آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية: (8) نزع الحيازة

ما هي ممارسات "التراكم من خلال نزع الحيازة"؟

إعداد: إبراهيم الطراونة //

نقدم لكم الجزء الثامن من سلسلة تاريخ النيوليبرالية، لقراءة الجزء السابق اضغط هنا.


كانت معدلات النمو  الاقتصادي العالمي الإجمالية حوالي ٣,٥ بالمئة خلال ستينيات القرن الماضي، ثم انخفضت خلال أعوام السبعينيات التي شهدت اضطرابات كثيرة إلى ٢,٤ بالمئة، ومعدلات النمو بعد ذلك التي سجلت ١,٤ بالمئة و ١,١ بالمئة للثمانينيات والتسعينيات على التوالي تدل دلالة واضحة على أن النيوليبرالية قد أخفقت عموماً في تحفيز النمو على النطاق العالمي. وفي بعض الحالات، مثل مناطق الاتحاد السوفياتي سابقاً، وبلدان وسط أوروبا التي خضعت لـ “العلاج بالصدمة” النيوليبرالية، كان ثمة خسائر كارثية، فخلال التسعينيات انخفض دخل الفرد في روسيا بمعدل ٣,٥ بالمئة سنوياً، وباتت نسبة كبيرة من السكان في حالة من الفقر المدقع، ونتيجة لذلك انخفض متوسط العمر المتوقع عند الذكور خمس سنوات.

في معظم دول أمريكا اللاتينية أنتجت النيوليبرالية ركوداً اقتصادياً أو فترات نمو مفاجئة تعقبها انهيارات اقتصادية (كما في الأرجنتين). وفي أفريقيا لم تفعل شيئاً على الإطلاق لإحداث تغييرات إيجابية. لم تترافق النيوليبرالية مع أي سجل إيجابي للنمو إلا في شرق وجنوب شرق آسيا، وفي الهند مؤخراً وإلى حد ما، فكان تخفيض التضخم والسيطرة عليها هما الشيئان الوحيدان اللذان يمكن للنيوليبرالية أن تدّعي النجاح بتحقيقهما.

لماذا، إذن، بات الكثيرون على قناعة بأن اللبرلة الجديدة -ومن خلال العولمة- هي “البديل الوحيد”، وبأنها قد نجحت؟ للإجابة عن هذا السؤال يبرز سببان: أولاً، أن سرعة التأثر بالتطورات الجغرافية المتفاوتة قد تزايدت مؤخراً، مما أتاح لمناطق معينة أن تحقق تقدماً على حساب مناطق أخرى. وثانياً، سجلت اللبرلة الجديدة، من حيث كونها عملية وليست  نظرية، نجاحاً هائلاً من وجهة نظر الطبقات العليا. فهي إما أنها أعادت سلطة الطبقة الواحدة إلى النخب الحاكمة (كما في الولايات المتحدة، وإلى حد ما في بريطانيا) أو أنها خلقت الظروف الملائمة لتشكل طبقة رأسمالية (كما في الصين والهند وروسيا، وغيرها من الدول).

الإعلام الذي تهيمن عليه مصالح الطبقة العليا يمكنه الترويج للأسطورة القائلة “بأن الدول فشلت اقتصادياً لأنها لم تكن منافسة”، وبذلك زادت الطلب على المزيد من الإصلاحات النيوليبرالية. وقد فُسر تزايد اللامساواة الاجتماعية داخل منطقة ما بأنه ضروري لتشجيع أخطار الأعمال والابتكار التي تمنح القوة التنافسية وتحفز النمو. وإذا ساءت ظروف الطبقات الدنيا فالسبب أن هذه الطبقات ولأسباب شخصية وثقافية فشلت في تعزيز رأسمالها البشري الهام (من خلال التفاني في التحصيل العلمي واكتساب أخلاق العمل البروتستانية والخضوع لانضباطية العمل والمرونة وما شابه ذلك).

إلى جانب هذا كله، حصل تطور استثنائي في عالم تكنولوجيا المعلومات، وارتفعت نسبة الاستثمار في هذا القطاع من 25% عام 1970  إلى 45% عام 2000. تكنولوجيا المعلومات هي التكنولوجيا المميزة للنيوليبرالية، وهي الأكثر نفعاً في أنشطة المضاربات لزيادة عدد عقود السوق قصيرة الأجل.

غير أن الإنجاز الجوهري للبرلة الجديدة تمثل في إعادة توزيع الثروة والدخل بدلاً من توليد الثروة والدخل، وقد تم ذلك عن طريق ممارسات “التراكم من خلال نزع الحيازة”؛ وتتضمن هذه الممارسات تحويل كل شيء إلى سلعة، وخصخصة الأرض والطرد القسري للسكان والفلاحين، وتحويل الأشكال المختلفة لحقوق الملكية (الملكية المشتركة أو الجمعية أو ملكية الدولة … الخ) إلى حقوق ملكية خاصة حصرية، وطمس الحقوق في المرافق العامة، وجعل قوة العمالة سلعة، وإعاقة نمو الأشكال البديلة (الأصلية) للإنتاج والاستهلاك، بالإضافة إلى عمليات استعمارية وكولونيالية وإمبريالية لمصادرة الأصول (بما في ذلك الثروات الطبيعية).

يتميز “التراكم من خلال نزع الحيازة” بأربع مزايا رئيسية هي:

  • الخصخصة والتسليع: تحويل الأموال العامة إلى شركات وسلع. فالهدف الرئيسي لهذا المشروع هو فتح ميادين جديدة لتراكم رأس المال في مجالات كانت ولا تزال تعتبر خارج حدود حسابات الربحية. المرافق العامة بكل أشكالها وأنواعها (المياه والاتصالات والنقل) والمنافع الاجتماعية (الإسكان والتعليم والرعاية الصحية والتقاعد) والمؤسسات العامة (الجامعات ومراكز البحوث والسجون) وحتى الخدمات الاجتماعية الضرورية لتحسين أحوال بعض الفئات الاجتماعية، خضعت للخصخصة إلى درجة معينة في جميع أنحاء العالم الرأسمالي وخارجه.
  • العمليات المالية: تميزت الموجة العارمة من الأعمال المالية التي انطلقت بعد عام ١٩٨٠ بأسلوب المضاربة اللصوصي. فقد ارتفع الحجم الإجمالي اليومي للتعاملات المالية في الأسواق الدولية الذي سجل ٢,٣ مليار دولار عام ١٩٨٣ إلى ١٣٠ مليار دولار بحلول العام ٢٠٠١. وبلغ الحجم السنوي للتداولات عام ٢٠٠١ مبلغ ٤٠ تريليون دولار بالمقارنة مع مبلغ ٨٠٠ مليار دولار اللازم لدعم التجارة الدولية وتدفقات الاستثمارات الإنتاجية. هكذا أتاح التحرر من تنظيم الدولة وتدخلها للنظام المالي أن يصبح واحداً من المراكز الرئيسية لنشاط إعادة التوزيع من خلال المضاربة والنهب واللصوصية والخداع.
  • إدارة الأزمات والتلاعب بها: وراء هذا الخداع الذي تتسم به التلاعبات المالية النيوليبرالية تكمن عملية أكثر عمقاً ينجم عنها نشوء “فخ الدَّيْن” الذي يشكل الوسيلة الأولى “للتراكم من خلال نزع الحيازة”. خلق الأزمة وإدارتها والتلاعب بها على المسرح العالمي تطورت كلها لتصبح فناً جميلاً لإعادة توزيع مقصودة للثروة من الدول الفقيرة إلى الغنية، كما حصل في المكسيك على سبيل المثال. وهذا ما بات تحالف وزارة الخزانة/وول ستريت/صندوق النقد الدولي خبيراً في تطبيقه في كل مكان.
  • إعادة التوزيع الذي يتم بيد الدولة: تصبح الدولة بعد أن باتت نيوليبرالية العنصر الرئيسي لسياسات إعادة التوزيع، فتلغي التدفق من الطبقات العليا إلى الدنيا. ويتم ذلك من خلال متابعة العمل بمشاريع الخصخصة والتخفيضات في نفقات الدولة الداعمة للأجر الاجتماعي. فمثلاً، بدا برنامج مارغريت ثاتشر لخصخصة الإسكان الاجتماعي للوهلة الأولى هدية للطبقات الدنيا حيث يستطيع أفراد هذه الطبقات أن يتحولوا من مستأجرين إلى ملّاك بتكلفة منخفضة نسبياً، وأن يكون لديهم سيطرة على أصول ثمينة وأن يزيدوا ثروتهم. ولكن بعد أن تمت عملية الانتقال هذه سيطرت المضاربات في هذا القطاع، وعلى وجه الخصوص في المناطق المركزية الرئيسية، وبالتالي تم إجبار ذوي الدخل المحدود على الخروج من مركز المدينة (لندن مثلاً) إلى محيطها، وتحويل الأولى إلى مناطق مخصصة لسكن الطبقة الأرستقراطية.

يتبع…

المرجع:
A Brief History of Neoliberalism
By/ David Harvey
2005
النسخة المعرّبة:
الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
الكاتب: ديفيد هارفي
المترجم: وليد شحادة
2013