آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية: (3) التحوّلات

كيف تم إنجاز التحوّل نحو النيوليبرالية؟ نيويورك نموذجا

إعداد: إبراهيم الطراونة //

نقدم لكم الجزء الثالث من سلسلة تاريخ النيوليبرالية، لقراءة الجزء السابق اضغط هنا.


كيف أنجز التحول نحو النيوليبرالية؟ ومن الذي قام بذلك؟ الجواب يكمن أولا، في بعض البلدان مثل تشيلي والأرجنتين في السبعينيات من القرن المنصرم، حيث وقع انقلاب عسكري تدعمه الطبقات العليا التقليدية (والحكومة الأمريكية أيضاً) أعقبه قمع عنيف لجميع أشكال التضامن والاتحاد داخل طبقة العمال والحركات الاجتماعية في المدن التي كانت تهدد سلطتها. ثم في بريطانيا والولايات المتحدة، حيث الثورة النيوليبرالية التي تنسب لثاتشر وريغان بعد عام ١٩٧٩ كان يتحتم إنجازها بالوسائل الديمقراطية، وحصول أي تغيير هناك كان يقتضي بناء توافق سياسي مسبق عبر طيف واسع من المواطنين يكفي للفوز في الانتخابات.

إن أساليب التحول نحو النيوليبرالية شهدت تبايناً بين مكان وآخر، باستخدام القوة العسكرية أحيانا كما في تشيلي، أو باستخدام القوة المالية، كما حدث في العمليات التي نفذها صندوق النقد الدولي في موزمبيق أو الفيلبين، أو من خلال خلق ثقافة عامة مرتكزة على “الحرية” –الزر الذي تضغط عليه النيوليبرالية لتحريك مشاعر الجماهير- في سبيل صناعة التوافق العام لهذا التحول الذي أخذ مناحي مختلفة في دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة.

إذن، يمكن القول إن مناحي وقنوات التحول السلمي نحو النيوليبرالية كانت متعددة ومتنوعة. فهنالك المؤثرات الأيديولوجية القوية التي تنتشر عبر الشركات والإعلام والمؤسسات الكثيرة التي تشكل المجتمع المدني– كالجامعات والمدارس والكنائس والجمعيات المهنية. إضافة لذلك كان من شأن هذه “المسيرة الطويلة” لأفكار النيوليبرالية عبر المؤسسات التي تصورها فريدرك هايك عام ١٩٤٧ ، وتنظيم مراكز الدراسات (التي تدعمها وتمولها الشركات) والسيطرة على قطاعات معينة من الإعلام، وكذلك اعتناق العديد من المثقفين لطرائق الفكر النيوليبرالي، والتي أوجدت مناخاً ملائماً للرأي العام الداعم لفكرة؛ أن النيوليبرالية هي الضامن الوحيد للحرية. ثم توحدت هذه الحركات فيما بعد من خلال سيطرتها على الأحزاب السياسية وبالتالي سلطة الدولة.

مما لا شك فيه أن أي حركة سياسية تؤمن بأن حريات الفرد هي أقدس ما في الوجود سوف تكون عرضة للاندماج ضمن حظيرة النيوليبرالية. فمثلاً الاضطرابات السياسية التي اجتاحت العالم عام ١٩٦٨ كانت تحمل صبغة قوية للرغبة بالمزيد من الحريات الشخصية، لكن التوتر كان واضحا في العلاقة المشحونة بين اليسار التقليدي (العمالة المنظمة والأحزاب السياسية المؤمنة بالتكتلات الاجتماعية) والحركة الطلابية الراغبة بالحريات الفردية. وأصدق مثال على ذلك نجده في تلك الروح العدوانية والشكوكية الفاصلة بين فصيلين في فرنسا (الحزب الشيوعي والحركة الطلابية). ومع أنه ليس مستحيلاً جسر هذه الخلافات إلا أنه من السهل رؤية طريقة إقحام الإسفين بينهما. فالخطاب النيوليبرالي بما فيه من تأكيد تأسيسي على الحريات الفردية يملك القوة على إحداث صدع يبعد التحررية وسياسات الهوية والثقافة المتعددة وبالتالي الاستهلاكية النرجسية عن القوى الاجتماعية المصطفة معاً في سعيها للعدالة الاجتماعية من خلال التغلب على قوة الدولة.

اليسار الأمريكي مثلا، وجد صعوبة بالغة في إيجاد نظام جمعي ضروري لفعل سياسي يحقق العدالة الاجتماعية دون الإساءة إلى رغبة اللاعبين السياسيين في الحرية الفردية والاعتراف الكامل بهويات معينة. والنيوليبرالية لم تخلق هذه التمايزات لكنها استطاعت استغلالها بسهولة.

ومن خلال الاستئثار بقيم حرية الفرد وجعل هذه القيم بمواجهة ممارسات الدولة في التدخل والتنظيم تأمل الطبقة الرأسمالية أن تحمي موقفها، والنيوليبرالية هي الأكثر ملاءمة لهذه المهمة الأيديولوجية. ولكن يجب دعمها باستراتيجية عملية تؤكد حرية خيار المستهلك ليس فقط بما يخص منتجات معينة بل وأيضاً فيما له صلة بأسلوب الحياة وطريقة التعبير والممارسات الثقافية. فاللبرلة الجديدة تقتضي على المستويين السياسي والاقتصادي بناء ثقافة نيوليبرالية شعبية قائمة على السوق لاستهلاك تفاضلي متمايز وتحررية فردية. وكان هذا هو التحدي الذي عملت الشركات والطبقة النخبوية على إنجازه بدهاء في الثمانينيات.

في الولايات المتحدة، وتحديداً بمذكرة سرية أرسلها لويس باول إلى غرفة التجارة الأمريكية في آب / أغسطس ١٩٧١ . يقول باول، الذي كان على وشك أن يعين من قبل ريتشارد نيكسون في المحكمة العليا، في مذكرته إن انتقاد ومعارضة نظام حرية الأعمال في الولايات المتحدة قد ذهب بعيداً جداً وأكثر مما ينبغي وبأن “الوقت قد حان لكي تنتظم حكمة الأعمال الأمريكية وعبقريتها ومواردها وترص صفوفها في مواجهة من يريدون تدميرها.” وأكد باول أن العمل الفردي لا يكفي. فالقوة كما قال “تكمن في التنظيم وفي التخطيط بعيد المدى والتطبيق، وفي ثبات وتناغم الفعل على مدى فترة غير محدودة من السنين” ثم أضاف إن على غرفة التجارة الوطنية أن تتولى قيادة الهجوم على المؤسسات الرئيسية – الجامعات والمدارس والإعلام ودور النشر والمحاكم – لكي تغير الطريقة التي يفكر بها الفرد إزاء الشركات والقانون والثقافة والفرد.” والشركات الأمريكية لا تعدم الموارد اللازمة لمثل هذا المجهود، وخاصة عندما تتوحد.

غرفة التجارة الأمريكية وسعت فيما بعد قاعدتها من ٦٠٠٠٠ شركة عام ١٩٧٢ لتصبح أكثر من ربع مليون بعد عشرة أعوام. واستطاعت من خلال مشاركة “الرابطة الوطنية للصناعيين” (التي انتقلت إلى واشنطن عام ١٩٧٢ ) أن تجمع أموالاً هائلة لحملة تهدف للضغط على الكونغرس والانخراط في البحوث. وفي عام ١٩٧٢ تأسست “الطاولة المستديرة للأعمال”، وهي منظمة من كبار المدراء التنفيذيين في الشركات، التي تعهدت والتزمت بالسعي الحثيث والهجومي لتأمين قوة سياسية للشركات، وفيما بعد أصبحت هذه الطاولة المستديرة مركز استقطاب العمل الجماعي لصالح الأعمال. تعتبر الشركات المساهمة بهذا العمل مسؤولة عن “نصف الناتج الوطني الإجمالي للولايات المتحدة” إبان السبعينيات، وتنفق ما يقرب من ٩٠٠ مليون دولار سنوياً على المسائل السياسية. وتشكلت مراكز دراسات مثل مؤسسة التراث ومعهد هوفر ومركز دراسات الأعمال الأمريكية بدعم من تلك الشركات، لتتولى القيام بالمناظرات والدراسات الفنية والتجريبية تأييداً للسياسات النيوليبرالية.

نشأ أحد خطوط الرد على أزمة تراكم رأس المال وسلطة الطبقة الواحدة داخل خنادق الصراعات المدينية التي عمت السبعينيات. وكانت الأزمة المالية في مدينة نيويورك أحد أهم الأمثلة على ذلك. فقد عملت إعادة هيكلة رأس المال وتراجع التصنيع على مدى أعوام عدة على تآكل القاعدة الاقتصادية للمدينة، بالإضافة إلى النزوح السريع للأرياف ما ترك وسط المدينة في حالة من الفقر الشديد (وظهرت مشاكل مماثلة في الكثير من المدن الأمريكية). وكان الحل المبدأي المقترح هو توسيع عمليات التوظيف العام والرعاية الاجتماعية – وتم تسهيل ذلك من خلال التمويل الفدرالي السخي.

لكن الرئيس نيكسون الذي واجه المصاعب المالية أعلن أن أزمة المدن قد انتهت في مطلع السبعينيات. ورغم أن هذا الإعلان كان خبراً جيداً للكثيرين من سكان المدن إلا أنه كان مؤشراً إلى تضاؤل المساعدات الفدرالية. ومع الدنو السريع للكساد تزايدت الفجوة الفاصلة بين الإيرادات والنفقات في ميزانية مدينة نيويورك (التي كانت بالأصل فجوة كبيرة بسبب الإسراف في الاقتراض على مدى الأعوام). كانت المؤسسات المالية في باديء الأمر على استعداد لتغطية هذه الفجوة لكن مجموعة من المصرفيين العاملين في الاستثمار (يتزعمهم وولتر ريستون من “سيتيبنك” Citibank) رفضوا تدوير الدين ودفعوا بالمدينة إلى حالة الإفلاس الفني.

 غير أن العملية الإسعافية التي أعقبت ذلك استتبعت بناء مؤسسات جديدة تولت إدارة ميزانية المدينة. وكان لهذه المؤسسات حق المطالبة الأولى في إيرادات المدينة من الضرائب لكي تسدد أولاً ديون حاملي سندات الخزينة وما تبقى بعد ذلك خصص للخدمات الأساسية. فكانت نتيجة ذلك ضبط ولجم طموحات الاتحادات البلدية القوية في المدينة وتجميد الأجور وتخفيض عدد الوظائف العامة والتقديمات العامة (في التعليم والصحة العامة وخدمات النقل) وفرض رسوم الاستخدام (أدخلت رسوم التعليم للمرة الأولى في منظومة جامعة كولومبيا). وكانت الإهانة الأخيرة، الشرط الذي يقضي بأن تستثمر الاتحادات البلدية أموال صناديق معاشاتها التقاعدية في سندات المدينة. فكان على هذه الاتحادات أن تختار بين أمرين إما أن تعدّل مطالبها أو تواجه احتمال خسارتها لأموال المعاشات التقاعدية من خلال إفلاس المدينة.

يعتبر هذا الإجراء انقلاباً قامت به المؤسسات المالية ضد حكومة منتخبة ديمقراطياً في مدينة نيويورك فكان في كل جزئية منه مؤثراً وفاعلاً كما الانقلاب العسكري الحاصل في تشيلي من قبل. حيث أعيد توزيع الثروة على الطبقات العليا وسط استغلال الأزمة المالية.

اغتنم المصرفيون والمستثمرون في نيويورك الفرصة ليعيدوا هيكلة المدينة بطريقة تناسب أجندتهم. فكانت الأولوية “خلق مناخ جيد للأعمال”. وهذا يعني استخدام الموارد العامة لبناء بنية تحتية مناسبة للأعمال (وبخاصة الاتصالات) مترافقة مع تقديم الإعانات الحكومية المالية والحوافز الضريبية للمشاريع الرأسمالية. فحلّت رفاهية الشركات محل رفاهية الناس. وجندت مؤسسات النخبة في المدينة لتسويق صورة المدينة على أنها مركز ثقافي ومقصد سياحي (واخترعوا شعار “أحب نيويورك”). وتحركت النخب الحاكمة وبشكل معاند في كثير من الأحيان لدعم فتح الميدان الثقافي أمام جميع التيارات العالمية المتنوعة. وأصبح الاستكشاف النرجسي للذات والجنس والهوية ثقافة البورجوازية المدنية. وهكذا أفضت حرية الفنون وتراخيص الفنون التي تروج لها المؤسسات الثقافية القوية في المدينة إلى لبرلة الثقافة.

شكلت إدارة أزمة نيويورك المالية طليعة الممارسات النيوليبرالية محليّا في ظل حكم الرئيس ريغان وعالمياً من خلال صندوق النقد الدولي في الثمانينات. فكانت هذه الإدارة السبب في انتشار مبدأ يقول إنه في حال نشوء صراع بين نزاهة المؤسسات المالية وعائدات حملة الأسهم من جهة وبين سعادة المواطنين ورفاههم فالأفضلية للأولى. وأكد هذا المبدأ بأن دور الحكومة يتمثل في خلق المناخ الجيد للأعمال وليس الاهتمام باحتياجات ورفاه السكان عموماً. وفي هذا الإطار فإن سياسة إدارة الرئيس ريغان في الثمانينيات أصبحت “مجرد تكرار لسيناريو نيويورك”.

لكي تحقق الشركات غايتها الأوسع كانت بحاجة لتكوين أداة سياسية وقاعدة شعبية. لذلك عملت بقوة ونشاط للتغلغل والسيطرة على الحزب الجمهوري كي يصبح أداتها الخاصة. وهنا يمكن القول إن قوانين تمويل الحملات الانتخابية التي يفترض أنها “تقدمية” والصادرة عام ١٩٧١ قد أعطت بالنتيجة الشرعية للفساد المالي.

غير أن الحزب الجمهوري كان بحاجة لقاعدة انتخابية متينة إن أراد أن يحتكر السلطة والقوة بفاعلية. وفي هذا الوقت تقريباً سعى الجمهوريون لإقامة تحالف مع اليمين المسيحي. لم يكن هذا الأخير نشطاً على الساحة السياسية في الماضي، لكن تشكيل “الأغلبية الأخلاقية” بقيادة جيري فالويل Jerry Falwell لتكون حركة سياسية عام ١٩٧٨ غيرت ذلك كله. فقد صار للحزب الجمهوري الآن قاعدة مسيحية. وبدأ الحزب أيضاً بمخاطبة القومية الثقافية عند الطبقات العاملة البيضاء وإحساسهم المحاصر بالاستقامة الأخلاقية (وكانت محاصرةً لأنها كانت تعيش في حالة انعدام الأمن الاقتصادي المزمن وباستبعادها عن الكثير من المنافع والإعانات المالية التي كانت توزع من خلال برنامج “العمل الإيجابي”، الذي يعطي الأولوية لمتضرري التمييز العنصري). فأمكن حشد هذه القاعدة السياسية إيجابياً من خلال الدين والقومية الثقافية، وسلباً من خلال العنصرية الضمنية، والصريحة في بعض الأحيان، ومناهضة المساواة بين الجنسين.

لقراءة الجزء الرابع اضغط هنا.

Space

المرجع:
A Brief History of Neoliberalism
By/ David Harvey
2005
النسخة المعرّبة:
الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
الكاتب: ديفيد هارفي
المترجم: وليد شحادة
2013