آخر المواد

البطالة وعلاقتها بالنظام الرأسمالي

هل البطالة وليدة ظروف ذاتية فعلاً؟

عنود العسّاف //

ترتبط مشكلة البطالة ارتباطاً عضوياً بالنظام الطبقي الرأسمالي، وسأحاول في تناولي هذه المشكلة، في هذه العجالة، بيان هذا الارتباط، وكيف يتفاعل جانباه ليخلّف التعاسة والبؤس للبشر.

فلسفة العمل كما نتصورها هي وسيلة الإنسان لتلبية حاجاته في أفضل الظروف، وبأكثر الوسائل راحة له. بتلبية حاجاته، يستطيع الإنسان العيش؛ وبتحسين ظروف العمل ووسائل الإنتاج، يرتقي الإنسان بمستوى العيش، لذلك كان العمل واجباً وحقاً للإنسان في آن معاً: واجبٌلأنه يقوم بدوره في الإنتاج، وحقّاًلأنه يرفع بواسطته قيمته الذاتية داخل مجتمعه، فيكون في محصلة الأمر مردود عمل الفرد للمجموع الذي يُشكل هو جزءاً منه.

لكن ما يحصل هو شيء مغاير لذلك تماماً، فبدلاً من أن يكون العمل وسيلة لسعادة الإنسان، يصبح سبباً في شقائه، وفي النهاية سبباً للاستغناء عنه كلياً.يعمل الشخص يومياً في ظل النظام النظام الرأسمالي ويبذل من وقته وجهده بما يفوق قيمة ما ينتجه، وقيمة ما يعود عليه بالمردود، وهذا الفائض يُغذي رأسمال من يعمل له، فبدلاً من أن يذهب الربح الذي أنتجه العامل في طريق الاستفادة الجماعية، والمشروعات التنموية، والرفاهية العامة، فإنه يُيسِّر للرأسمالي زيادة أرباحه بشكل هائل، وإمكانية أكبر لتعزيز قوّته وسيطرته على كل المناحي (السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، ويمكنّه من الحصول على وسائل إنتاج أفضل وأحدث، وهذه أيضاً يوظّفها الرأسمالي لزيادة أرباحه: فبدلاً من أن يصب تطوير وسائل الإنتاج في صالح راحة العامل، بحيث تقل ساعات عمله، وتتحسن ظروفها، فإنه يؤدي إلى الاستغناء عن مجموع كبير من العمّال لتوفيرما يُدفع لهم من أجور، فيتحقق للرأسمالي ما أراد: أي الربح الأقصى.

بذلك نجد أن رأس المال الثابت (وسائل الانتاج) يغدو أفضل وأكثر فاعلية، في حين يقل رأس المال المتغير (ما يقدمه الرأسمالي من فرص عمل) حين يستغني الرأسمالي عمّن يشاء بما يعزّز التوفير الذي يسعى إليه لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح.يترتّب على ذلك أن وُضع العمل تحت رحمة السوق وقوانينه، فظهرت البطالة ضمن شرائح واسعة من الناس تضمّ المتعلمين، وأصحاب الشهادات، وذوي المهارات الإنتاجية، بعد أن كانت تضم غير الراغبين في العمل أو غيرالقادرين عليه.

هؤلاء من فقدوا وظائفهم هم جيش الرأسمالية الثمين الذي لا يستقيم بقاء الرأسمالية إلا به وبالمزايا التي يوفّرها.فعلى الصعيد الاقتصادي، يرتفع الطلب على الوظائف بزيادة نسب البطالة، مما يمكّن الرأسمالي من تخفيض الأجور والامتيازات، فيستغلّ الرأسمالي حاجة الإنسان إلى العمل ليقتطع ما أمكنه من حق العامل ويضمّه إلى ربحه الكلي.

وسياسياً فإن البطالة تعمل على شق النضال التضامني، عندما تقسم المجتمع إلى عاملين يعتبرون أنفسهم محظوظين لحصولهم على وظائف، ويعتبرون أنفسهم ملزمين بالحفاظ عليها؛ وآخرين مُعطّلين عن العمل يناضلون من أجل أن ينالوا فرصهم العادلة. هذه المنافسة توجّه الغضب إلى الداخل، بين صفوف العمال أنفسهم وهم جميعاً يرزحون تحت ظلم الرأسمالية بطريقة أو بأخرى، بدل أن تتكاتف جهودهم في وجه المولّد الحقيقي لانعدام العدالة العموميّة: النظام الرأسمالي نفسه.

العاطلون / المعطّلون عن العمل هم أيضاً الشمّاعة التي يعلق عليها النظام الرأسمالي فشله وأزماته المتكررة،فيلقي عليهم اللوم حين تسوء الأوضاع، في صيغ من مثل “أن الإنسان وحده هو صانع قدره”، نجاحاًكان ذلك أم فشلاً، وأن “البطالة إنما تعود إلى ظروف ذاتية”، وغير ذلك مما يُلحق الذنب وحده بالإنسان كفرد. ذلك كلّه يخفض توقعات الناس لحياتهم الاجتماعية، ويحجّم آمالهم، ويحوّل حقوقهم إلى طموحات حينما يختلط على الجميع ما يمكن تحقيقه وما نحصل عليه.

لكي نلخص، سأعود إلى ما أورده إنجلز في بحثه موجز رأس المال:”وعلى أية حال، فإن عدد العمال الضروريين لإنتاج نفس الكمية من المنتوجات يتناقص أكثر فأكثر بفضل التقدّم الآلي وتحسن الزراعة، وهذا يؤدي إلى نمو عدد العمال الفائضين عن الحاجة بسرعة أكبر من نمو رأس المال نفسه. ما هو مصير هذا العدد المتنامي من العمال؟ إنهم يشكلون جيش الصناعة الاحتياطي الذي يتقاضى في فترات الأعمال السيئة أو المتواضعة، أجراً أدنى من قيمة عمله، كما أنه يُستخدم بصورة غير دائمة، أو يصبح تحت رعاية المؤسسات الخيرية، إلا أن الطبقة الرأسمالية لا تستغني في أوقات ازدهار الأعمال عن هذا الاحتياطي –كما هو جلي وملموس في إنجلترا- الذي يؤدي لها خدمة تحطيم قوة مقاومة العمال الدائمين، والإبقاء على أجورهم المتدنية. فكلما كانت الثورة الاجتماعية أكبر، تعاظم جيش الصناعة الاحتياطي،  وكلما كانت نسبة الجيش الاحتياطي أكبر من الجيش الفعلي، كلما تضخمت جماهير السكان الفائضين الدائمة أو فئات الاأعمال، التي يتناسب بؤسها بصورة عكسية مع عذابات عملها. وأخيراً، فكلما اتسعت فئات المعدمين من الطبقة العاملة وجيش الصناعة الاحتياطي، كلما تزايدت الفاقة الرسمية، هذا هو القانون العام المطلق للتراكم الرأسمالي”. (إنجلز، موجز رأس المال، ترجمة فالح عبد الجبّار).