آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية : (7) الانتشار

ما هي الوسائل التي تم من خلالها دفع الآخرين تجاه النيوليبرالية؟

إعداد: إبراهيم الطراونة //

نقدم لكم الجزء السابع من سلسلة تاريخ النيوليبرالية، لقراءة الجزء السابق اضغط هنا.


ليس من السهل رسم خارطة لمسار اللبرلة الجديدة على المسرح العالمي منذ عام ١٩٧٠، ولكن يمكن القول بأن معظم الدول التي أقرّت الانعطاف نحو النيوليبرالية قد فعلت ذلك بصورة جزئية فقط، أي أدخلت المزيد من المرونة إلى أسواق العمالة في بعض الأماكن، وحررت العمليات المالية من تدخل وتنظيم الدولة واعتماد النظرية النقدية في أماكن أخرى، وتحركت باتجاه خصخصة قطاعات تملكها الدولة في أماكن غيرها.

إن التنافس بين الدول لامتلاك النموذج الأفضل لما يسمى “التنمية الاقتصادية” أو “المناخ الأفضل للأعمال” لم يكن ذا أهمية نسبية في الخمسينات والستينات، لكن هذا النوع من المنافسة ازداد في ظل الأنظمة الأكثر انفتاحاً للعلاقات التجارية التي تأسست بعد عام ١٩٧٠، لذلك كان المسار العام لتقدم النيوليبرالية يلقى دفعاً قوياً من خلال آليات التطور الجغرافي المتفاوت؛ فالدول أو المناطق الناجحة كانت تمارس ضغطاً على كل ما عداها ليحذو حذوها، والابتكارات التي كانت تحدث كانت تضع هذه الدولة أو تلك (اليابان وألمانيا وتايوان والولايات المتحدة والصين) أو هذه المنطقة أو تلك (وادي السيليكون، بافاريا، إيطاليا الثالثة، بنغالور، دلتا نهر بيرل، بوتسوانا) أو هذه المدينة أو تلك (بوسطن، سان فرنسيسكو، شنغهاي، ميونيخ) في طليعة أعمال تراكم رأس المال.

وبالرغم من كل ما يقال حول النيوليبرالية بصفتها الدواء الشافي للاقتصادات المريضة، لم تستطع بريطانيا أو الولايات المتحدة تحقيق مستويات عليا من الأداء الاقتصادي في الثمانينيات، وهذا ما يشير صراحة إلى أن النيوليبرالية لم تكن الجواب لصلوات وأدعية الرأسماليين. من المؤكد أن التضخم تراجع وأسعار الفائدة انخفضت، لكن هذا كله كان على حساب معدلات عالية للبطالة (كان وسطي معدلات البطالة في الولايات المتحدة ٥ر٧ بالمائة في عهد الرئيس ريغان، وأكثر من ١٠ بالمائة في بريطانيا في ظل حكومة ثاتشر)؛ وكان من أثر التخفيضات في الخدمات الاجتماعية المقدمة من الدولة وفي الانفاق على البنية التحتية، أن تراجعت جودة المعيشة عند الكثير من المواطنين، فكانت النتيجة الإجمالية مزيجاً غير ملائم من نمو منخفض ولا مساواة متزايدة في الدخل.

لكن عقد الثمانينات كان ملكاً لليابان ولاقتصادات “النمور” الآسيوية في شرق آسيا، ولألمانيا الغربية، والتي شكلت مراكز متنافسة لتوليد طاقة الاقتصاد العالمي. نجاح هذه الدول في ظل غياب إصلاحات نيوليبرالية بالجملة يجعل من العسير القول بأن اللبرلة الجديدة أحرزت تقدماً على المسرح العالمي وبأنها الدواء الذي أثبت فاعليته في التخفيف من آلام الركود الاقتصادي. أما التخفيضات التدريجية للحواجز التجارية فقد خلقت ضغوطاً تنافسية كان من نتيجتها حصول عملية ناعمة، يمكن تسميتها “اللبرلة الجديدة الزاحفة”، في كثير من البلدان حتى تلك التي كانت تقاومها عموماً؛ فمثلاً اتفاقية ماسترخت لعام ١٩٩١، التي وضعت الإطار النيوليبرالي العريض للتنظيم الداخلي للاتحاد الأوروبي، ما كانت لتحصل لولا ذلك الضغط من تلك الدول، مثل بريطانيا، التي ألزمت نفسها بالإصلاحات النيوليبرالية.

كان تطبيق الوسائل التي من خلالها يمكن الدفع تجاه النيوليبرالية، وبالتالي عودة سلطة الطبقة الواحدة، تدريجياً بل وعلى نحو غير منتظم إبان الثمانينيات، لكنه ما لبث أن توطد وتعزز في التسعينيات. وفي هذا الإطار هنالك أربعة مكونات هامة:

أولا: التحول إلى المزيد من الأعمال المالية الذي بدأ في السبعينيات وتسارع تطبيقه في التسعينيات، فشهدت الاستثمارات المباشرة الأجنبية والاستثمار في السندات نمواً سريعاً في جميع أنحاء العالم الرأسمالي.

ثانياً: كان ثمة حراك جغرافي متزايد لرأس المال، وكان من دواعي سهولة هذا الحراك التراجع السريع في تكاليف النقل والمواصلات. من جهة ثانية لعب التخفيض التدريجي للحواجز التي تعوق حركة رأس المال والسلع (مثل التعرفة والرقابة)، بالإضافة إلى تخفيض أوقات الانتظار على الحدود (كإلغاء الحدود في أوروبا مثلا)، دوراً بالغ الأهمية.

ثالثاً: إن التجمع الذي يضم وول ستريت وصندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية الذي بدأ يهيمن على السياسة الاقتصادية في عهد الرئيس كلنتون، استطاع أن يقنع كثيراً من الدول النامية باتخاذ طريق النيوليبرالية، أو أن يغريها بقبول هذا الخيار، وأحياناً يجبرها عليه (وذلك بفضل برامج التعديل الهيكلي التي يوصي بها صندوق النقد الدولي).

وأخيراً: الانتشار العالمي لمبادئ الاقتصاد النيوليبرالي وأفكار النظرية النقدية في الإصلاح الاقتصادي كان له أثر أيديولوجي قوي. ففي عام ١٩٨٢ أُقصيت أفكار كينز الاقتصادية من دهاليز صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وما إن أشرف عقد الثمانينات على نهايته حتى كانت معظم أقسام الاقتصاد في الجامعات البحثية الأمريكية –والتي خرّجت غالبية الاقتصاديين في العالم– قد اتخذت خطاً واحداً يتمسك بقوة بالأجندة النيوليبرالية.

ولكن ثمة حقيقة ثابتة في هذا التاريخ المعقد للبرلة الجديدة غير المنتظمة، ألا وهي ذلك النزوع العام لزيادة اللامساواة والتفاوت الاجتماعي ولتعريض العناصر الأقل حظاً في أي مجتمع لرياح التقشف ولمصير التهميش المتزايد. ومع أن هذا النزوع قد شهد تحسناً أحياناً هنا وهناك بفعل بعض السياسات الاجتماعية، إلا أن آثاره على الطرف الآخر من الطيف الاجتماعي (الفقراء) كانت دراماتيكية ومذهلة، فتركيز الثروة والقوة الموجود الآن في الصفوف العليا للرأسمالية لم يعرفها أحد منذ عشرينات القرن العشرين. إنها جزء من “عبقرية” نظرية النيوليبرالية بأن تقدم قناعاً محبا للخير مفعماً بكلمات جذابة مثل الحرية والاختيار والحقوق، يخفي وراءه الواقع المرير لعودة أو تأسيس سلطة الطبقة الواحدة محلياً وما بين الأمم، وعلى نحو أكثر خصوصية في المراكز المالية الرئيسية لرأس المال العالمي.

يتبع…

المرجع:
A Brief History of Neoliberalism
By/ David Harvey
2005
النسخة المعرّبة:
الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
الكاتب: ديفيد هارفي
المترجم: وليد شحادة
2013