آخر المواد

بطالة الأردنيين في ظل اللجوء السوري

هل المشكلة كما نتصورها حقاً؟

عنود العساف//

أخذت تتراود إلى الأذهان مؤخراً كثير من الأسئلة فيما يخصّ واقع اللجوء السوري وتفاعلاته في الأردن ومنها تلك التي تدور حول البطالة، وما طرأ عليها في ظل هذا الظرف الجديد. عدد من هذه الأسئلة أجابت عنها دراسة أجرتها منظمة العمل الدولية لرصد نسب البطالة بين قوى العمل الرئيسة في الأردن بين عامي 2010 و2014، وسنجملها مع أبرز الأرقام والنتائج التي خرجت بها الدراسة في هذا المقال.

تقديم

للسوق الأردني تركيب مميّز يتصف بتنوّع مكوناته العاملة التي تتفاعل فيما بينها دون أن تذوب أي منها في الأخرى، وهذا ما يجعل لكل منها منحنىً خاص به عند دراسة الظواهر الاقتصادية المختلفة، ومنها البطالة .

تميّزت نسب البطالة بين الأردنيين بالاستقرار في الأعوام ما بين 2010-2014 محافظة على النسبة 12%، )وذلك أيضاً حال البطالة بين العمالة المصرية الوافدة في الأردن التي استقرّت على النسبة 1% (. أما نسب البطالة بين السوريين الموجودين في الأردن فقد سجلت ارتفاعاً حاداًمن 5.5% عام 2010، الى 31.5% عام 2014.السبب في ذلك أن الهجرات السورية الى الأردن اختلفت نوعاً وكماً من هجرة بداعي العمل أساساً، إلى هجرة تحكمها الظروف السياسية زادت معها نسبة المُعالين أطفالاً ونساءً وكباراً في السن.

عند مقارنة التغيّرات في نسب البطالة للعاملين السوريين (بالرغم من الازدياد الإجمالي لنسب توظيفهم) واستقرارها بين الأردنيين والمصريين، نستطيع الخروج باستنتاج مفاده أن اللجوء السوري في هذه الأعوام الأربعة لم يدفع بالقوى العاملة الأخرى خارجاً، وإنما كانت النتائج التي ذكرناها حصيلة المنافسة داخل مجموع العاملين السوررين أنفسهم الذين وجدوا طريقهم إلى سوق العمل.

بمقارنة التوزيع الجغرافي لنسب البطالة بين عمان، إربد والمفرق يُلاحظ أن تغيراً قد طرأ على نسب البطالة بين الأردنيين في محافظة المفرق، إذ انخفضت النسبة قليلاً بين عامي  2010 و2012 وعاودت بعد ذلك فبقيت – في المحصلة -النسب على حالها. أما نسب البطالة بين السوريين فكانت أعلاها في إربد وأدناهافي عمان، ساعد على ذلك حجم السوق ومرونته النسبية في العاصمة.

البطالة والتحصيل العلمي

أظهرت الدراسة أن نسب البطالة بين الأردنيين -وبشكل مثير للاهتمام- كانت الأعلى بينحملة الشهادات الجامعية تحديداً،يليهم حملة الشهادة الثانوية، وكانت أدناها بين من تركوا مقاعد الدراسة قبل الثانوية. تتكشف لنا من هذه الملاحظة أن خصائص السوق الأردني بدأت تتغير نوعياً عما اعتدناه سابقاً وأن الطلب فيه أخذ يتجه أكثر إلى المهن الحرفية والعمل اليدوي والفني.

ذات الأمر ينطبق على العمالة السورية بين العامين 2010 و2012، أما عام 2013 فشهد ارتفاعاً مقداره أربعة أضعاف في نسب البطالة بين غير المتعلمين،يفسرها تزايد أعداد المهاجرين من الأطفال وصغار السن.

البطالة حسب الفئات العمرية

تناسبت النتائج المسجلة للبطالة بين الأردنيين عكسياً مع أعمارهم، فكانت أعلاها بين من هم دون التاسعة عشر (30%)وأدناها بين من هم فوق الخامسة والخمسين(أقل من 5%).

انخفاض نسب البطالة مع ازدياد العمر كان تدريجياً وبشكل ملحوظ بين الأردنيين، وهو ما لا يمكن قوله عن البطالة بين السوريين بحسب الفئات العمرية، حيث تماثلت النسب في كثير من الأحيان بين معظم الفئات، إلا أنه يمكن القول بأن من هم دون الخامسة والعشرين سجلوا نسباًأعلى ممن هم فوق هذا السن.

البطالة حسب الجنس

كانت نسب البطالة المسجلة بين الأردنيات والسوريات على حد سواء أعلى من مثيلاتها بين الذكور، وتتبع كل منها منحىً مماثلاً لهم أيضاً،وإن كان أكثر استقراراً (22% بين الأردنيات) أو متزايداً بشكل حاد (من 5% إلى 40% خلال أعوام الدراسة بين السوريات)، إلا أن الأسباب لذلك –وهي كثيرة- اختلفت بشكل كبير؛فبينما كان موضوع اختيار الوظائف ومدى ملائمتها هو الحاجز الأساسي لدى الأردنيات، كانت صعوبة الوصول إلى المنظمات التي تبنّت مساعدة اللاجئات،وعدم انتظام أحوالهن السياسية،كما اقترحت الدراسة،هي السبب لدى النساء السوريات، لكن الاستثناءات في ذلك كثيرة.

استنتاجات: اللاجئون كشماعة لتبرير الاختلالات البنيوية

إن استقرار نسب البطالة بين الأردنيين والأردنيات، بالرغم من استمرار تدفق السوريين إلى الأردن، تناقضالمزاعم التي تلقي باللوم على اللاجئين عند استحضار مشكلة البطالة ، فالواقع أن السوريين انخرطوا في سوق العمل الأردنية متنافسين فيما بينهم على مهن وفرص استحدثوها بأنفسهم، وأخرى يرفض أن يعمل بها الأردنيون بطبيعة الحالة؛ففي محافظة المفرق التي استقبلت الجزء الأكبر من اللاجئين، فإن نسبة البطالة قبل الدراسة وبعدها كانت 15%، أي أن وجود السوريين لم يُنقص من فرص أهل المحافظة في العمل، ولم تزد فرص العمل أيضاً برغم ما يقال عن تنفيذ مشاريع لمساعدة اللاجئين وتنمية المحافظة قد توفّر فرص عمل لأبناء المحافظة.

جانب آخر للمشكلة يثير الاهتمام بشكل خاص هو ارتفاع نسب البطالة بازدياد التحصيل العلمي، الأمر الذي يعني أن سياسات التعليم العالي غير مرتبطة باحتياجات سوق العمل، وتخرّج فائضاً من المتعلّمين الذين يجدون الأفق مسدوداً أمامهم سوى بالهجرة (إن تمكنوا منها أو كانوا متميّزين تستقطبهم الدول الغنية إلى صفوف باحثيها وأكاديمييها الخ) أو القبول بواقع الحال الذي يتضمن فرص العمل الشحيحة والرواتب المتدنية والاستغلال، أو الانضمام إلى صفوف البطالة.

إذاً، هل كانت مسألة اللجوء السوري السبب فيما يعانيه المواطنون الأردنيون من تدني فرص العمل، أم أنها الشمّاعة التي جاءت في الوقت المناسب لتعليق الأخطاء عليها؟

تُظهر الأرقام أن المعدّل العالمي للبطالة لعام 2015 يقارب الـ 6%. وبين معدلات مناطق العالم المختلفة، كان المعدّل في العالم العربي أعلاها (يساوي 12%). أما في الأردن، فنسب البطالة ترتفع عن المعدّل العربي لتصل إلى 14% (11% بين الذكور و25% بين الإناث)، والسبب في كون نسبة البطالة في الأردن من أعلى النسب في العالم  يتعدى مسألة اللجوء السوري، فحين ننظر إلى جذور المشكلة، نجد أن البطالة قد كانت أمراً قائماً، وبنفس النسب،قبل أن تبدأ محنة السوريين، ما يفتح أبواباً للتساؤل حول مقدرة الاقتصاد الأردني على توفير فرص العمل، وعن أولويات هذا الاقتصاد وطبيعته، وعن فشل خطط التنمية، والتحوّل عن التصنيع لصالح اقتصاد قائم على الوكالة للخارج، وعن جامعات تخرّج ما هو مشبع في سوق العمل، وغيرها من الأمور التي تؤشر على اختلالات اقتصادية بنيوية لن نجد أجابات لها في المواضيع الطارئة التي تُستعمل كأعذار للتعمية ليس إلا.