آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية: (6) القومية

لماذا تحتاج الدولة النيوليبرالية إلى القومية كي تظل على قيد الحياة؟

إعداد: إبراهيم الطراونة //

نقدم لكم الجزء السادس من سلسلة تاريخ النيوليبرالية، لقراءة الجزء السابق اضغط هنا.


إذا كانت الدولة النيوليبرالية غير مستقرة أصلاً، فما الذي يمكن أن يحل محلها؟ في الولايات المتحدة، هناك إشارات تحمل جواباً لهذا السؤال: فالمحافظون الجدد، مثل النيوليبراليين الذين سبقوهم، كانوا منذ أمد طويل يغذون ويعززون آراءهم الخاصة حول النظام الاجتماعي في الجامعات (كان ليو شتراوس في جامعة شيكاغو مؤثراً في ذلك على نحو خاص) وفي مراكز الأبحاث، ومن خلال المطبوعات ذات الانتشار الواسع (مثل مجلة Commentary). فالمحافظون الجدد في الولايات المتحدة يفضلون سلطة الشركات والمبادرة الخاصة وعودة سلطة الطبقة الواحدة. لذلك نرى أن المحافظة الجديدة تنسجم كلياً مع أجندة النيوليبراليين بخصوص حوكمة النخبة، وعدم الثقة بالديمقراطية والحفاظ على حريات السوق. لكنها تبتعد كثيراً عن مبادئ النيوليبرالية الصرفة، لأنها أعادت صياغة الممارسة النيوليبرالية في مجالين أساسيين؛ أولهما الاهتمام بالنظام ليكون رداً على فوضى الفردانية، وثانياً، اهتمامها المبالغ فيه بـ”الأخلاق” لكونها مادة اجتماعية ضرورية للحفاظ على أمن الجسم السياسي من أي أخطار خارجية وداخلية.

والمحافظة الجديدة، من خلال اهتمامها بالنظام، تبدو وكأنها مجرد إماطة للثام عن السلطوية التي حاولت النيوليبرالية إخفاءها. وهي في الوقت ذاته تقترح إجابات واضحة لواحدة من التناقضات المركزية للنيوليبرالية. فإذا كان “لا يوجد شيء اسمه مجتمع، بل أفراد فقط” كما قالت ثاتشر مبدئياً، عندئذ قد ينتهي الأمر بأن تسيطر الاهتمامات الفردية على النظام. وفوضى السوق، والمنافسة، والفردانية غير المنضبطة تولّد وضعاً لا يمكن التحكم به على نحو متزايد، قد يؤدي إلى انهيار جميع روابط الضمان، وإلى حالة انحدار نحو الفوضى الاجتماعية والعدمية.

أمام هذا الوضع يبدو أن درجة معينة من القسر والإكراه لإعادة النظام تبدو ضرورية. لذلك يؤكد المحافظون الجدد على العسكرة لتكون العلاج الشافي لفوضى الاهتمامات والمصالح الفردية. ولهذا السبب يميلون كثيراً للإضاءة على الأخطار التي تهدد وحدة واستقرار الأمة، سواء أكانت حقيقة أم متخيلة، وسواء أكانت من الداخل أم من الخارج. برز ذلك في التعامل مع الإسلام المتطرف في التسعينيات والذي وصل ذروته في أحداث الحادي عشر من أيلول، فصار في مقدمة الأخطار ومركز الاهتمام لإعلان “الحرب الدائمة على الإرهاب” التي تطلبت العسكرة داخلياً وخارج البلاد بهدف ضمان أمن الأمة.

لقد كانت المحافظة الجديدة منذ أمد بعيد حركة ضد الإباحية الأخلاقية التي تروج لها عموماً الفردانية. لذلك فهي تسعى جاهدة لعودة الغاية “الأخلاقية” وبعض القيم “العليا” التي سوف تشكل المركز الدائم والمستقر للأمة من حيث كونها وحدة سياسية خاضعة للحكومة. لكن القيم “الأخلاقية” التي باتت الآن أمراً محورياً عند المحافظين الجدد قد تُفهم على أفضل وجه على أنها منتجات ائتلاف من نوع خاص تأسس في السبعينيات بين طبقة النخبة ومصالح الأعمال الساعية بقوة لاستعادة سلطة الطبقة الواحدة من جهة، وبين قاعدة انتخابية لدى “الأكثرية الأخلاقية” لطبقة العمال البيض المُستائين، من جهة ثانية. وقد تركزت هذه القيم “الأخلاقية” على القومية الثقافية والاستقامة الأخلاقية والمسيحية (صنف بروتستانتي معين) وقيم الأسرة، وقضايا الحق في الحياة (مناهضة الإجهاض)، والعداء للحركات الاجتماعية الجديدة مثل المناداة بالمساواة بين المرأة والرجل وحقوق المثليين والعمل الإيجابي والبيئوية. وعلى الرغم من أن هذا الائتلاف (مع “القيم الأخلاقية”) كان تكتيكياً بشكل رئيسي في عهد الرئيس ريغان، إلا أن الفوضى الداخلية في عهد الرئيس كلنتون جعلت مقولة القيم “الأخلاقية” تتصدر أجندة الجمهوريين في عهد الرئيس بوش الابن. وهي الآن تشكل جوهر الأجندة “الأخلاقية” لحركة المحافظين الجدد.

ولكن، وكما رأينا، تحتاج الدولة النيوليبرالية إلى قومية من صنف معين لتظل على قيد الحياة؛ فبما أنها مُجبرة على العمل كعنصر منافس في السوق العالمي، وتسعى لتكوين أفضل مناخ ممكن للأعمال، فهي تستخدم القومية سبيلاً لها للنجاح. لا شك أن المنافسة تُنتج رابحين وخاسرين مؤقتين في الصراع العالمي للحصول على الموقع المناسب، وهذا بحد ذاته قد يكون مصدراً للفخار القومي أو مصدراً للبحث عن الروح القومية. وأصدق مثال على ذلك هو تلك المشاعر القومية في التنافس الرياضي بين الأمم. ففي الصين يظهر الاحتكام إلى الشعور القومي عند النضال لكسب موقع مناسب للدولة في الاقتصاد العالمي، أمر كان واضحاً وصريحاً من شدة وكثافة برامج تدريب الرياضيين في أولمبياد بكين مثلاً. والمثال البريطاني لافت أيضاً ومثير للاهتمام: فقد استلهمت مارغريت ثاتشر، من خلال حرب جزر الفولكلاند، ومن موقفها المعادي تجاه أوروبا، المشاعر القومية دعماً لمشروعها النيوليبرالي.

مما لا شك فيه أنه وعلى الرغم من وجود أخطار في عبث النيوليبرالية بالقومية، فإن احتضان المحافظين الجدد العنيف للغاية “الأخلاقية” القومية أشد خطراً، وقيام دول عدة باعتناق قيم “أخلاقية” تفترض أنها متفوقة، تتنافس من خلالها على المسرح العالمي، ليس بالجواب الجيد على التناقضات الأساسية. فما يبدو على أنه جواب لتناقضات النيوليبرالية قد يتحول بسهولة بالغة إلى مشكلة أكثر تعقيداً. وانتشار قوة المحافظة الجديدة بأنواعها المختلفة، كالنوع الذي يمارسه فلاديمير بوتين في روسيا، والحزب الشيوعي في الصين، ومع أنه قائم على أسس وتشكيلات اجتماعية مختلفة، إلا أنه يشير إلى أخطار الانزلاق في أتون قوميات متنافسة، وأحياناً متصارعة. هكذا تكون احتمالات نشوء هذه الأخطار عند الانعطاف نحو المحافظة الجديدة أكثر من احتمالات نشوئها عن حقائق خالدة تُنسب إلى الاختلافات القومية المُفترضة. لذلك يقتضي تجنب النتائج الكارثية رفض الحل الذي تُقدّمه المحافظة الجديدة لتناقضات النيوليبرالية.

يتبع…

المرجع:
A Brief History of Neoliberalism
By/ David Harvey
2005
النسخة المعرّبة:
الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
الكاتب: ديفيد هارفي
المترجم: وليد شحادة
2013