آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية: (4) التحوّل البريطاني

كيف تم إنجاز التحوّل نحو النيوليبرالية في بريطانيا؟

إعداد: إبراهيم الطراونة //

نقدم لكم الجزء الرابع من سلسلة تاريخ النيوليبرالية، لقراءة الجزء السابق اضغط هنا.


اتخذ بناء التوافق في بريطانيا سبيلاً مختلفاً اختلافاً كبيراً عن الولايات المتحدة. فالذي حدث في كانساس يختلف عما حدث في يوركشاير. التقاليد الثقافية والسياسية ليست متشابهة. في بريطانيا لا يوجد يمين مسيحي يمكن تعبئته ليصبح “أغلبية أخلاقية”، وقوة الشركات هناك لم تكن تميل لدعم النشاط السياسي المكشوف والعلني (وتبرعاتها للأحزاب السياسية ضئيلة جداً)، تفضل عوضاً عن ذلك أن تمارس نفوذها من خلال شبكات طبقية وامتيازات كانت منذ أمد بعيد تربط الحكومة والجامعات والقضاء والخدمة المدنية الدائمة مع قادة الصناعة والمال (وهذه الخدمة المدنية لا تزال تحافظ على تقاليد استقلاليتها). وكذلك الحال، كان الوضع السياسي مختلفاً اختلافاً جذرياً، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن حزب العمال قد بني أساساً ليكون أداة سلطة الطبقة العاملة، ويدين بالفضل للنقابات القوية وأحياناً المناضلة. لذلك فقد طورت بريطانيا نتيجة لذلك هيكلية “دولة الرفاه” الشاملة، وبطريقة أكثر إتقاناً من أي هيكلية قد تحلم بها الولايات المتحدة. أممت الصناعات القوية والمسيطرة (كصناعة الفحم والفولاذ والسيارات) وكان الجزء الأكبر من قطاع الإسكان بيد القطاع العام.

بعد الحرب العالمية الثانية وافقت بريطانيا (ولو على مضض) على التخلي عن مستعمراتها، وبعد مغامرة حرب السويس الفاشلة عام ١٩٥٦ وعلى نحو تدريجي (وأيضاً على مضض) خلعت عن نفسها عباءة السلطة الامبراطورية المباشرة. لكنها واصلت إبراز وجودها الاستعماري الكولونيالي الجديد داخل القسم الأكبر مما كان سابقاً امبراطوريتها، وكانت الهيكليات الكولونيالية الاستعمارية الجديدة للاستغلال التجاري تتعمق في الكثير من الأحوال بدل أن تزول ويقضى عليها. لكن الأثر الأكثر أهمية من كل الآثار المتبقية من الوجود الامبراطوري لبريطانيا هو ذلك الدور المستمر للوسط التجاري بمدينة لندن في كونه مركز الأعمال المالية الدولية.

لم تكن دولة الرفاه التي أنشئت في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية مقبولة من الجميع. عمت الانتقادات اللاذعة وسائل الإعلام كافة (وفي طليعتها صحيفة الفايننشال تايمز النافذة) والتي كانت عموماً -وعلى نحو متزايد- خاضعة للمصالح المالية. وجرى تصوير دولة الرفاه على أنها تتعارض مع الفردانية والحرية وحق الاختيار، خصوصا بوجود أجهزة الدولة البيروقراطية والنقابات العمالية القوية. وباتت هذه الانتقادات واسعة الانتشار في بريطانيا في الستينيات، وأصبحت أكثر حدة في سني الركود الاقتصادي الكئيبة في السبعينيات.

لكن الفكر الذي يمثله “هايك” شكل معارضة مجدية وكان له أنصاره في الجامعات وفي داخل الفكر المهيمن على أعمال معهد الشؤون الاقتصادية (الذي تأسس عام 1955) حيث صعد كيث جوزيف، الذي اختارته مارغريت ثاتشر ليكون مستشارها، فاكتسب شهرة واسعة في السبعينيات. وتزايد التزام الصحافة بالفكر الليبرالي الجديد في السبعينيات وهذا ما كان له بالغ الأثر على مناخ الرأي العام.

ومع أنه كان ثمة عناصر كثيرة يمكن اعتمادها في بناء التوافق على الانعطاف نحو النيوليبرالية، إلا أن ظاهرة مارغريت ثاتشر ما كان لها أن تنشأ لولا تلك الأزمة الخطيرة التي وقعت فيها عملية تراكم رأس المال إبان السبعينيات. إذ كانت الصناعات المؤممة تستنزف موارد الخزينة، ونشأ عن هذا الوضع مواجهات بين الدولة والنقابات. خرج عمال المناجم (وهي واحدة من الصناعات المؤممة) في إضراب عن العمل عام 1972 ومرة أخرى عام 1974. على إثر ذلك، أعلنت حكومة المحافظين حالة الطوارئ وسط انقطاع للكهرباء، وفرضت نظام عمل لثلاثة أيام في الأسبوع وطلبت تأييد الرأي العام في مواجهتها لعمال المناجم. ثم دعت الشعب لانتخابات برلمانية عام 1974 طلباً لدعم الشعب لموقفها. لكنها خسرت وفاز حزب العمال، وشكل الحكومة وتوصل لتسوية بخصوص إضراب العمال وفق شروط مناسبة لعمال المناجم.

لكن هذا النصر كان مقابل ثمن باهظ. لم تستطع حكومة حزب العمال أن تتحمل شروط التسوية فكثرت الصعوبات المالية لديها. أزمة ميزان المدفوعات توازت مع عجوزات ضخمة في الميزانية، ومن خلال توجهها للحصول على سُلف من صندوق النقد الدولي عام 1975 – 1976، وُضعت أمام خيارين، إما أن تخضع للقيود التي يفرضها هذا الصندوق والتقشف، أو أن تعلن إفلاسها وتضحي بسلامة الجنيه الاسترليني وبالتالي تسبب جرحاً مميتاً للمصالح المالية في الوسط التجاري لمدينة لندن. اختارت حكومة العمال السبيل الأول وطبقت التخفيضات بالغة القسوة في الميزانية بخصوص نفقات دولة الرفاه. وهكذا تصرفت بشكل مضاد للمصالح المادية لأنصارها التقليديين.

ابتدأ عمال القطاع العام سلسلة من الإضرابات التي شلت الحركة فيما عرف “بشتاء السخط والاستياء” عام 1978، ولم يسمح إلا لموظفي الحوانيت بقيادة شاحنات تحمل على جانبها عبارة “تجهيزات أساسية” بعبور خطوط الإضراب. تهاوى الدعم الشعبي لحكومة العمال ثم فازت مارغريت ثاتشر في الانتخابات التي أعقبت هذا السقوط، محققة أغلبية ساحقة وبيدها تفويض واضح لا لبس فيه من أنصارها من الطبقة الوسطى لترويض قوة نقابات عمال القطاع العام.

أقدمت ثاتشر على المزيد من الإجراءات التي أضعفت قوة النقابات عندما فتحت المملكة المتحدة على المنافسة الأجنبية وعلى الاستثمارات الأجنبية. فكان من شأن المنافسة الأجنبية أن أتت على القسم الأعظم من الصناعات التقليدية البريطانية في الثمانينيات – فاختفت صناعة الحديد والصلب (في شيفيلد) وبناء السفن (في غلاسكو) في بضع سنين، ومع اختفائها ذهب القسم الأكبر من قوة النقابات. وبدأت ثاتشر أيضاً عملية خصخصة لكل قطاعات الاقتصاد التي كان يملكها القطاع العام. فقد رأت أن هذه الخصخصة سوف تدعم وتعزز الخزينة العامة وتخلّص الحكومة من التزامات مستقبلية مرهقة بخصوص مشاريع أعمال خاسرة.

غير أن تفكيك دولة الرفاه كان شيئاً آخر؛ لم يكن سهلاً التعامل مع بعض المجالات مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والجامعات وبيروقراطية الدولة والقضاء. في هذه المجالات كان على ثاتشر أن تصطدم وتتعامل مع المواقف الراسخة والمتخندقة وأحياناً التقليدية للطبقة الوسطى العليا من أنصارها الأساسيين. عملت بقوة لتوسيع قيمة المسؤولية الشخصية (من خلال خصخصة الرعاية الصحية على سبيل المثال) للجميع وخفض التزامات الدولة. لكنها لم تنجح في إنجاز تقدم سريع، فعند الرأي العام البريطاني توجد حدود للبرلة الجديدة لكل شيء. ولم ينجح أحد في إدخال هيكلية دفع الرسوم في التعليم العالي ببريطانيا حتى جاءت حكومة حزب العمال وقامت بذلك عام 2003 وبمواجهة معارضة على نطاق واسع.

يمكن قياس مدى نجاح كل من ريغان وثاتشر بوسائل مختلفة. لكن من المفيد كثيراً أن نؤكد على الطريقة التي أخذ بها كلاهما ما كان حتى الآن مواقف سياسية وإيديولوجية وفكرية للأقلية وجعلاها اتجاهاً سائداً. وحالما باتت النيوليبرالية راسخة حتى الأعماق في العالم الناطق بالانكليزية‘ صار من العسير إنكار علاقتها الكبيرة بالطريقة التي تعمل بها الرأسمالية على الصعيد الدولي.

لقد أمسك كل من ريغان وثاتشر مفاتيح معلومات جاءتهما (من تشيلي ومدينة نيويورك) ووضعاها على رأس حركة طبقية كانت عازمة على استعادة قوتها. وتمثلت “عبقرية” كل منهما في خلق إرث وتقليد جعل السياسيين اللاحقين عالقين وسط شبكة عنكبوتية من القيود لا يستطيعون الإفلات منها بسهولة. ولم يكن بمقدور من جاء بعدهما، مثل كلنتون وبلير، أن يفعل شيئاً سوى أن يواصل العمل باللبرلة الجديدة سواء رغب بذلك أم لم يرغب.

لقراءة الجزء الخامس اضغط هنا.

Space

المرجع:
A Brief History of Neoliberalism
By/ David Harvey
2005
النسخة المعرّبة:
الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
الكاتب: ديفيد هارفي
المترجم: وليد شحادة
2013