل والشاب التائقين إلى الحرية والتمرد، ولذلك تستدعي هذه البنية خرقاً دائماً للقواعد يتجلى -في شكله الأكثر تكثيفاً- في مرحلة “المراهقة”(3). ويستمر الشاب في محاولات “الخروج من جلباب الأب” التي تتكسر في النهاية حين يتموضع هو نفسه اجتماعياً كأب (أو أم طبعاً) في المنظومة نفسها، ومن خلال آليتين متداخلتين:

1- الزواج: حيث يتحول الشاب بالمفهوم الاجتماعي إلى معيل عليه مسؤوليات تقتضي منه التخلي عن أفكاره “الغريبة” ليتمكن أولا من تحقيق “المتطلبات الاجتماعية” (منزل، أثاث، مجوهرات، مهر، عرس، …) ومن ثم توفير لقمة العيش والعناية لنفسه وعياله.

2- العمل: حيث يضطر الشاب إلى الانخراط في المنظومة الاجتماعية/الاقتصادية السائدة حتى يستحيل عليه أن يفتك منها (هذا إن لم يتواطأ معها).

وعليه، فان الطفل/الشاب يمر بآليات اجتماعية تعيد تشكيله من إنسان إلى “مسنن” في الآلة الاجتماعية. وتصل هذه التحولات ذروتها عندما “يندمج” الشاب اجتماعياً بالآليات التي كان متمرداً عليها. هكذا “يعقل” الشاب ويقرر “بمحض إرادته”، وبمساعدة مبرمجة من الأهل والمدرسة والجامعة والمجتمع، التحول إلى مسنن، حيث لا مفر آخر سوى الهجرة او الانتحار(4).

هنا، نستطيع تحديد صراع متبلور: إنه صراع اجتماعي ذو انعكاسات اجتماعية/اقتصادية، بمعنى انه صراع الأقلية ذات النمط الأبوي الرجعي (قارن ذلك بالأقلية الرأسمالية) ضد الأغلبية الشابة من رافضي ذلك النمط (قارن ذلك بالأكثرية العمالية). الأغلبية الشابة (مضافاً إليها النساء والأطفال) يقع عليها الاضطهاد الأقصى وتُفرض عليها الوصاية الاجتماعية والاقتصادية بشكل دائم:

1- يُفرض عليها الكبت العاطفي والجنسي. ذلك إن “المراهق في ديمقراطيتنا العربية مواطن تحت الرقابة الدائمة، مثل مريض في الحجر، يطارد مريضة مثله.” بل إن هذه “الديمقراطية العربية” لا تكتفي بشرعنة هذا العداء، بل تعتبره “واجباً أخلاقياً مقدساً بشهادة من رجال الدين”(5).

2- تُستغل اقتصادياً. فلا تعد الدراسة والتعليم مثلاً عملاً يستدعي راتباً أو مكافأة (مع أنه يدخل في صلب العملية الإنتاجية من حيث اكتساب المعرفة والمهارة الإنتاجية). وغالباً ما يعمل الأطفال والشباب ليذهب الراتب، على قلته، إلى جيب الأب أو الأم.

3- يتم التعامل معها بدونية وازدراء باعتبارها “غير ناضجة بعد” أو “لا تمتلك الأهلية”.

4- لا تنعكس كثرتها العددية في مراكز متقدمة في أماكن صنع القرار على اختلاف أنواعها.

5- لا يتم إشراكها في تخطيط السياسات أو البرامج المتعلقة بها بشكل خاص، أو مجتمعها بشكل عام.

لهذا كله يتمرد الشباب، وينزعون للتغيير الراديكالي. وباندفاعهم يرفضون الواقع المأزوم، والثقافة السائدة المأزومة: فيرفضون الملابس التقليدية، والموسيقى التقليدية، والطعام التقليدي. ولعدم وجود ثقافة تقدمية حقيقة، يسقط الشباب في “النمط الاستهلاكي العولمي” الجذاب، أو “الفكر الديني” الجذاب هو أيضاً، أو ينحدرون باتجاه العصبويّات التي تؤمن لهم شكلاً من أشكال الغاية والحماية والتحقق الجماعي (المعزول).

ويتم ذلك (عموماً) ضمن تقسيمة طبقية: فمن يملك ثمن التوجه نحو “النمط الاستهلاكي” يفعل، ومن لا يملك الثمن يتوجه نحو الأنماط النقيضة في المظهر ولكن المتوافقة في الجوهر الاستلابي: فإذا كان الاستلاب الأول هروباً إلى الخارج، إلى السلعة، وذلك بنبذ كل ما يمت بصلة إلى الثقافة التقليدية  وتبني النمط الاستهلاكي الرأسمالي (الأمريكي تحديداً)، فان الاستلاب الثاني هو الهروب إلى الداخل، إلى الماضي، الديني/الطائفي أو القبلي/العصبوي، المفبركان في هوية جديدة هي رد فعل على العالم المعاصر.

يعزز الاستلاب الأول سيطرة السمعي/البصري على سائر المنتجات الثقافية، ورواج قنوات الفيديو كليب ومنتجاتها. ويصير على أشكال التعبير نفسها أن تكون على الموضة (in style)، يعيد الشخص انتاجها بصفتها وعياً شخصياً اصيلاً (original) دون أن ينتبه إلى أنها مجرد إعادة تمثل رخيصة للقيء الاستهلاكي اليومي الذي تضخه الشركات (ملابس، مكياج، نظارات، صبغات شعر، حقن ستيرويد، سيارات، موبايلات،…). يتحول الشخص-إذاً- إلى انتهازي رخيص برسم البيع ليشبع كل هذه الحاجات الكاذبة. ويبدو أن الرأسمالية التي أصبحت خبيرة جدا في “خلق الطلب” (أيام زمان كانت الحاجة هي التي تخلق الطلب، والطلب يؤثر على العرض زيادة أو نقصاً، أما اليوم فتقوم الشركات بإنتاج السلع، ثم تستأجر شركات أخرى لعمل حملات إعلانية لإقناع المستهلك بأنه بحاجة ماسة إلى هذه السلع، وبالتالي تخلق الطلب، ويتحكم مُنتج السلعة بالعرض والطلب معاً) تعرف أيضا إن الفرد الخاضع لسطوة السلعة الاستهلاكية قادر على أن يعمل أي شيء ليشبع نهمه إلى تلك السلع، ويتحول المحيط (البيت، العائلة، الوطن، الخ) إلى سوق أسهم وسندات لا غير: أموال وكبسات أزرار وأرقام وأحرف تمر بسرعة على شاشة مضيئة.

ويعزز المجتمع الاستهلاكي أيضاً الاستلاب الثاني لجهة خلق تعارض معه يقوم على احتقار قيم السلعة المنحلّة واستبدالها بالقيم “الأصيلة” الدينية/الطائفية أو العشائرية/العصبيّة.

النمطين السائدين للتعبير عن “التمرد” الشاب: أحدهما طبق الأصل عن الآخر، ويشتركان في جذر واحد هو “الاستلاب” كما عرفه فيورباخ وماركس. انهما في الواقع يموضعان “الوهم الرفضي” بصفته وثناً في غياب صيرورة تقدمية حقيقية: الأول يجعل من إفرازات الرأسمالية والعولمة وثناً استهلاكياً، والثاني يجعل من الماضي وثناً تطهرياً.

إذا أخذنا بعين الاعتبار كل ما سبق، وأضفنا إليه حقيقة أن المجتمع الاردني مجتمع شاب، يشكل من هم دون الثلاثين ما نسبته 73.5% من مجموع السكان(6)، وأن الحركة الطلابية الأردنية هي الحركة الوحيدة التي حملت [إلى زمن كتابة المقالة على الأقل] برنامجاً استراتيجياً رغم التغيرات والفجوات الزمنية الكبيرة بين “فترة نهضة طلابية” وأخرى(7)، بل وتعتبر “كلاً لا يتجزأ بدليل أن أطرها العامة واهدافها الرئيسية ظلت ثابته طيلة السنوات الخمسين” الماضية(8)، استطعنا الاستنتاج بحذر أن الشباب قد يكونوا في جانب من الجوانب، وضمن فترات تاريخية معينة، المعادل الاجتماعي للطبقة العاملة في المفهوم الماركسي التقليـدي، وأن الطلبـة (الطليعة المثقفة للشباب) هم بروليتاريا اجتماعية بامتياز. فـ”الحركة الطلابية تتميز بحرية المبادرة والفعل، ذلك أنها غير خاضعة كلياً لأسر العلاقات الاجتماعية بحكم شبابيتها”(9)، ويصبح الرهان عليها في التغيير رهاناً في مكانه، وتصدق العبارة: “إن تاريخ المعارك التحررية التي خاضتها البشرية هو تاريخ الأجيال الفتية”(10).

الحركة الطلابية الأردنية خلال عام 50 عاما: عرض تاريخي لسياق الإحباط

لا يستطيع الباحث في موضوع يمس الشباب والمشاركة السياسية في الأردن إلا أن يلمس الترابط الكبير بين هذا العنوان والعمل الطلابي الذي يشكل الرافعة السياسية الأولى والحاضنة الأهم لمثل هذه المشاركة. لذا، يصبح من الضروري استعراض تاريخ الحركة الطلابية الأردنية لنرى مسار التحولات التي وصلت بنا إلى الوقت الحالي، ولبلوغ  تحليل موضوعي للوضع الحالي للشباب، ولعزوفهم عن المشاركة في الأحزاب والمنظمات الجماهيرية، بل وتقشفهم في التحرك الفعال من أجل مصالحهم المباشرة.

يجب التنويه إلى ان الفترات الزمنية التي جزأتُ إليها تاريخ الحركة الطلابية لا تقوم على فترات زمنية متساوية، وإنما تعتمد على أحداث مهمة قامت بها الحركة الطلابية نفسها، أو على أحداث سياسية أثرت بشكل كبير على مسيرتها(11).

الفترة 1948 – 1957

تبدأ قصة الحركة الطلابية فعلياً في بدايات عام 1951، حين دارت حوارات طلابية موسعة (ربما بتأثير من الطلبة الأردنيين الدارسين في الجامعات خارج الأردن، والذين اختلطوا بتجارب طلابية تنظيمية، أو عملوا ضمن روابط عربية أخرى) أفرزت مقترحات هامة حول ضرورة إنشاء اتحاد طلاب أردني، وتأسيس جامعة وطنية (لم يكن في الأردن جامعة في ذلك الوقت)، وتخفيض رسوم التعليم المدرسي، والاهتمام بالثقافة العربية، ونشرت هذه المقترحات في جريدة ” الجزيرة”(12).

استمرت هذه الحوارات بالتبلور إلى أن أخذت شكلها النهائي بقيام “المؤتمر العام لطلبة الاردن” عام 1953، وهو أول تجمع طلابي أردني قام بجهود نشطاء طلابيين، وعلى الأخص من البعثيين والشيوعيين. وقد قام المؤتمر بالعديد من المهمات الوطنية والنقابية: فهو، على سبيل المثال، رفض المعاهدة الاردنية- البريطانية لعام 1948، واستمر بالضغط من أجل انشاء جامعة وطنية، وإصدار بطاقات طلابية تخفض أجور المواصلات لحاملها(13)، كما قاد المؤتمر التظاهرات المناهضة لسيطرة الانجليز على الجيش، وعارض حلف  بغداد (1955-1956)، وخرج مؤيداً لمصر خلال العدوان الثلاثي (1956) واحتجاجاً على إقالة حكومة سليمان النابلسي (1957).

وخلال تلك التحركات قدمت الحركة الطلابية الناشئة عشرات الشهداء، وعلى رأسهم الشهيد حقي الخصاونة أول رئيس للمكتب التنفيذي للمؤتمر العام لطلبة الأردن، الذي استشهد برصاص الجيش أثناء قيادته للمظاهرات في مدينة إربد عام 1954، والشهيدة رجاء أبو عماشة التي استشهدت في الفترة نفسها وهي تنزل العلم البريطاني عن القنصلية البريطانية في القدس.

حين حصل الانقلاب على حكومة سليمان النابلسي وفُرضت الأحكام العرفية، زُجّت قيادات المؤتمر في السجون أو نفيت خارج الاردن. وبذلك طويت صفحة المؤتمر مع أنه كان التنظيم الأبرز على صعيد الحركة الطلابية طيلة الخمسين عاماً التالية لسببين: أ – وحدة الحركة الطلابية داخل إطاره. ب – وجوده الفعلي المؤثر داخل الأردن. وهما نقطتان لم تجتمعا في أي تنظيم طلابي نقابي لاحقاً

الفترة 1957-1967

في هذه الفترة تركزت الحركة الطلابية وتنظيماتها النقابية خارج الأردن بسبب نفي القيادات الطلابية إلى الخارج، وإعلان الأحكام العرفية داخل الأردن، ودعم القيادات البعثية الناصرية للحركة الطلابية، وزيادة البعثات إلى الدول الاشتراكية. وقد نشأ آنذاك تنظيمان نقابيان رئيسيان هما “الاتحاد العام لطلبة الاردن” الذي سيطر عليه البعثيون عموماً، و”اتحاد الطلبة الأردني” الذي يعتبر عملياً المنظمة الطلابية للحزب الشيوعي.

أ – ففي العام 1959 جرى لقاء في القاهرة بين ممثلي الروابط الطلابية الأردنية في دمشق والاسكندرية ولبنان والقاهرة(14) تمخض عن ولادة المؤتمر الأول للاتحاد العام لطلبة الأردن. وقد شهد الاتحاد ازدهاراً أثناء الوحدة بين مصر وسوريا، لكنه “لم يتمكن من الامتداد داخل الأردن بفعل الحظر السياسي وغياب الجامعات الوطنية”(15).

ب –  في شباط 1963 عقدت جمعيات روابط الطلبة الأردنيين الدارسين في أوروبا الشرقية (والتي يسيطر عليها الشيوعيون بشكل واسع) مؤتمراً توحيداً في سلوفاكيا، أعلن في نهايته عن قيام “اتحاد الطلبة الأردنيين في أوروبا”. وبعد ستة أشهر، عقدت مجموعة من الطلبة الشيوعيين داخل الأردن مؤتمراً في جرش أعلنوا فيه عن تأسيس “اتحاد الطلبة الأردني” ومركزه عمان، وقام اتحاد الطلبة الأردنيين في أوروبا في العام التالي باعتبار نفسه فرعاً للاتحاد الأخير. واستمر أداء الاتحاد داخل الأردن ضعيفاً نسبياً نتيجة لظروف العمل السرية والقمع والاعتقالات.

الفترة 1967 – 1970

نتيجة للظروف التي أوجدتها هزيمة حزيران 67، وصعود خيار المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الصهيوني، ووجود منظمات المقاومة داخل الأردن، شهدت الحركة الطلابية الأردنية انطلاقة جديدة وقوية. فقد أعلن الاتحاد العام لطلبة الأردن عن نفسه في الجامعة الاردنية مطلع عام 1968(16)، وانضم إلى قوات طلائع حرب التحرير الشعبية. وفي الفترة نفسها أعيد تأسيس اتحاد الطلبة الأردني في الداخل، “إلا أن هذا الاتحاد ظل ضعيفا لأن الشيوعيين اتخذوا مواقف سلبية من العمل الفدائي ومن قوى المقاومة مما دفع الاتحادات الطلابية التابعة لهذه القوى لأن تقاطع اتحاد الطلبة الأردني معظم الوقت”(17).

كما تأسس آنذاك ايضا “الاتحاد الوطني لطلبة الأردن- جبهة النضال الطلابي،” تحت إشراف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واتحاد طلبة الضفتين تحت إشراف حركة (فتح). وكان هذان الاتحادان معنيين بالقضايا الوطنية، فانخرط أعضاؤهما في المقاومة، وشاركوا في المسيرات وإقامة المعسكرات الطلابية. ولكن بعد أحداث أيلول 1970، انتهى فعلياً وجود قوى المقاومة في الأردن، فانتهى بذلك وجود الاتحادين المذكورين(18).

الفترة 1971 – 1975

نتيجة لأحداث أيلول 1970، “تم الاتفاق في بيروت بتاريخ 15/11/1970 بين كافة المنظمات الطلابية والقوى الوطنية….على توحيد الحركة الطلابية الأردنية في إطار الاتحاد العام لطلبة الأردن”(19). ثم عقد المؤتمر الثالث الاستثنائي لاتحاد عام طلبة الأردن عام 1971 في عين الحلوة بلبنان، فكان نقلة نوعية تاريخية للحركة الطلابية الأردنية اذ أعلنت جميع التنظيمات الطلابية اندماجها في الاتحاد العام، عدا الشيوعيين الذين رفضوا حضور المؤتمر وتمسكوا بتنظيمهم التاريخي: “اتحاد الطلبة الاردني”. وقد انتعش الاتحاد العام في السبعينيات ووصلت أعداد فروعه إلى 34 وأعضاؤه إلى 6500 طالب وطالبة(20).

في العام 1972، طرحت الجامعة الأردنية مشروع اتحاد يتبع لها سعياً لاحتواء العمل الطلابي. وقد شاركت معظم التيارات في انتخابات هذا الاتحاد، وفاز بمقاعده في عاميه الأولين طلبة شيوعيون وآخرون ينتمون الى الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وفي العام الثالث (والأخير) من عمر الاتحاد فاز الإسلاميون بنسبة جيدة من المقاعد(21)، وهي المرة الأولى التي يسجل فيها دخول الإسلاميبن إلى قيادة العمل الطلابي. وقد قام الاتحاد بعدة نشاطات سياسية ونقابية كان أهمها تنظيم مسيرات واعتصامات عام 1973 احتجاجاً على رفع رسوم الدراسة استمرت ثلاثة أيام، انتهت بدخول قوات الأمن إلى الجامعة. كما اضرب طلبة الكليات العلمية أربعة أيام أواخر عام 1974 للمطالبة بإقرار نظام داخلي جديد للاتحاد، ونجحوا في ذلك. ونظم طلاب كلية العلوم إضرابا لمدة أسبوعين عام 1975 احتجاجاً على أحد القرارات الأكاديمية، لتنتهي الأحداث بزيارة رئيس الوزراء إلى الجامعة وإعلان إلغاء القرار.

بعد انتهاء دورة 1974/1975 قررت إدارة الجامعة “عدم إجراء انتخابات جديدة للاتحاد … دون أن تعلن رسمياً عن حله”(22)، لينتهي بذلك اتحاد طلبة الجامعة الأردنية بعد أن فشلت إدارة الجامعة في تحقيق غرضها منه، وحلت محله “الجمعيات الطلابية” التي تنحصر مهماتها في القضايا الخدمية البحتة.

الفترة 1976 – 1986

* الاتحاد العام لطلبة الأردن: عقد مؤتمره عام 1976 في بغداد، فانشق عنه تيار البعث السوري بعد إدانة المؤتمر دخول القوات السورية إلى لبنان، وانشقت الجبهة الديمقراطية عام 1979 بعد طرحها الحل المرحلي للقضية الفلسطينية، وبدأت الكثير من الفروع بالانفصال أو التآكل، وجمدت بقية القوى نشاطاتها داخل الاتحاد لخلافات سياسية، فتكرست سيطرة البعث العراقي على الاتحاد، وضعف كثيرا خلال الثمانينات وما تلاها.

* اتحاد الطلبة الأردني: في العام 1977، انضمت الجبهة الديمقراطية بعد انشقاقها المذكور أعلاه إلى اتحاد الطلبة الأردني تحت اسم جديد هو “الاتحاد الوطني لطلبة الاردن.” وقد بدا أن تنظيم هذا الاتحاد كان جيداً رغم سريته، واستفاد من الفراغ الذي خلفه اتحاد الجامعة الأردنية بعد حله، واستطاع عام 1977 الحصول على قيادة 17 جمعية طلابية من اصل 21(23)، كما استطاع أن يضم في عضويته عدداً كبيرا من اليساريين المستقلين، إضافة إلى الشيوعيين والديمقراطيين، وامتد نشاطه إلى جامعة اليرموك بعد افتتاحها.

كان الاتحاد نشيطاً سياسياً، فقد دان اتفاق كامب ديفيد عام 1978، ونظم مظاهرات ضد توقيع المعاهدة المصرية-الصهيونية عام 1979، كما نظم معرض يوم الأرض بعد ذلك بأيام، فاقتحمته مجموعة محسوبة على أجهزة الأمن ودمرت محتوياته، فكان أن أعلن الاتحاد الاعتصام والإضراب داخل الجامعة أربعة أيام، فحاصرت قوات الأمن الجامعة واعتقلت 30 طالباً، وبعد أن هدأت الأوضاع في اليوم الرابع فصلت الجامعة 20 طالباً واعتقلت قوات الأمن أعداداً أخرى، الأمر الذي أدى إلى الإضراب والاعتصام أسبوعين متتاليين. ونظراً لحجم الاعتقالات والملاحقات الأمنية، خفت وتيرة الاتحاد في السنوات التالية، وانفرط عقده عام 1982 بعد انسحاب الجبهة الديمقراطية منه.

خاضت القوى الطلابية -رغم تشتتها- خلال الثمانينات، نضالات نقابية هامة جداً، كان أبرزها مظاهرات جامعة اليرموك عام 1983 للمطالبة بتخفيض المعدل التراكمي الذي يستحق الطالب الإنذار الاول بموجبه من 70% الى 65%، فتحقق لها ذلك باستمرار المظاهرات عدة أيام. كما حصلت مظاهرات جامعة اليرموك عام 1986 بهدف إلغاء رسوم مالية فرضتها إدارة الجامعة لقاء التدريب العملي لطلبة كلية الهندسة، وتطورت بإضافة مطالبة إطلاق سراح المفصولين على خلفية تلك المظاهرات، وانتهت باقتحام قوات الأمن حرم الجامعة فجر 15/5/1986 وسقوط 3 شهداء وعشرات الجرحى.

الفترة 1989 – 1992

بتأثير هبة نيسان عام 89 في مدن الجنوب، وما يسمى “الانفراج الديمقراطي” الذي تبلور بإعادة الحياة البرلمانية إلى الاردن، ورفع الأحكام العرفية، ورفع الحظر عن الأحزاب السياسية، بدأت سلسلة من الحوارات الطلابية، وخصوصاً في الجامعة الاردنية، من أجل الوصول إلى صيغة تمثيلية للطلبة. فطرح القوميون واليساريون صيغة الاتحاد العام لطلبة الأردن، في حين طرح الإسلاميون الاتحادات الموقعية الواسعة الصلاحية، وطرح الطلبة المستقلون (وهم طلبة محسبون على الأجهزة الأمنية، تبلوروا لاحقاً باسم “تجمع الوطن”) صيغة الاتحادات الموقعية المحدودة الصلاحية.

وانضم الإسلاميون فيما بعد إلى صيغة الاتحاد العام مع القوميين واليساريين، وأُطلق على التحالف “مبادرة الوحدة الطلابية” في مواجهة مبادرة المستقلين. ثم جرى استفتاء شارك فيه أكثر من 80% من طلبة الجامعة الأردنية، لتفوز صيغة الاتحاد العام باكثرية 76% من الأصوات. بعد ذلك أُجريت انتخابات اللجنة التحضيرية، فسيطر الاسلاميون على 82 مقعدا من أصل 85 مقعدا، وكانت تلك النتيجة صدمة قاسية لقوى اليسار الطلابية.

غير أن الإسلاميين لم يعملوا بالجدية المطلوبة لانجاز مشروع الاتحاد العام، واتفقوا عام 1992 مع إدارات الجامعات الرسمية على صيغة الاتحادات الموقعية التي شتتت العمل الطلابي، واعتبر ذلك انتكاسة كبيرة لنضالات الحركة الطلابية.

الفترة 1993 – 1999

سيطرت الحركة الاسلامية تماماً على الاتحادات الموقعية، لكنها لم تستطع توفير المظلة النقابية والسياسية للطلبة بما يتناسب مع المرحلة. كما فشلت في حل كثير من القضايا الطلابية(24)، ولم تؤد الدور المطلوب في القضايا الوطنية الهامة مثل أحداث الخبز عام 1996.

وبعد إقرار الحكومة لقانون الصوت الواحد في الانتخابات النيابية، وتطبيقه في مرحلة لاحقة داخل الجامعات، برزت بقوة ظاهرة الإقليمية والجهوية والعشائرية. ومع أن الإسلاميين “حاولوا الوقوف في وجه هذا التيار، الا انهم انساقوا نحو الأخذ بالإقليمية في طرح مرشحيهم غير مرة لكسب أكبر عدد ممكن من الأصوات، مما أثر في النهاية على نوعية القيادة الطلابية التي حركت الشارع في خضم الأحداث المهمة”(25). ولا يحسب للحركة الاسلامية في الوسط الطلابي إلا رفضها لمعاهدة السلام مع العدو الصهيوني، ودعواتها المستمرة إلى مقاومة التطبيع في أوساط الطلبة والجامعات.

في تلك الفترة بدأ نجم تيار طلابي جديد في البروز تحت اسم “التجمع الطلابي الوطني الأردني- وطن” وهو تجمع ساهمت الأجهزة الامنية في إنشائه، ودعمته هي وإدارات الجامعات الرسمية بكل الوسائل. وقد نما هذا التيار بهدوء معتمداً صيغ التأييد الكامل للسلطة الرسمية وقراراتها المختلفة، وساهم في ازدهاره قانون الصوت الواحد في البرلمان ثم الجامعات، وبلغ هذا التيار أوجه في العام 1998 حين استطاع أن يسيطر على الاتحادات الموقعية في الجامعة الاردنية، وجامعة اليرموك، وجامعة مؤتة. ومع وجود تجمعات إقليمية فلسطينية ترعاها على ما يبدو السفارة الفلسطينية وتنظيم فتح، إلا أنها لم تكن ذات تأثير كبير رغم إصدارها البيانات والملصقات وعقدها بعض الأنشطة.

أما بالنسبة إلى القوى القومية واليسارية، فقد انحسر دورها كثيراً واقتصر وجودها على مجموعات صغيرة من الطلبة المستقلين، ولم يكن للأحزاب القومية واليسارية أية كوادر طلابية تذكر.

الفترة 2000 – 2005

في نيسان 2000، وإمعانا في ضرب الحركة الطلابية المترهلة، أصدرت إدارة الجامعة الأردنية تعديلات على نظام اتحاد طلبة الجامعة الأردنية، بحيث أصبح نصف المجلس منتخباً ونصفه الآخر(بمن فيهم الرئيس) معيّناً من قبل رئيس الجامعة. عندها برزت دعوات المقاطعة من كافة القوى الطلابية (فيما عدا تيار “وطن”)، وبادر اليسار مرة أخرى (حزب الوحدة الشعبية تحديداً) إلى طرح صيغة الاتحاد العام لطلبة الأردن، فانضم إليها الاسلاميون لاحقاً فيما سمي “تحالف القوى الطلابية”. انبثقت لجنة متابعة عن هذا التحالف، لكنها ما لبثت أن انشقت مرتين أواخر العام 2000: الأولى حين انسحب الإسلاميون عندما لم يصلوا إلى صيغة تضمن لهم الأغلبية في اللجنة التحضيرية للاتحاد العام، والثانية بعد أن جمد اليساريون المستقلون نشاطهم (وهم الأكثرية طلابياً) عقب إصرار المكاتب الحزبية (التي لا تملك تمثيلا طلابياً واسعاً) على تقليص دورهم في لجنة المتابعة.

تكثفت مساعي الاسلاميين في شهر 5/2001 مع قرب الانتخابات البرلمانية في الأردن، وأعادوا دعوة ممثلي الأحزاب والمستقلين إلى مؤتمر للموافقة على صيغة دستور طرحه الإسلاميون، إضافة إلى اقتسام مقاعد اللجنة التحضيرية، غير أن الاجتماع باء بالفشل بعد مقاطعة المستقلين له.

وما زال الأردن حتى الآن بدون اتحاد طلبة عام، وبدون اتحادات أو منظمات طلابية أو شبابية فاعلة مستقلة بالكامل.

معوقات العمل الشبابي والطلابي

الحركة الطلابية الأردنية جزء من الحراك الاجتماعي/السياسي العام، والإحباطات والمعوقات التي واجهتها خلال مسيرتها الطويلة هي عينها التي واجهتها القوى الوطنية من قبل السلطة لبسط السيطرة التامة لهذه الأخيرة، وإلغاء أية معارضة للالتحاق بالمنظومة الرأسمالية العولمية، بما يستتبع ذلك من إلغاء لدور الدولة الاجتماعي والاقتصادي، وتصفية القضية الفلسطينية، وإلغاء نزعات التحرر والتنمية المستقلة.

من خلال التحليل الموضوعي لتاريخ الحركة الطلابية الأردنية، يمكن ملاحظة ثلاثة معوقات متداخلة رئيسية، عملت على تحييد الحركة الطلابية وتنفيسها وإحباطها، وهذه المعوقات هي:

أولا: السلطة السياسية. عملت السلطة بشكل كبير ومستمر على ضرب الحركة الطلابية الأردنية، وإعاقة عملها، وتفتيتها. فمنذ بداية الخمسينيات رفضت الأجهزة الأمنية إعطاء ترخيص لاجتماع الطلاب في مؤتمرهم الأول عام 1953، وحين سمحت به حاصرت مكان الاجتماع وضايقت المجتمعين، ولم تعترف به، فاضطر إلى العمل السري. ومع إعلان الاحكام العرفية في 25/4/1957، انتهى المؤتمر باعتقال قياداته أو مغادرتها البلاد. كما أدى اعتقال قيادات الاتحاد الوطني لطلبة الأردن عام 1979 إلى اختفاء الاتحاد عملياً.

ولم توافق السلطة السياسية في أي مرحلة من مراحلها على قيام تنظيم نقابي طلابي جامع مستقل، بل عمدت إلى التضييق حتى ضمن الصيغ التفكيكية التي ابتدعتها. فمثلاً حلت السلطة عام 1974 “اتحاد طلبة الجامعة الأردنية” الذي أنشأته هي نفسها عام 1972 لمحاصرة اتحادات طلبة قوى المقاومة بعد أحداث 1970، وأنشأت بدلاً منه جمعيات طلابية “كانت أسوأ ما مر على التاريخ الطلابي قطعاً، لأن الجمعيات شتتت العمل الطلابي في كل المؤسسات الجامعية”(26).

وعمدت السلطة إلى الموافقة على الاتحادات الموقعية عام 1992 لإجهاض مبادرة عام 1990 لإنشاء الاتحاد العام. ثم عمدت إلى فرض صيغة الصوت الواحد في الاتحادات الموقعية انعكاساً لتوجه السلطة العام القائم على تفتيت المجتمع الاردني إلى جهات ومناطق وعشائر. وقامت إدارة الجامعة الأردنية عام 2000 بإصدار نظام يتمكن بموجبه رئيس الجامعة من تعيين نصف أعضاء الاتحاد الموقعي ومن بينهم الرئيس، وتبعتها في ذلك الجامعات الحكومية كلها.

إضافة إلى ما سبق، عمدت السلطة إلى خلق ودعم تيار “حكومي” داخل الجامعات الاردنية وهو تجمع “وطن” الذي تأسس في 24 /11/1991، وهو تيار إقليمي انعزالي، يؤيد معاهدة السلام الاردنية-الصهيونية(27). كما أنشأ طلبة من هذا التيار “نادي الصداقة والسلام” عام 1996 في الجامعة الأردنية بعد توقيع “معاهدة وادي عربة”، وهو ناد يهدف إلى “إيجاد قاعدة طلابية قادرة على الاحتكاك مع المنظمات المماثلة لدى الطرف “الاسرائيلي”(28). وفي فترة سابقة هاجم أفراد من هذا التيار (قبل تبلوره بشكله المنظم الحالي) مظاهرات مؤيدة للانتفاضة الفلسطينية الأولى في جامعتي اليرموك والأردنية يومي 8 و10 /12/1988، مستعملين العصي والجنازير(29). وقد ترسخ هذا التيار وأخذ مواقع قيادية في الجمعيات الطلابية والاتحادات الموقعية بدعم من السلطة، وخصوصاً بعد إقرار قانون الصوت الواحد في الجامعات الأردنية.

وإمعانا في التضييق على الحركة الطلابية والمشاركة الشبابية، أنشات الجامعات في نهاية التسعينات مكاتب للأجهزة الامنية داخل حرمها، لإحكام الرقابة على الطلاب وتخويفهم.

ثانيا: الواقع الاجتماعي/ الثقافي. يتعرض الطفل منذ ولادته لعملية تأطير واضطهاد خطيرة، فتَعامل إدارات المدارس وأساتذتها مع الطلبة، والعملية التربوية المدرسية برمتها، يتمحوران حول نظام عسكرتاري قاس (طقوس الطابور الصباحي، تمارين “استرح/ استعد” اليومية، الدخول المنتظم الى الصفوف، رتابة الدوام المدرسي، طقوس التفتيش على الأظافر والشعر، العقوبات البدنية والنفسية، الطبيعة “التلقينية” في عملية التدريس…الخ). وإذا أضفنا إلى ذلك وجود بيئة مماثلة (ربما أكثر تبلوراً) في المنزل، بحكم سلطة الأب، أو الأم، أو كليهما، نجد أن المواطن اليافع يتعرض في أخطرمراحل تكوين وعيه إلى عملية هدم تؤثر فيه بشكل عميق في جميع مراحله اللاحقة.

كما أن عدم وجود دخل مستقل للطلبة والشباب بشكل عام، واعتمادهم شبه الكلي على أهلهم في السكن والإعالة المالية، عامل إضافي يُسهل الضغط عليهم لثنيهم عن أي نشاط سياسي أو نقابي.

ويمكن ملاحظة عدة عوامل اجتماعية أخرى تصب في السياق نفسه:

أ – سهولة ممارسة الإدارة الجامعية للضغوط، مثل الإنذار والفصل، وما يتبع ذلك من إعاقة لمسيرة الطلاب الدراسية وتحميلهم أعباء مالية .

ب – تراجع الثقافة النقدية التحررية أمام الثقافة الاستلابية بفروعها الدينية والعصبوية العشائرية والاستهلاكية، وما يستتبع ذلك من تشتيت للجهود الطلابية وإعاقتها عن القيام بتغييرات جذرية.

ج – الانتكاسات السياسية المتلاحقة، الأمر الذي ولد إحباطات هائلة لدى الشباب.

د – سيادة الثقافة التحذيرية من العمل العام، وخصوصاً بضغط من الأهل، وضمن معادلة “الحذر من انعكاس النشاط السياسي على مستقبل الشاب” الذي يعيش في مجتمع يعاني أزمة بطالة حادة.

و- تراجع الأحزاب والقوى السياسية في المجتمع، بل وانقلابها إلى حالة “ضد العمل الجماهيري” ضمن معادلاتها وتوازناتها مع السلطة السياسية.

ثالثا: القوى السياسية والمدنية (الأحزاب والنقابات وغيرها). لم تعمل القوى السياسية يوماً من أجل التطوير المستقل للحركة الطلابية، ولم تعمل جدياً لدفع الشباب إلى العمل السياسي الحقيقي أو المواقع القيادية، بل كانت دائماً تستعمل الحركة الطلابية لإثبات وجودها على الساحة السياسية، أو لجذب الكوادر، أو لنشر فكرها السياسي أو الأيديولوجي. فبدلاً من أن تقوم القوى السياسية المختلفة بالعمل مع الحركة الطلابية لإيجاد إطارها الوطني الشامل، كان قرار المكتب السياسي هو صاحب الأولوية، لا المصلحة الطلابية. في هذا الصدد يقول هاني الحوراني، رئيس الاتحاد الوطني لطلبة الأردن- جبهة النضال الطلابي بين اعوام 68-1970: “إن الجبهة الديمقراطية تبنت سياسة تحويل الاتحاد إلى مؤسسة من مؤسساتها، ورفضت على الدوام فكرة توحيده مع القوى الأخرى أو مع عناصر طلابية مستقلة بالشكل الذي يحوله إلى مؤسسة طلابية نقابية، لأن ذلك يتعارض ببساطة مع أهدافها السياسية منه”(30)، ويلاحظ سامر خرينو(31) أن التيارات الطلابية البعثية “أخذت تتحرك وفقاً لمواقف قواها السياسية والأنظمة التي ترتبط بها، لا وفق حاجاتها الطلابية،” مضيفاً أن الشيوعيين وجهوا نشاطات هيئات التمثيل الطلابي “لصالح خدمة وجودهم السياسي في الداخل والخارج”.

كما عملت “القوى السياسية التي حازت تعاطف الجماهير من أجل الإفادة من اندفاع الطلبة والشباب الراغبين في خدمة القضايا الوطنية لتقوم بتنظيمهم في صفوفها”(32): فانخرط أغلبهم في البعث والشيوعي في الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات، ثم في تنظيمات المقاومة حتى منتصف السبعينيات، وفي التيار الإسلامي منذ بداية التسعينيات. وهذا ليس سلبياً في حد ذاته، وإنما السلبية هي أن يكون الجهد الحزبي في الحركة الطلابية موجهاً فقط من أجل جذب الكوادر بعيداً عن دعم إنشاء مؤسسة طلابية قوية ومستقلة، إذ يمثل هذا مؤشراً على نظرة الأحزاب إلى الفئات الشبابية والطلابية “كمخزون عددي” أو “مشاريع” – كما يحلو لبعض الأحزاب تسمية من هم في طور “التأهيل”- مع ما تختزنه هذه النظرة من دونية.

إن فشل الحركة الطلابية قد يعزى في جزء منه إلى القوى السياسية التي كانت على علاقة بها، والتي كانت تُعرقل العمل لخلافات سياسية بينها، أو لرغبتها في احتكار قيادة العمل الطلابي، أو حتى لأسباب غير موضوعية ذات علاقة بـ “الدقر” السياسي. فمثلاً:

* لم تفلح محاولات توحيد “الاتحاد العام لطلبة الأردن” مع “اتحاد الطلبة الأردني” نتيجة للخلافات حول التمثيل في الاتحاد العالمي، وحرص التياران اللذان يسيطران على الاتحادين (البعث على الاتحاد العام، والشيوعي على اتحاد الطلبة) على الاستئثار بقيادة العمل الطلابي.

* بعد انهيار الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961، تعرض قياديو الاتحاد البعثيون للمضايقة في مركز الاتحاد في القاهرة، ثم أبعدت القيادة المصرية قيادات الاتحاد إلى دمشق عام 1963، فانقسم الاتحاد إلى جزئين كل يدعي الشرعية: أحدهما في دمشق (بعثي) والآخر في مصر (ناصري)، في حين استقلت فروع أخرى مثل فرع يوغوسلافيا عنهما.

* اكتظت الساحة الاردنية في فترة 68-1970 باتحادات طلابية شتتت العمل الطلابي، وكانت في الواقع إفرازات لتنظيمات سياسية (فتح، الشعبية، الديمقراطية، البعث، الشيوعي …الخ) أعطت نفسها صفة المنظمات النقابية.

* انفك الاتحاد العام لطلبة الأردن/فرع سوريا عن الاتحاد الرئيس بعد دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، واتخاذ الاتحاد الرئيس الذي يسيطر عليه البعثيون العراقيون قراراً بإدانة التدخل.

* انفصل التنظيم الطلابي التابع للجبهة الديمقراطية عن الاتحاد العام عام 1977 وانضم لاتحاد الطلبة الأردني (شيوعي) وذلك بعد مقاطعة باقي التيارات السياسية للجبهة الديمقراطية عندما طرحت الحل المرحلي للقضية الفلسطينية(33).

أما في ما يتعلق بأخطاء التيار الإسلامي في تعاطيه مع الملف الطلابي والشبابي، فنورد ما يلي:

أولا – حظي المؤتمر العام لطلبة الأردن (1953) بدعم جميع القوى السياسية باستثناء الاخوان المسلمين الذين رفضوا الاعتراف به، ومارسوا حملة دعائية ضده(34).

ثانيا – أجهضت الحركة الإسلامية مبادرة الوحدة الطلابية عام 1990، والمتمثلة في إنشاء اتحاد عام لطلبة الأردن بعد أن سيطرت على اللجنة التحضيرية للاتحاد ومن ثم اتفقت مع إدارات الجامعات -بعد سنتين- على صيغة “الاتحادات الموقعية” المنفصلة بدلاً من الاتحاد العام. هذا رغم أن الظرف كان يسمح بالتصعيد المباشر، فقد كان “التحول الديمقراطي” في الأردن لا يزال في طوره الدعائي “المتسامح،” وما تزال آثار هبة نيسان حاضرة في الذاكرة، وكان الشارع الاردني في أقوى حالاته إبان فترة العدوان الأمريكي الأول على العراق.

ثالثا – استمر الإسلاميون خلال التسعينيات بقيادة الاتحادات الموقعية في كل الجامعات الحكومية في غياب أي قوى أخرى باستثناء التيار الحكومي الصاعد، فعتموا على قضية الاتحاد العام، ودفعوا بها إلى النسيان، بل إنهم قاموا “باستغلالها كورقة رابحة في علاقتهم مع الجهات الحكومية، حيث لوحوا بحشد الطلبة وتثويرهم إذا ما تعرضوا لمضايقات، وكان ذلك على حساب القضية الطلابية وعلى حساب المصلحة الوطنية عموما”(35).

رابعا – طرحت القوى اليسارية مبادرة لإعادة إحياء الاتحاد العام منتصف سنة 2000، فانضم الإسلاميون إلى المبادرة الجديدة التي سميت “تحالف القوى الطلابية” الذي انفرط عقده في الثلث الأخير من ذلك العام بعد أن وصل النقاش إلى طريق مسدود حين طالب الإسلاميون بأغلبية في اللجنة التحضيرية مقابل أقلية لجميع القوى الأخرى.

أما بالنسبة إلى النقابات المهنية في الأردن، فلم تسهم بجذرية في النضالات الطلابية او قضية الاتحاد العام لطلبة الأردن، بل قدمت دعماً معنوياً للحركة الطلابية. فمثلاً: قامت النقابات بحملة ضد السلطة وإدارة الجامعة الاردنية عام 1979 عندما فصلت هذه الأخيرة عشرين طالباً إثر المظاهرات التي اندلعت يوم توقيع معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني وذكرى يوم الارض. وقد شكلت نقابة المحامين لجنة دفاع عن الطلبة المفصولين برئاسة حنا نده ورفعت قضية أمام محكمة العدل العليا وكسبتها بعد ستة أشهر، وصدر قرار باعادة الطلبة المفصولين. غير أن مثل هذا الدعم تلاشى تماماً في التسعينيات وما بعدها.

وأما المؤسسات الشعبية الاخرى فلا تولي أي اهتمام يذكر بقطاع الشباب والطلاب، في الوقت الذي امتد فيه نفوذ المشاريع الممولة أجنبياً بتسهيلات كبيرة من الحكومة إلى طلاب المدارس والجامعات والمنضمين حديثا إلى سوق العمل. وفي حين تسمح الحكومة لبرامج مثل “إنجاز” المموّل من قبل وكالة التنمية الدولية الأمريكية USAID بالعمل بكل حرية في المدارس والجامعات، تقوم باعتقال نشطاء مقاومة التطبيع لنيتهم طباعة مساطر وأقلام وبرامج مدرسية تحمل شعارات مقاومة التطبيع!

كسر الحلقة المفرغة: ما العمل؟

اعتماداً على كل ما سبق، وللخروج بأفكار ما حول ضرورة إعادة الزخم للحركة الطلابية/ الشبابية لتعود رافداً رئيسياً من روافد الحركة الوطنية، ورافعة جادة للتحرر، أضع تالياً بعض المقترحات:

إعادة الاعتبار إلى “الراديكالية” في العمل السياسي. إن الشباب، باندفاعهم وطموحاتهم، غير معنيين بمقاربات “مهادنة” أو”وسطية” أو غيرها من الأسماء التي تتزين بها الطروحات الاستسلامية أو الانتهازية.  وهذا الموقف قد ينطبق على أغلب القطاعات الشعبية التي وقفت دائماً إلى جانب خيارات التحرير الكامل للأرض العربية الفلسطينية، والعداء السافر لإمبريالية الولايات المتحدة، والمشروع الاسنعماري الاستيطاني للكيان الصهيوني(36). لذلك فإن إعادة الاعتبار للعمل السياسي الراديكالي والأطروحات السياسية الجذرية ستضمن شحناً سياسياً مهما للمجتمع وأغلبيته الشابة، وتخلق مناخاً يستطيعون فيه التجاوب مع معطيات المرحلة الحرجة، سواء تعلّق الأمر بالقضايا الكبرى، أو بالقضايا المطلبية.

تحطيم المنظومات التقليدية في العائلة والمدرسة والجامعة. تعمل المنظومات الاجتماعية التقليدية، كما مر معنا، على تأطير الشباب وتحويلهم إلى “مسننات” في الآلة الاجتماعية القمعية التي تكرسها هذه المنظومات. يقول أندريه كلوكسمان: “إن الجامعة هي مكان إعادة انتاج المعرفة البرجوازية بامتياز، واليوم هي حلقة ضعيفة يمكن للثوريين أن يحطموها. إن تحطيم الجامعة هو بداية تحطيم السلطة البرجوازية”(37)؛ أما لينين فيقول إن المدرسة “القديمة” كانت كل كلمة من كلماتها “مكيفة وفقاً لمصالح البرجوازية…[وفي هذه المدارس] كانوا يهتمون لا بتربية الجيل الفتي من العمّال والفلاحين، بل بإعداده لمصلحة البرجوازية نفسها. كانوا يربونهم بحيث يجعلون منهم خدماً للبرجوازية يستجيبون لمتطلباتها”(38)؛ وعليه فإن تحطيم الآلة الاجتماعية التقليدية يبدأ ببساطة في أماكن إنتاجها وتكريسها كسلطة مهيمنة، وهذه الأماكن هي: العائلة والمدرسة والجامعة، بما يمثله كل منها اجتماعياً.

غير أن تحطيم هذه المنظومات يتطلب إعادة بناء صعبة، واعادة صياغة العلاقات داخلها على أسس الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية. وإنجاز هذا المشروع هو إنجاز الثورة على الصعيد الاجتماعي، وهذه الثورة تشكل قاعدة لإنجاز ثورات على الصعد الاخرى. يلاحظ صادق جلال العظم أن ثورية الشباب “تبقى في أغلب الأحيان ثورة على المستوى السياسي لا أكثر، أي أنها لا تتعدى الأطر الفوقية، ولا تمس بصورة عملية وفعلية مستوى العلاقات الاجتماعية ونسيجها التقليدي الذي يطبع الصعيد السياسي الأول بطابعه المتخلف والبطيء”(39). بهذا المعنى تبقى البنى الاجتماعية الأساسية متخلفة عن، ومتناقضة مع، “الثورية الفوقية” هذه. هذا يؤكد أن التغيير الحقيقي في المجتمع هو –في أحد جوانبه الهامة- تغيير اجتماعي، وأن من سيقوم به هو حامل اجتماعي يثور على المنظومات الاجتماعية المتخلفة ويحطمها.

معالجة “هشاشة الشباب.” أسلفنا أن الشباب أكثر عرضة للتهديد والابتراز من القوى الاجتماعية الاقتصادية المهيمنة، وعليه أرى ضرورة ملحة لما يلي:

* مجانية التعليم في جميع مراحله: المدرسية والجامعية والدراسات العليا.

* دفع حافز مالي لكل طالب ابتداء من المراحل المدرسية المتأخرة. وهذا الحافز مهم في سياق الدفع باستقلالية معيشية لفرد منتج في مرحلة تأهيله لدخول سوق العمل.

* أن تتولى الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمؤسسات الشعبية الأخرى بلعب دور داعم لاستقلالية الحركة الطلابية / الشبابية، وممكّن لها.

دور المؤسسات الشعبية. ظهر جلياً من خلال الاستعراض التاريخي أعلاه، سيادة نمطين من التعامل مع الحركة الطلابية فيما يخص المؤسسات الشعبية: الاستغلال وفرض الرؤى لإثبات الوجود السياسي أو تحقيق أهداف سياسية تكتيكية (حالة الأحزاب)، والتفاعل الحذر أو الإهمال وعدم الاكتراث (حالة النقابات المهنية).

ولد مثل هذا التعامل إحباطات هائلة لدى الشباب، تبلورت فيما بعد (بمساعدة ظروف موضوعية أخرى أشرنا إليها) لتُحدث نفوراً من الصيغ التجمعية أو التكتلية أو الحزبية، ذلك أن هذه الصيغ في مجتمعاتنا هي إعادة إنتاج بائسة لنمط العلاقات الهيمنية السائدة في دوائر السلطة: فأمين عام الحزب (كما الحاكم) يظل في موقعه أبد الدهر، وينعدم الحوار والنقاش الديمقراطي داخل الأحزاب (كما في الشارع المُتخم بالمخبرين)، وتُلغى فردية العضو وإمكانياته النقديّة داخل التنظيم (كما يتحول المواطن إلى “مسنن”)، وتنزل الأوامر من المكتب السياسي (كما تصدر المراسيم من السلطة)، ويُعاقب من يتخذ موقفاً مخالفاً في بعض القضايا دونما اعتبار لرأيه أو تاريخه في ذلك الحزب (وأمثلة “العقاب السلطوي” للمخالفين تملأ المجلدات).

ولهذا فإن على المؤسسات الشعبية:

– أن تقدم الدعم المباشر للحركة الطلابية دونما اشتراطات سياسية، ومن منطلق حق هذه الحركة في الوجود والفعل كمنظومة اجتماعية نقابية سياسية رافضة ذات نزعات تحررية تملك رؤاها وأهدافها، لا اعتبارها “واجهات سياسية”.

– أن تتوجه نحو العمل الشعبي العام بدلاً من العمل النخبوي.

– أن تُسلم العديد من المواقع القيادية للشباب حتى تمتلك هذه الفئة دافعية أكبر وقدرة أعظم على تحقيق التغيير.

 

الهوامش:

(1) هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ترجمة محمود شريح، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، )1993، ص 64.

(2) يمكن ملاحظة أثر نموذج “الأب” في إعادة صياغة النمط الرجعي وآلياته، ورفض الجيل اللاحق لها، في قصة “لا” لزكريا تامر في مجموعته: النمور في اليوم العاشر (بيروت: دار الآداب، ط2، 1981)، ص 66.

(3) يعتبر المفكر الليبي الصادق النيهوم المرحلة الموسومة بـ”المراهقة” مرحلة مقحمة على التاريخ البشري، فهو يقول: “لا أحد يرى أن فترة المراهقة فترة طارئة على تاريخ الانسان نفسه، فرضتها ظروف الثورة الصناعية، وزيادة سنوات التأهيل المهني من ثلاثة عشر عاماً يقضيها الصبي في مزرعة أبيه، إلى ثلاثين عاما يقضيها حالياً في المعاهد والجامعات”. الإسلام في الاسر: من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة ( لندن: رياض الريس للنشر، 1991)، ص 29.

(4) يحضرني مقطع من أغنية: “لازم غيّر النظام” لأسامة الرحباني، يقول فيها: “يا صبي أديش بدك تعاند، وصلت ع نقطة اللاعودة، يا بتنتحر، يا بتهاجر، يا بتفوت في اللعبة”.

(5) الصادق النيهوم، مرجع سابق، ص 29. ويعتقد النيهوم أن السبب في هذه النظرة الاجتماعية الارتيابية تجاه المراهقين هو أن الثقافة العربية هي “ثقافة مجتمع من المتزوجين الذين يعيشون في عصر زراعي بسيط التركيب، انتهى منذ ثلاثمئة سنة على الاقل”.

(6) موقع دائرة الإحصاءات العامة الأردنية على الانترنت www.dos.gov.jo، والنسب خاصة بالعام 1998. ويلاحظ أن الفئة العمرية المتنفذة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً (الفئة العمرية 45-64) تمثل ما نسبته 9.5% فقط.

(7) هذا البرنامج يتمحور حول ثلاث نقاط: إنشاء الاتحاد العام لطلبة الأردن كجسم نقابي يضم جميع الطلبة الأردنيين، وإطلاق الحريات العامة والحريات الأكاديمية، وخفض رسوم التعليم في كافة المواقع التعليمية.

(8) سامر خرينو، الحركة الطلابية الاردنية 1948-1998 (عمان: دار السندباد للنشر/مركز الأردن الجديد للدراسات، 2000)، ص 9.

(9) الاتحاد العام التونسي للطلبة، مذبحة 8 ماي: ربيع الجامعة التونسية (تونس: دون ناشر، 1991)، ص 13.

(10) مجموعة مؤلفين، الثورة تحتضن الشباب (موسكو: دار التقدم، 1977)، ص 2.

(11) اعتمدت بشكل أساسي في هذا القسم على المرجع المحترم الوحيد الذي أرخ للحركة الطلابية في الأردن وهو كتاب الباحث سامر خرينو: الحركة الطلابية الأردنية 1948 – 1998، مذكور سابقاً، إضافة إلى تجربتي الشخصية في هذا المجال، وأحاديث ومقابلات مختلفة مع نشطاء الحركة الطلابية على امتداد سنوات نضالها، والاعتماد أحياناً على بعض المصادر الأخرى المشار إليها في الهامش.

(12) و(15) – (18) و(20) – (26) و(29) – (32) و(35) خرينو، سبق ذكره، ص 25 و 53 و 55 و64 و56 و58 و75 و76 و66 و 88-89 و78 و137 و71 و117 و107 و87 و84.

(13) و(14) و(19) الاتحاد العام لطلبة الأردن، نضال الحركة الطلابية الأردنية ومنظمتها الاتحاد العام لطلبة الأردن ( دون ناشر، دون تاريخ)، ص 15 و 18 و 30.

(27) محمود الدباس، إضاءات على الحركة الطلابية في الجامعة الأردنية (عمان: مركز الريادة للمعلومات والدراسات، 1998)، ص 33.

(28) الدباس، مذكور سابقا، ص 50.

(33) يمكننا هنا ملاحظة ميوعة موقف الشيوعيين الرسمي تجاه القضية الفلسطينية.

(34) Samir Khuraino, The Jordanian Student Movement and its Failure to Establish a General United and Independent Student Union, Al-Urdun Al-Jadid Research Center, No Date, http://www.ids.ac.uk/ids/civsoc/final/jordan/jor1.html

(36) أرى أن أحد أهم أسباب صعود الحركات الإسلامية هو تمسكها بالأطروحات الراديكالية حول الموقف من الكيان الصهيوني واضطلاعها بتنفيذ العمليات العسكرية ضده، في حين تخلت غالبية القوى “الوطنية”، واليسار خصوصاً، عن خيارات الكفاح المسلح وارتضت بالحلول التصفوية.

(37) في: محمد الشيخ، المثقف والسلطة: دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر (بيروت: دار الطليعة، ط1، 1991)، ص 126.

(38) في: الثورة تحتضن الشباب، سبق ذكره، ص 10

(39) صادق جلال العظم، النقد الذاتي بعد الهزيمة ( بيروت: دار الطليعة، ط3، 1968)، ص 77.

 

 نشرت هذه المقالة في مجلة “الآداب” اللبنانية، عدد 3/4، 2006؛ ضمن ملف خاص عن الشباب والمشاركة السياسية في الأردن؛ وقد قام المؤلف بإعادة تحرير هذه النسخة للنشر في “مسار تحرّري”.