آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية: (9) التسليع

هل السوق هو الدليل والمرشد الأخلاقي المناسب لكل فعل بشري؟

إعداد: إبراهيم الطراونة //

نقدم لكم الجزء التاسع من سلسلة تاريخ النيوليبرالية، لقراءة الجزء السابق اضغط هنا.


الافتراض بأن الأسواق هي أفضل ما يحدد القرارات الخاصة بالموارد لا يعدو كونه افتراضاً بأن كل شيء يمكن أن يُعامل من حيث المبدأ وكأنه سلعة. والتسليع يفترض وجود حقوق ملكية للعمليات والأشياء والعلاقات الاجتماعية، وإمكانية وضع سعر لها، وأنها يمكن الاتجار بها بموجب عقد قانوني، كما يفترض أن السوق هو الدليل والمرشد الأخلاقي المناسب لكل فعل بشري. عملياً، كل مجتمع يضع حدوداً معينة لبداية التسليع ونهايته، أما أين تقع هذه الحدود فهذه مسألة فيها نظر، فالاتجار ببعض العقاقير  وبالجنس يعتبر عملأً غير قانوني في معظم الولايات الأمريكية، مع أنه مشروعٌ في أماكن أخرى، ويخضع لتنظيم الدولة كما الصناعات الأخرى.

ألغت اللبرلة الجديدة حدود التسليع ووسّعت كثيراً مجال العقود القانونية، فهي عادة (مثل نظرية ما بعد الحداثة) تقدّس سرعة زوال الحدث والعقد قصير الأجل؛ الزواج على سبيل المثال، هو في مفهومها ترتيب عقدي قصير الأجل وليس رباطاً مقدساً لا يُفصم. والفرق بين النيوليبراليين والمحافظين الجدد يعكس في جانب منه خلافاً حول “أين ترسم تلك الحدود”. فالمحافظون الجدد يلومون “الليبراليين” و “هوليوود” و”أصحاب نظرية ما بعد الحداثة” لما يرونه انحلالاً ولا أخلاقية في النظام الاجتماعي.

أما فيما يتعلّق بالعمالة، فإن الأفراد يدخلون إلى السوق أشخاصاً لهم شخصياتهم، أفراداً يندمجون في شبكات من العلاقات الاجتماعية ويختلطون بالآخرين بأشكال مختلفة، هم كائنات مادية تعرف ما لديها من خصائص معينة (كالجندر والمظهر)، أفراد لديهم تراكمات من المهارات  ولهم أذواقهم، أو كائنات حية لديها أحلام، ورغبات وطموحات وآمال وشكوك ومخاوف. لكن هؤلاء الأفراد -بنظر الرأسماليين- هم مجرد عنصر من عناصر الإنتاج.

كان هجوم النيوليبرالية على العمالة يسير بعدة خطوط، أولها لجم أو تفكيك قوى النقابات العمالية والمؤسسات الأخرى العائدة لطبقة العمال داخل دولة معينة (بالعنف إن لزم الأمر) وإقامة أسواق عمل تتمتع بالمرونة، وانسحاب الدولة من تقديم خدمات الرفاه الاجتماعي، وتسريع “التبدلات التكنولوجية” في هيكليات فرص العمل التي تجعل قطاعات كبيرة من قوة العمل زائدة عن الحاجة، عندئذ يجد العامل الفرد، الذي بات عاجزاً نسبياً، نفسه في مواجهة سوق عمل لا يقدم إلا عقوداً قصيرة الأجل وعلى أساس الحاجة، فيصبح الأمن الوظيفي شيئاً من الماضي.

أما الخط الثاني للهجوم فقد نتج عن تحولات في الإحداثيين المكاني والزماني لسوق العمل، فبالرغم من أنه يجب فعل الكثير جداً “في السباق إلى القاع” من أجل الحصول على العمالة الأرخص والأكثر طواعية، إلا أن الحراك الجغرافي الواسع لرأس المال يسمح له بالهيمنة على قوة عمالة عالمية يكون حراكها الجغرافي مقيداً، وقوة العمالة الأسيرة متوافرة بكثرة بسبب القيود على الهجرة. ولا يمكن تجاوز هذه الحواجز إلا من خلال الهجرة غير الشرعية (التي بدورها تخلق قوة عمل يمكن استغلالها بسهولة أيضاُ) أو من خلال عقود قصيرة الأجل تسمح، مثلاً، لعمال مكسيكيين بالعمل في الأعمال الزراعية بكاليفورنيا، ثم العودة إلى المكسيك على شاحنات، بشكل مخز، عندما يمرضون أو يموتون بسبب أدوية الآفات الزراعية التي يتعرضون لها.

ليس ثمة شك بأن فرض منطق العقود قصيرة الأجل له تبعات كارثية على البيئة، إلّا أن الآراء داخل المعسكر النيوليبرالي، لحسن الحظ، منقسمة حول هذا الموضوع. رونالد ريغان، من جهة، لم يبال إطلاقاً بالبيئة، حتى أنه في مرحلة معينة وصف الأشجار بأنها مصدر رئيسي لتلوث الهواء، لكن مارغريت ثاتشر، من جهة أخرى، أخذت هذه المسألة على محمل الجد، فسياسات الدولة النيوليبرالية بخصوص البيئة غير منتظمة جغرافياً وغير مستقرة زمنياً.

إن للبرلة الجديدة سجلاً مؤسفاً عندما يتعلق الأمر باستغلال الثروات الطبيعية. فتفضيل العلاقات العقدية قصيرة الأجل يشكل ضغطاً على المُنتجين لاستخراج كل ما يستطيعون استخراجه خلال مدة العقد. والشاهد أن حقبة اللبرلة الجديدة هي حقبة أسرع انطفاء جماعي لأنواع الحياة في التاريخ الحديث للكرة الأرضية، فإذا كنا على عتبة الدخول إلى منطقة الخطر لهذا التغيير الحاصل في البيئة العالمية، لا سيما في مناخها، وبحيث تصبح الأرض مكاناً غير مناسب لعيش الإنسان، إذن فإن المزيد من الاحتضان للـ”أخلاق” النيوليبرالية وممارسات اللبرلة الجديدة سيكون فتاكاً بكل المقاييس.

وبما أن غالبية الأفراد الذين يعيشون في ظل النيوليبرالية يفتقرون إلى الموارد المالية اللازمة لهم في نضالهم لأجل حقوقهم، فإن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها وضع تفاصيل هذا الهدف النبيل تتمثل في تشكيل جماعات دفاع. هكذا نجد أن نشوء جماعات الدفاع و “المنظمات غير الحكومية”، قد واكب الانعطاف النيوليبرالي وتزايدت وتيرته منذ عام ١٩٨٠. في كثير من الحالات دخلت المنظمات غير الحكومية لتملأ الفراغ الحاصل في التقديمات الاجتماعية الناجم عن انسحاب الدولة من هذه الأنشطة، وهذا العمل نفسه يرقى لأن يكون خصخصة تنفذها المنظمات غير الحكومية، وقد أسهم هذا الواقع في بعض الحالات في تسارع المزيد من انسحاب الدولة من التقديمات الاجتماعية. بذلك تكون المنظمات غير الحكومية “حصان طروادة للنيوليبرالية العالمية”، إذ أنها في الأصل ليست مؤسسات ديمقراطية، بل هي في الغالب الأعم نخبوية، ولا تخضع للمساءلة العامة، وتوفر في مجمل أنشطتها ما يجب على الدولة أن تقوم به، فتسرّع وتعزّز بذلك انسحاب الدولة من المجال الاجتماعي.

القبول بالنيوليبرالية يعني أن نقبل بأنه ليس ثمة بديل سوى العيش في ظل نظام لتراكم لا ينتهي لرأس المال في جيوب أقلية لا يتجاوز حجمها الـ1% من سكان العالم، مهما كانت النتائج الاجتماعية والبيئية والسياسية. وبالمقابل، التراكم الذي لا ينتهي لرأس المال يعني ضمناً أن النظام النيوليبرالي للحقوق يجب أن يتوسع جغرافياً ليشمل العالم بأسره بالعنف (كما في تشيلي والعراق) أو بالممارسات الامبريالية (مثل ممارسات منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي) أو من خلال التراكم البدائي (كما في الصين وروسيا) إن لزم الأمر.

يتبع…

المرجع:
A Brief History of Neoliberalism
By/ David Harvey
2005
النسخة المعرّبة:
الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
الكاتب: ديفيد هارفي
المترجم: وليد شحادة
2013