آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية: (10) الخاتمة

كيف يمكننا تركيز الصراع السياسي في مواجهة النيوليبرالية؟

إعداد: إبراهيم الطراونة //

نقدم لكم الجزء العاشر والأخير من سلسلة تاريخ النيوليبرالية، لقراءة الجزء السابق اضغط هنا.


في رسالته السنوية إلى الكونغرس عام 1935، أوضح الرئيس روزفلت وجهة نظره القائلة بأن حريات السوق المفرطة كانت ضمن جذور المشكلات الاقتصادية والاجتماعية للركود الاقتصادي الكبير الذي ضرب البلاد في الثلاثينيات.  هذا ما يدعو للدهشة الآن إزاء الوضع البائس للخطاب العام المعاصر في الولايات المتحدة وغيرها، والذي يفتقر إلى أي جدال جاد حول مفاهيم الحرية المناسبة لعصرنا. فإذا كانت القضية هي حقاً قضية أن الرأي العام في الولايات المتحدة يمكن إقناعه بدعم أي شيء تقريباً باسم الحرية، عندئذ ينبغي التدقيق جيداً في معنى هذه الكلمة. والمؤسف إن الإسهامات المعاصرة في هذا المجال إما أنها تتخذ الخط النيوليبرالي المحض، أو أنها تقترب كثيراً من النيوليبرالية السائدة فلا تقدم فكراً معارضاً للمنطق النيوليبرالي.

تبدو تصورات روزفلت المعقولة عموماً راديكالية بلا شك وفق المعايير المعاصرة، ولعل هذا يفسر سبب عدم اعتماد الحزب الديمقراطي الحالي لها لتكون ثقلاً مضاداً للتصورات الضيقة لأنشطة الأعمال التي يعتز  بها (مثلاً) الرئيس السابق بوش. وفي رؤية روزفلت نرى امتداداً متوارثاً يدعو للإعجاب لأفكار الفلسفة الإنسانية. أما كارل ماركس، على سبيل المثال، فقد كان من أصحاب الرأي الراديكالي الغاضب بأن الأمعاء الخاوية لا تقود إلى الحرية. فقد كتب يقول: “لا تبدأ مملكة الحرية فعلاً إلا حيث تتوقف العمالة التي تقررها الحاجة والاعتبارات الدنيوية”، مضيفاً إلى ذلك قوله، لذلك “فهي تقع خارج نطاق الإنتاج المادي الفعلي.” لقد تفهم جيداً أننا لا نستطيع أن نحرر أنفسنا من علاقاتنا مع الطبيعة ومن علاقاتنا الاجتماعية مع بعضنا بعضاً، ولكننا في الحد الأدنى نستطيع أن نصبو لبناء نظام اجتماعي يصبح فيه الاستشراف الحر لإمكاناتنا الفردية وإمكانات جنسنا البشري إمكانية حقيقية.

واللبرلة الجديدة، بحسب معايير ماركس للحرية، وبالتأكيد بحسب توصيف آدم سميث في كتابه (Theory of Moral Sentiments)، يجب أن ينظر إليها على أنها إخفاق ذريع. وبالنسبة لأولئك الذين تُركوا أو نُبذوا خارج نظام السوق – وهم خزان ضخم لأناس قابلين للطرح بعد الاستخدام (disposable)، مجردين من الحمايات الاجتماعية والهياكل الاجتماعية  الداعمة – ليس لديهم ما يتوقعونه من النيوليبرالية غير الفقر والجوع والمرض واليأس. أملهم الوحيد أن يتدافعوا ويتسلقوا مركب نظام السوق إما بصفتهم منتجين صغاراً للسلع، أو بائعين عشوائيين (للأشياء أو قوة العمل) أو أشباه لصوص يتوسلون أو يسرقون، أو يؤمنون لأنفسهم بطريقة العنف بعض الفتات من مائدة رجل ثري، أو مشاركة في التجارة غير المشروعة للمخدرات أو للسلاح أو للنساء، أو لأي شيء آخر غير شرعي يجدون طلباً عليه.

في هذا السياق عينه نستطيع أن نفهم بشكل أفضل ظهور ثقافات معارضة متنوعة ترفض -من داخل نظام السوق ومن خارجه، صراحة وضمناً- أخلاق السوق والممارسات التي تفرضها اللبرلة الجديدة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، توجد حركة بيئية لها امتدادات واسعة تنشط كثيراً في العمل على تشجيع الرؤى البديلة لكيفية ربط المشاريع السياسية والبيئية على نحو أفضل مما هي عليه الآن. ويوجد آخرون ممن يريدون عالماً يتصف بالتعاضد والدعم المتبادل من خلال تشكيل منظومات تجارية اقتصادية محلية، وذلك في قلب وداخل الرأسمالية النيوليبرالية. كما بدأت تظهر أيضاً وتزدهر البدائل الدينية لهذا التوجه العلماني من الولايات المتحدة ومروراً بالبرازيل وحتى الريف الصيني، حيث تقوم المسيحية البروتستانتية والإسلام الوهابي وبعض فئات البوذية والكونفوشيوسية بالوعظ والتوجيه لمواقف مناهضة للسوق ومناهضة للنيوليبرالية.

إلى جانب هذا كله توجد كل تلك الحركات الاجتماعية التي تناضل ضد جوانب محددة من الممارسات النيوليبرالية (وبخاصة التراكم من خلال نزع الحيازة) التي تقاوم السلب والنهب عبر النيوليبرالية (مثل حركة زاباتيستا الثورية في المكسيك) أو تسعى للوصول إلى الموارد التي منعوا من الوصول إليها (مثل حركة الفلاحين بلا أرض في البرازيل أو أولئك الذين يقودون أعمال احتلال المصانع في الأرجنتين). أما تحالفات يسار الوسط في أميركا اللاتينية، والتي انتقدت اللبرلة الجديدة صراحة وعلانية، فقد استولت على السلطة السياسية وتبدو أنها تسعى لتوسيع وتعميق نفوذها هناك. إذن فالرغبة في إيجاد بدائل للنيوليبرالية ظاهرة، ودلائلها كثيرة.

لا يمكن تحقيق هذه الأهداف دون الطعن بقواعد السلطة الأساسية التي بنيت عليها النيوليبرالية والتي أسهمت فيها كثيراً، وبغير حساب، عمليات اللبرلة الجديدة. وهذا لا يعني فقط إلغاء انسحاب الدولة من المهمات الاجتماعية، بل وأيضاً التصدي للسلطات الطاغية لرأس المال المالي.

توجد نزعة للتعامل مع قضية بدائل النيوليبرالية كما لو أن الأمر يتعلق بوضع مخطط لمجتمع مستقبلي. صحيح أن هذا الأمر يكسبنا الكثير من الخبرات، ولكن علينا أولاً أن نطلق عملية سياسية تقودنا إلى مرحلة تصبح فيها البدائل المجدية والإمكانيات الواقعية قابلة للتعريف. وهنالك مسلكان رئيسيان يمكن سلوكهما: قد نتعاطى مع جمع كبير من الحركات المعارضة الموجودة فعلاً على الأرض ونحاول أن نستخرج من وعبر ناشطيها جوهر برنامج معارض عريض القاعدة؛ أو قد نلجأ إلى التحليلات النظرية والعملية حول وضعنا القائم ونحاول أن نستمد البدائل من خلال التحليل الناقد.

ولا بد من القول إن طبيعة النيوليبرالية المعادية للديمقراطية بقوة، مدعومة بسلطوية المحافظين الجدد، هي التي يجب أن تكون بؤرة التركيز  الرئيسية في الصراع السياسي. العجز الديمقراطي في البلدان “الديمقراطية” اسمياً مثل الولايات المتحدة بات اليوم قائماً بمعدلات عالية، والتمثيل السياسي في هذه البلدان أفسدته سلطة المال، هذا إن لم نتحدث عن التلاعب والفساد في النظام الانتخابي. غير أن استرجاع المطالبات بحكم ديمقراطي وبالمساواة والعدالة الاقتصادية والسياسية ليس مؤشراً إلى العودة إلى عصر ذهبي. فالمعاني الضمنية في كل منها يجب أن تُخترع من جديد بهدف التعامل مع الظروف والإمكانات المعاصرة. والديمقراطية في أثينا القديمة لا تمت بصلة إلى المعاني التي يتعين علينا أن نستثمرها بما يتفق مع عصرنا في ظل ظروف بالغة التنوع، فهنالك نظام للحوكمة يمكن إنشاؤه أكثر جدارة من ذلك النظام الذي تسمح به المحافظة الجديدة، وهنالك دائماً موقع للحرية يمكن الفوز به أكثر نبلاً مما تبشر  به النيوليبرالية.

المرجع:
A Brief History of Neoliberalism
By/ David Harvey
2005
النسخة المعرّبة:
الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
الكاتب: ديفيد هارفي
المترجم: وليد شحادة
2013