آخر المواد

تاريخ النيوليبرالية: (1) مدخل

ما هي النيوليبرالية؟ وما الدور الذي يجب أن تقوم به الدولة لإنجاحها؟

إعداد: إبراهيم الطراونة //

مقدّمة محرري مسار تحرّري //

يقدّم لكم مسار تحرّري سلسلة من المقالات التي تحاول توضيح مفهوم النيوليبرالية. تعتمد هذه السلسلة على تلخيص لفصول كتاب ديفيد هارفي “التاريخ الموجز للنيوليبرالية”، وهو كتاب يقدم تبسيطاً للمفهوم وسرداً لخلفيته التاريخية ويوضح أبعاده النظرية وارتباطاته بالسياسة الدولية. يعالج الكتاب أيضا الفجوة النقدية المتعلقة بمصدر النيوليبرالية، وسبب انتشارها الكبير على الساحة العالمية، ويسعى إلى مساعدتنا على تحديد وبناء بديل سياسي-اقتصادي عنها.

لكن علينا الانتباه إلى أن محاولة فصل النيوليبرالية عن أساسها “الطبيعي” المتمثل بالرأسمالية هو فصل خاطئ، فالنيوليبرالية ليست تحوّلاً جديداً طارئاً على الرأسمالية، بل هي كامنة فيها من الأساس، إنطلاقاً من أن الهدف الرئيسي لعملية الإنتاج في سياق الرأسمالية هو تحقيق أكبر كمّ ممكن من الأرباح، وأن حجر الأساس في الرأسمالية هو الملكية الخاصة وتحريم أي تقييد من أي نوع لهذه الملكية، وإطلاق حرية السوق وحرية الاستثمار بناء على حرمة تقييد الملكيات الخاصة. هكذا لا يمكن فهم “النيوليبرالية” على أنها نوع من “الرأسمالية المتوحشة” التي حلّت –لسبب أو لآخر- مكان رأسمالية “لطيفة” تمثّلت في حقبة دولة الرفاه، ويكون الحل –إذن- عودة إلى نمط دولة الرفاه. مثل هذا الفهم هو فهم لا تاريخيّ، يغفل عن بديهة أن الواقع هو محصلة صراع العناصر الفاعلة فيه، لهذا لا يمكن فهم الفترة التي سادت خلالها “دولة الرفاه” (دولة الضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، والتعليم المجاني، والعمل المحميّ المضمون غير المحدد بمدة، الخ) في الربع الثالث من القرن العشرين، سوى أنها فترة طارئة في تاريخ الرأسمالية، حاولت خلالها تقليل خسائرها أمام صعود وقوة القوى المقاومة لمشروعها في ذلك الحين (النقابات العمالية، والحركات اليسارية الراديكالية في قلب أوروربا، والانتفاضات الطلابية، ووجود المعسكر الاشتراكي كقوة عظمى ونموذج نسبي لاقتصاد اجتماعي عادل)، وما إن خفتت المقاومة واضمحلّت (سقط المعسكر الإشتراكي، وضعفت الحركة العمالية في أوروبا، وتحوّلت أحزاب العمال إلى أحزاب ليبرالية، وتطوّرت التكنولوجيا ووسائل الاتصال، وزاد بريق السلعة وإمكانيات التسويق ودفع الاستهلاك، وأمكن نقل المصانع من دول العالم الأول إلى دول العالم الثالث واستغلال عمالتها الرخيصة غير المحمية، الخ)، حتى عادت الرأسمالية إلى إسقاط التسويات (المكاسب بالنسبة لعموم المواطنين) وسحب التنازلات التي قدّمتها، و”عاودت” توحّشها. إن التحفظ الذي يقدّمه محررو مسار تحرري هنا هو ضرورة أن يعي القارئ أن النيوليبرالية ليست شكلاً “طارئاً” أو “غير أصيل” أو حالة استثنائية في صيرورة الرأسمالية، بل هي تعبير عن نزوع الرأسمالية الأول والأساسي نحو الربح ولا شيء غير الربح.

تالياً الجزء الأول من سلسلة تاريخ النيوليبرالية الذي يبدأ بالتعريف ثم يوضّح دور الدولة في إنجاح عمل هذا النموذج.


النيوليبرالية هي نظرية في ممارسات الاقتصاد السياسي تفترض أن أفضل وسيلة لتعزيز سعادة الإنسان ورخائه تكمن في إطلاق الحريات الفردية والمهارات الريادية في القيام بمشاريع وأعمال ضمن إطار مؤسساتي يتصف بحقوق قوية للملكية الخاصة و”الأسواق الحرة” و”التجارة الحرة”.

دور الدولة في هذا النموذج الانتاجي يتمثل في خلق الإطار المؤسساتي “الجهاز الحكومي” والحفاظ عليه بما يتلائم مع تلك الممارسات فقط. فمثلاً، يتعيّن على الدولة أن تضمن جودة ونزاهة النقد، وعليها أيضاً أن تنشىء الهياكل والوظائف العسكرية والدفاعية والشرطية والقانونية اللازمة لتأمين حقوق الملكية الخاصة، وأن تضمن، بالقوة إن لزم الأمر، عمل الأسواق بالشكل الملائم. وعلاوة على ذلك، في حال عدم وجود أسواق في بعض المجالات (مثل الأرض والمياه والتعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والتلوث البيئي) يجب خلقها، وبتدخل من الدولة إذا لزم الأمر. ولكن خارج هذه المهام لا يجوز للدولة أن تتدخل. وتدخلات الدولة في الأسواق (بعد خلقها وتأسيسها) يجب أن تظل في الحدود الدنيا، حسب هذه النظرية، لأن الدولة لا تمتلك المعلومات الكافية التي تؤهلها في تخمين إشارات السوق (الأسعار)، بالإضافة إلى أن “الجماعات المنتفعة” ذات النفوذ سوف تعمل حتماً على تشويه تدخلات الدولة والتأثير فيها لفائدتها الخاصة.

لقد حدث في أماكن كثيرة من العالم تحول لافت نحو النيوليبرالية منذ سبعينيات القرن العشرين. وشاعت كثيراً إجراءات التحرر من تدخل الدولة والخصخصة وانسحاب الدولة من كثير من مجالات العمل والإعالة الاجتماعية. ويمكننا القول إن كل الدول تقريباً، ابتداءاً من تلك الدول المستقلة حديثا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحتى الديمقراطيات الاشتراكية بأسلوبها القديم، مثل نيوزيلندا والسويد، قد اعتمدت نسخة أو أخرى من النيوليبرالية، طوعاً أحياناً، وقسراً في حالات أخرى نتيجة للضغوط. جنوب أفريقيا بعد تحررها من الفصل العنصري سارعت لتطبيق النيوليبرالية، وحتى الصين المعاصرة، تبدو سائرة على هذا الطريق. ويضاف إلى هذا كله ما يلاحظ حالياً من أن دعاة النيوليبرالية يحتلون مواقع لها تأثير واسع في التعليم (الجامعات ومراكز الدراسات) وفي الإعلام ومجالس إدارة الشركات والمؤسسات المالية وفي مؤسسات الدولة الرئيسية (وزارات المالية والبنوك المركزية) وكذلك في مؤسسات دولية كبرى مثل صندوق النقد الدولي IMF والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية WTO التي تنظم أعمال التجارة والمال في كافة أنحاء العالم. مجمل القول إن النيوليبرالية باتت اليوم خطاباً مهيمناً، وأضحى لآثارها انتشار واسع في طريقة تفكير الكثيرين إلى حد أنه أصبح من “البديهي” تفسير ما يدور حولنا على أساسها.

غير أن عملية التحول نحو النيوليبرالية استلزمت الكثير من “الهدم الخلّاق”، ليس فقط للأطر المؤسسية ومراكز القوى السابقة بل وأيضاً في تقسيم العمل والعلاقات الاجتماعية وفي الدعم الحكومي وحتى في التكنولوجيا وأسلوب الحياة وطريقة التفكير والأنشطة الإنجابية وفي الانتماء للأرض والعادات العاطفية. وبمقدار ما تثمن النيوليبرالية تبادلات السوق وتعدّها “أخلاقاً بحد ذاتها، قادرة على أن تكون بمثابة مرشد ودليل لكل أفعال الإنسان، فتحل بذلك محل المعتقدات الأخلاقية السابقة جميعاً” فإنها تؤكد على أهمية العلاقات التعاقدية في السوق، إذ تفترض النيوليبرالية أن المنفعة العامة تزداد من خلال تزايد امتداد وتواتر التعاملات في السوق، وبذلك تسعى لنقل أفعال الإنسان كافة إلى نطاق السوق. هذا الأمر يتطلب خلق أنظمة معلومات ومقدرة على تجميع وتخزين ونقل وتحليل واستخدام قواعد بيانات ضخمة توجّه عملية اتخاذ القرار في السوق العالمي. وبالنتيجة فإن هذا السعي الدائم والاهتمام العميق بأنظمة المعلومات (قاد البعض لإعلان ظهور نوع جديد من “مجتمع المعلومات”).

قامت هذه التكنولوجيا بضغط الكثافة المتزايدة للتبادلات في الأسواق جغرافياً وزمنياً. فكلما كبر وتوسع المجال الجغرافي (ومن هنا التأكيد على “العولمة”) وكلما قصرت مدة العقود في السوق، كان ذلك أفضل.

لقراءة الجزء الثاني اضغط هنا.

  • المرجع:
    A Brief History of Neoliberalism
    By/ David Harvey
    2005
    النسخة المعرّبة:
    الوجيز في تاريخ النيوليبرالية
    الكاتب: ديفيد هارفي
    المترجم: وليد شحادة
    2013