آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية: (5) التناقضات

تناقضات النظرية العامة للدولة النيوليبرالية

إعداد: إبراهيم الطراونة //

نقدم لكم الجزء الخامس من سلسلة تاريخ النيوليبرالية، لقراءة الجزء السابق اضغط هنا.


على الدولة النيوليبرالية أن تصطف إلى جانب حقوق الملكية الخاصة للأفراد، وحكم القانون، والتجارة الحرة. تلك هي الترتيبات المؤسساتية التي تُعد ضرورية لضمان حريات الأفراد بنظرها. أما الإطار القانوني فهو إطار التزامات عقدية يجري التفاوض بشأنها بكل حرية بين أفراد حقوقيين في السوق. وعليه يجب حماية قدسية العقود، وحق الفرد في حرية العمل والتعبير والاختيار. لذلك يجب على الدولة أن تستخدم احتكارها لوسائل العنف من أجل ضمان هذه الحريات.

العمل الخاص والمبادرة الفردية هما مفتاح الابتكار وخلق الثروة، وحقوق الملكية الفكرية مصانة (عبر براءات الاختراع مثلاً) بغية تشجيع التغيرات التكنولوجية. وعندئذ يكون من شأن الزيادات المتواصلة في الإنتاج أن توفر مستويات معيشة أعلى للجميع. وبموجب الافتراض القائل إن “حركة المد الصاعدة ترفع للأعلى جميع السفن”، فإن نظرية النيوليبرالية تقول بأن القضاء على الفقر (داخلياً وعلى الصعيد العالمي) لا يمكن تأمينه إلا من خلال الأسواق والتجارة الحرة. وتظهر بذلك أهمية تشكيل الهياكل التنظيمية، مثل مجموعة الدول الرأسمالية المتقدمة (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان) المعروفة باسم مجموعة الدول السبع، (والآن مجموعة الثماني بعد انضمام روسيا لها). وكذلك تعد الاتفاقيات الدولية بين الأمم والضامنة لحكم القانون وحريات التجارة، مثل تلك التي تجسدها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية WTO، على جانب كبير من الأهمية في تقدم وتطور المشروع النيوليبرالي عالمياً.

لكن الأمر لا يخلو من وجود تناقضات في النظرية العامة للدولة النيوليبرالية. يوجد تباين آخذ بالتبرعم والانتشار بين الأهداف العامة المعلنة للنيوليبرالية: سعادة الجميع، ونتائجها الفعلية: عودة سلطة الطبقة الواحدة. بالإضافة إلى ذلك يجب إلقاء الضوء على التناقضات الأخرى، مثل:

١- يتوقع من الدولة النيوليبرالية، من جهة، أن تتخذ لنفسها المقعد الخلفي وتعمل ببساطة على تهيئة المسرح لوظائف السوق، ومن جهة أخرى يفترض بها أن تكون ناشطة في خلق المناخ الجيد للأعمال وأن تتصرف من منطلق أنها كيان منافس في السياسة العالمية. ومن دورها الأخير هذا ينبغي لها أن تعمل كما لو أنها شركة جماعية، وهذا الدور يطرح مسألة كيفية تأمين ولاء المواطن. الجواب الواضح والأكيد عن هذه المسألة هو القومية، لكن المشكلة هي أن القومية معادية أساساً للأجندة النيوليبرالية. تلك كانت معضلة مارغريت ثاتشر، لكنها عندما لعبت ورقة القومية في حرب جزر الفولكلاند، استطاعت الفوز وأعيد انتخابها مجدداً، لتعمل على زيادة تعزيز الإصلاحات النيوليبرالية داخلياً.

٢- السلطوية في تطبيق نظام السوق لا تنسجم مع قيم الحريات الفردية. وكلما ازداد توجه النيوليبرالية نحو الأولى تزايدت صعوبة حفاظها على الشرعية في مواجهة الثانية، وازدادت أيضاً ضرورة أن تميط اللثام عن لونها المناهض للديمقراطية. وهذا التناقض يوازيه انعدام متنام للتماثل في علاقات القوة بين الشركات والأفراد.

٣- مع أهمية الحفاظ على وحدة النظام المالي ونزاهته واستقامة عمله، إلا أن الفردانية اللامسؤولة لدى مشغلي هذا النظام تفرز تقلبات في المضاربات، وفضائح مالية، وعدم استقرار حاد. وكان من شأن الفضائح المحاسبية، وكذلك فضائح وول ستريت في السنوات الأخيرة، أن قوضت الثقة ووضعت أمام السلطات التنظيمية مشكلات خطيرة حول كيف ومتى تتدخل على الصعيد الدولي أو المحلي.

٤- على الرغم من أن فضيلة المنافسة توضع في المقدمة، إلا أن الواقع يشهد تزايداً في ترسيخ سلطة احتكارات القلة، أو الاحتكار الفردي، أو السلطة متعددة القوميات داخل شركات متعددة الجنسيات: اختزل عالم منافسة المشروبات والعصائر ليغدو تنافساً بين كوكا كولا وبيبسي، وصناعة الطاقة اختزلت بخمس شركات ضخمة متعددة الجنسيات، وعدد قليل جداً من عمالقة الشخصيات الإعلامية المؤثرة يسيطرون على معظم تدفقات الأخبار التي صارت في معظمها دعاية صرفة تخدم مؤسسات معينة. بالإضافة الى مشكلة “الاحتكار الطبيعي”، فليس من المعقول أن يكون هنالك نموذج تنافسي في شبكات الصرف الصحي والكهرباء وسكك الحديد مثلاً.

٥- على الصعيد الشعبي، سرعان ما ينتج التنافر والتفكك الاجتماعي عن الاندفاع نحو حريات السوق، وجعل كل شيء سلعة تباع وتشترى. ولا بد من القول إن تدمير أشكال التضامن الاجتماعي يخّلف فجوة واسعة جداً في النظام الاجتماعي، عندئذ يصبح من الصعوبة بمكان محاربة أي شذوذ عن هذا النظام والسيطرة على السلوكيات العدائية للمجتمع مثل الإجرام والإباحية أو حتى الاستعباد الافتراضي للآخرين.

ما قاله منظموا مؤتمر دافوس عام 1996 خير دليل على تلك التناقضات: “بهذا دخلت العولمة الاقتصادية مرحلة جديدة. وهناك ردة فعل متصاعدة ضد آثارها، وبخاصة في البلدان الديمقراطية الصناعية، تهدد بأثر مدمر للنشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في بلدان عدة. والحالة السائدة في هذه الديمقراطيات تدل على اليأس والقلق، وهذا ما يفسر نشوء صنف جديد من السياسيين الشعبويين، الذين يستطيعون تحويل شعبيتهم إلى تمرّد.”

يتبع…

المرجع:
A Brief History of Neoliberalism
By/ David Harvey
2005
النسخة المعرّبة:
الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
الكاتب: ديفيد هارفي
المترجم: وليد شحادة
2013