آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية: (2) البدايات

أين كانت أول تجربة لتشكيل ما يسمى بالدولة النيوليبرالية؟

إعداد: إبراهيم الطراونة //

مقدمة محرري مسار تحرّري//

 يعرض هذا الجزء لبعض المفاهيم التي تطرحها النيوليبرالية عن نفسها، وعلى رأسها مفهوم الحرية، وعدم تدخل الدولة في “السوق” وإطلاق الحرية الكاملة لآلياته. ويسرد هذا المقال بعضاً من تعارض هذه المقولات مع صيرورة النيوليبرالية في المثال التشيلي، حيث تحالفت النيوليبرالية مع ديكتاتور دموي هو بينوشيه، والذي انقلب على حكومة أييندي المنتخبة ديمقراطياً، وتم فرض ما يسمى “الإصلاحات الاقتصادية” من خلال “دولته”، وهو الأمر الذي أدى إلى قتل واختفاء عشرات آلاف الأشخاص، وإفقار عدد هائل آخر على مدار السنوات التالية، وهو ذات الأمر الحاصل في العراق بعد 2003. تغفل أطروحة النيوليبرالية أن “حرية” السوق تصادر “قيمها الأخرى” وعلى رأسها الكرامة، الناتجة عن المساواة، فاقتصاد السوق الحر لا يخلق “ملعباً يتساوى فيه الجميع” بل يعطي الأفضلية لأصحاب رؤوس الأموال على أغلبية الناس من الموظفين والعمال الذين عليهم أن “يبيعوا عملهم بحريّة” لتلك الأقلية، كما تحتاج النيوليبرالية للدولة (التي تريدها ألا تتدخل!) لفرض برنامجها وآليات عملها.

تالياً الجزء الثاني من سلسلة تاريخ النيوليبرالية، لقراءة الجزء السابق اضغط هنا.


لكي يسود أي اتجاه فكري لا بد له من تقديم منظومة مفاهيميّة تكون مقبولة ومتوافقة مع حدسنا، ومنسجمة مع قيمنا ورغباتنا، وأن تكون متوافقة أيضاً مع الإمكانات الكامنة في العالم الاجتماعي الذي نعيش فيه. فإذا كانت هذه المنظومة ناجحة، تصبح متأصلة يسلّم بها دون جدال ولا تكون عرضة للشك. لهذا اتخذ مؤسسو الفكر النيوليبرالي قيماً سياسية (ككرامة الإنسان وحرية الفرد) على أنها المثل الأساسية  و”القيم المحورية للحضارة”. كان هذا الخيار حكيماً لأن هذه المثل هي بحق مقنعة ومغرية للجميع. لكن هذه القيم، التي تبنوها، تتهددها (برأي النيوليبراليين) أخطار كثيرة ليس فقط من الفاشية والدكتاتورية والشيوعية، بل هي مهددة أيضاً بأخطار مختلف أشكال تدخل الدولة التي قد تجعل الأحكام والقرارات الجمعية تحلُّ محل حرية خيار الأفراد.

تشكلت جماعة صغيرة من المدافعين المتحمسين عن تلك الأفكار- وأكثرهم اقتصاديون وأكاديميون ومؤرخون وفلاسفة- حول فريدريك فون هايك، الفيلسوف السياسي النمساوي الشهير. وأسسوا جمعية باسم “جمعية مون بليرين” (Mont Pelerin Society)، تيمّناً بمنتجع سويسري التقوا فيه أول مرّة (عام ١٩٤٧). كان من بين هؤلاء الاقتصادي ميلتون فريدمان، وانضم لهم لفترة وجيزة الفيلسوف كارل بوبر. وقد جاء في بيان تأسيس هذه الجمعية ما يلي:

“القيم الأساسية للحضارة في خطر. فقد اختفت الظروف الأساسية لكرامة الإنسان وحريته من بقاع واسعة من سطح الكرة الأرضية. وفي بقاع أخرى تتعرض هذه القيم لخطر دائم من تطور التوجهات الحالية للسياسة. وقد ضعف موقع الفرد والجماعة التطوعية وعلى نحو متصاعد بسبب امتدادات القوة القسرية. حتى حرية الفكر والتعبير، وهي أثمن ما يملكه الرجل الغربي، مهددة بانتشار عقائد تدّعي التسامح عندما تكون في موقع الأقلية لكنها لا تسعى إلا لتأسيس موقع قوة لها تتمكن من خلاله من كبت وإلغاء كل الآراء ما عدا آراءها. تؤمن هذه الجماعة بأن هذه التطورات قد تعززت بفعل نمو رأي في التاريخ يرفض جميع المعايير الأخلاقية المطلقة وبفعل نمو نظريات تشكك في الرغبة بحكم القانون. كما تؤمن هذه الجماعة أيضاً بأن هذه التطورات قد تعززت بسبب تراجع الإيمان بالملكية الخاصة والسوق التنافسي، ذلك أنه من الصعوبة بمكان تصور مجتمع تصان فيه الحريات دون وجود مؤسسات تتسم بروح المبادرة والقدرة على التأثير.”

يقول هايك، الذي ألف كتباً هامة، مثل “دستور الحرية”، إن لمعركة الأفكار أهمية بالغة، وقد يحتاج كسبها لبعض الوقت أو لما لا يقل عن جيل واحد، ليس فقط بمواجهة الماركسية، بل وأيضاً بمواجهة الاشتراكية وتخطيط الدولة ومبدأ تدخل الدولة الذي نادى به كينز. وقد تمكنت جماعة مون بليرين من حشد الدعم المالي والسياسي لها باستقطاب الكثير من الأثرياء ومدراء الشركات المتصالحين مع تلك الأفكار، كما حدث في الولايات المتحدة مثلا.

إذاً فإن دور الدولة، حسب هذا النموذج، يتمثل في خلق الإطار المؤسساتي “الجهاز الحكومي” والحفاظ عليه بما يلائم ممارسات السوق الحر فقط. والشيء الذي سعت الولايات المتحدة دون شك لفرضه على العراق بالقوة بعد حرب 2003 هو تكوين ذلك “الجهاز” والذي تكون مهمته الأساسية خلق الظروف التي تيسّر تراكم رأس المال سواء المحلي أو الأجنبي. وهذا “الجهاز الحكومي” يصنّف تحت اسم “الدولة النيوليبرالية”، فالحريات التي تجسدها هذه الدولة  تعكس مصالح أصحاب الأملاك الخاصة والشركات متعددة الجنسيات ورأس المال المالي.

حدثت أول تجربة لتشكيل “دولة نيوليبرالية” في تشيلي، عقب الانقلاب الذي قاده بينوشيه في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام ١٩٧٣ (أي قبل ثلاثين عاماً بالتمام والكمال تقريبا،ً سبقت إعلان بريمر عن النظام الذي سيتولى الحكم في العراق)؛ فقد قام بينوشيه بانقلابه هذا ضد حكومة سلفادور أييندي المنتخبة ديمقراطياً بتشجيع من نخبة من رجال الأعمال المحليين الذين أحسوا بالخطر جراء تحرك أييندي نحو الاشتراكية. وقد كان هذا الانقلاب مدعوماً من الشركات الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية ووزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر.

تم تبني حزمة جديدة من التدابير الاقتصادية لاحياء الاقتصاد التشيلي المتعثر، ولكن كيف؟ استدعيت مجموعة من الخبراء الاقتصاديين المعروفين باسم “صبيان شيكاجو” (Chicago boys) لاعادة بناء الاقتصاد التشيلي. تكونت هذه المجموعة في الخمسينات بعد قيام الولايات المتحدة بتدريب عدد من الاقتصاديين التشيليين في جامعة شيكاجو، ضمن خطة لمواجهة المد اليساري في أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة. ارتبطت هذه المجموعة بالنظريات النيوليبرالية لميلتون فريدمان –الذي كان يدرّس في شيكاجو آن ذاك-. استطاعت هذه المجموعة الهيمنة على الجامعة الكاثوليكية في سانتياغو بعد عودتها. في بداية السبعينات نظّمت نخبة من رجال الأعمال معارضتها لأييندي فيما عرف حينها ب “نادي يوم الاثنين” وطوّروا علاقة عمل مع “صبيان شيكاجو”، داعمين أبحاثهم من خلال مراكز للدراسات.

في عام 1975 قام بينوشيه، بعد سيطرته على الحكم، بتوظيف عدد من “صبيان شيكاجو” في الحكومة، وكانت أول وظائفهم التفاوض بشأن القروض مع صندوق النقد الدولي. قاموا وبالتعاون مع الصندوق باعادة هيكلة الاقتصاد التشيلي حسب رؤيتهم. فألغوا التأميم  وخصخصوا الأصول العامة، وفتحوا الثروات الطبيعية (كالأخشاب والمسامك…) أمام الاستثمار الخاص غير المقيّد (ضاربين بعرض الحائط مطالب السكّان المحليّين)، خصخصوا الضمان الاجتماعي، وسهلوا عمليات الاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة الحرّة. المورد الوحيد الذي استمرت الدولة في السيطرة على انتاجه هو “النحاس”، بحكم أهميته في رفد خزينة الدولة والحفاظ على التوازن المالي.

لقراءة الجزء الثالث اضغط هنا.

المرجع:
A Brief History of Neoliberalism
By/ David Harvey
2005
النسخة المعرّبة:
الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
الكاتب: ديفيد هارفي
المترجم: وليد شحادة
2013