آخر المواد

في نقد مقولات العولمة الرأسمالية (3\3)

هل للعولمة الرأسمالية ثقافة؟ وهل ثمة عولمة ثقافية؟

هشام البستاني //

نقدم لكم الجزء الثالث والأخير من سلسلة نقد مقولات العولمة الرأسمالية والذي يفند مقولات المجتمع المدني وصراع الحضارات وحوار الأديان. لقراءة الجزء الثاني اضغط هنا.

مقولات العولمة: 6- المجتمع المدني والـNGOs

مفهوم “منظمات المجتمع المدني” هو مفهوم ملتبس يشابه في التباسه مفهوم “العولمة”، يُستعمل لوصف مجموعة من المنظمات والفعاليات التي لا رابط مشترك بينها، بل قد تمثل مصالح متعارضة، فمثلاً: منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال تعتبر من منظمات المجتمع المدني رغم التناقض الكلي بين الاثنتين اللتين تمثلان مصالح متعارضة، وكذلك الأمر فيما يتعلق بمنظمات محسوبة على الأنظمة وأخرى محسوبة على المعارضة، ومنظمات مرتبطة بالمراكز الامبريالية وأخرى تمثل الطبقات المسحوقة…الخ. “المجتمع المدني” (بالمعنى الليبرالي) ليس جسماً موحداً ولا يشكل نقيضاً أو بديلاً أو حتى حالة موازية للسلطة، بل يتحرك بدرجات مختلفة من الاستقلالية عن (أو التبعية لـِ) السلطة أو الحكومات أو أجندات الدول الإمبريالية التي تموّل نشاطات العديد من المنظمات التي قد تنضوي تحت هذا التعريف.

“المجتمع المدني” بهذا المعنى هو مفهوم تم افتعاله في مواجهة العمل الشعبي والمنظمات الشعبية الطابع، فبدلاً من النضال القاعدي الطبقي الذي يرمي إلى الإطاحة بأشكال الاستغلال وإقامة أشكال أكثر عدالة مكانها، تحوّل الأمر إلى مكاتب مكيّفة ومراسلات إلكترونية وورشات عمل في فنادق 5 نجوم وأموال تُوظّف في معالجة ثغرات نظام الاستغلال وإبقاء الناس فقراء بما لا يتجاوز حدّ الانفجار: إعطائهم مسكنات ومهدئات بصيغة مساعدات وقروض ومشاريع صغيرة تعيق إنضاج أي برنامج تحرري وعدالة حقيقية، بل وتحقق أرباحاً لنظام الاستغلال القائم.

هكذا تبرز مجموعة من المؤسسات التي تحمل عناوين كبيرة مثل “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” و”حرية الصحافة” و”حقوق المرأة والطفل” وغيرها من العناوين الجزئية، كممثلة لما يسمى “المجتمع المدني” وهي محض مؤسسات يملكها ويديرها أفراد، وليس لها هيئات عامة، ولا فيها انتخابات، وتتموّل غالباً من السفارات الأجنبية أو الجهات المانحة المرتبطة بحكومات بلدانها أو أحزابها أو السياسات المتعلقة بها.

نستطيع، إذن، الاستنتاج أن مثل هذه المؤسسات ليست مؤسسات “مجتمع مدني محلّي” بل هي مؤسسات مرتبطة “عولميّاً”، وهي تلعب أدواراً حساسة: فهي تقوم بالأبحاث والدراسات لصالح المموِّلين موفّرة لهم معلومات هامة مثل توجّهات الرأي العام وأدوات التأثير فيه ومحدّداته..إلخ؛ كما تقوم بترويج مفاهيم ومصطلحات “عولميّة” الطابع تخدم الهيمنة وتؤسس لبقائها، كما تتناول القضايا بشكل معزول عن سياقاتها العامة كما أسلفت: فتتناول –مثلاً- الديمقراطية دون الإشارة إلى الاحتلال أو الاستعمار، ودون الإشارة إلى انعدام العدالة الاجتماعية، وبهذا تُفتَّت القضايا إلى جزئيات منفصلة بلا سياق؛ وأخيراً فإنَّ الكثير من هذه المؤسسات يدعم الاحتلال ويساعده ويخفّف كُلفه تحت غطاء العمل الإنساني، وبهذا فهو يُساعد على إطالة أمد الاحتلال ويسهّل مهامّه، فالمعروف أن الهدف من أية مقاومة هو تكبيد الاحتلال أكبر ما يمكن من الخسائر بحيث تصبح الكلفة المترتبة على الاحتلال أعلى من العوائد الناتجة عنه، والمعروف في القانون الدولي أن أية قوة محتلة لبلد آخر تكون مسؤولة عنه بالكامل من حيث توفير جميع الخدمات والإدارة وغيرها، هنا تدخل المنظمات غير الحكومية (NGOs) و”مؤسسات المجتمع المدني”، فتبدأ بتنفيذ برامج صحية أو برامج تتعلق بشبكات المياه أو الصرف الصحي أو غيرها، هذا يزيل أعباء كبرى عن قوة الاحتلال ويوفر عليها مصاريف مالية وبشرية كبيرة، مما يقلل –بالتالي- الكلفة على القوّة المحتلة ويُطيل أمد الاحتلال ويساعده، ونماذج مثل هذه المنظمات موجود في العراق وفلسطين بكثرة.

ومن المهم أيضاً ملاحظة عدم اكتفاء الدول الكبرى باختراق النخب والقيادات في مختلف الصعد والقطاعات، بل التحول إلى اختراق القواعد والشعوب بآليات “التسويق الاجتماعي”، ببرامج تعقد في المدارس والجامعات وتعنى بإيجاد جيل كامل من الشباب المؤدلج رأسمالياً، والمأخوذ بنمط السوق الحر و”الريادة” والتنافس، و”العولمة” بأشكالها الهمجية المعاصرة كنهاية للتاريخ.

مقولات العولمة: 7- صراع الحضارات والحرب على الإسلام

ربما يبرز مفهوم “صراع الحضارات” إلى جانب مقولة “نهاية التاريخ” على أنهما المُنتَجان “الثقافيّان” الأبرز للرأسمالية في مرحلتها المعولمة، هذا القسم معنيّ بالنقاش التفصيليّ لهذين المفهومين والبحث في مدى “ثقافوّيتهما” إن جاز التعبير.

بعد انهيار الإتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، خرج مُنظّران اثنان للتعبير عن رؤية الرأسمالية لتلك المرحلة: أولهما هو فرانسيس فوكوياما الذي تحدث عن “نهاية التاريخ”، أي الانتصار النهائي للرأسمالية واستتبابها كنظام اجتماعي/اقتصادي شمولي وأوحد للبشرية، منهية بذلك الصراعات، ليستقر المجتمع البشري إلى ما لانهاية بصيغة ما بعد الحرب الباردة. فوكوياما وعبر هذه الأطروحة حسم محصلة حركة التاريخ والمجتمعات باتجاه انتصار الرأسمالية في مرحلتها “المعولمة” انتصاراً نهائياً، وعليه نظّر فوكوياما إلى أنَّ الليبرالية الرأسمالية هي الوحيدة القادرة على إنهاء الصراعات وتحقيق السعادة للبشرية.

المنظّر الثاني هو صامويل هنتنغتون، صاحب مفهوم “صراع الحضارات”، والذي (بعكس فوكوياما) لم ير نهاية للتاريخ في انتصار الرأسمالية على المعسكر الاشتراكي، بل على العكس، وجد فيه بدايةً أو تبلوراً لصراعٍ آخر يأخذ الشكل “الثقافيّ”: صراع “الحضارة” اليهو/مسيحية (اليهودية المسيحية) في مواجهة “الحضارات” الشرقية: الإسلام والبوذية وغيرها. بالنسبة لهنتنغتون إذن، ما زال تاريخ الصراع مفتوحاً، وما زالت الرأسمالية “متوتّرة” لم تنجز استقرارها الكامل.

من الواضح أنَّ المفهومين متناقضين: ففوكوياما عبّر عن أيديولوجيا ليبرالية مثالية أقرب إلى الميتافيزيقية، واستلهم نموذج دولة “القيم والمؤسسات”، و”الديمقراطية”، و”الحريات الفردية”، و”حكم القانون”، و”الازدهار المؤسَّس على الحرية الاقتصادية”، و”دولة الرفاه الاجتماعي” الرأسمالية، على أساس أنَّ هذا هو النموذج الرأسمالي الذي سيستمر مقدماً الرفاه والسعادة للبشر. نسي فوكوياما (أو ربما لم تسعفه مثاليّته في هذا السياق) أنَّ رأس المال هدفه الأول هو تعظيم أرباحه بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى، ولم تكن دولة الرفاه الاجتماعي التي أنجزها سوى ثمن اضطرت الرأسمالية لدفعه درءاً “للخطر الشيوعي” الذي كان يعد بمساواة وتوزيع عادل للثروة بين جميع الناس، وتنازلاً أمام الحركات العمّالية القويّة في الغرب والتي استلهمت هذه المثُل وعملت من أجل تحقيقها. وعليه، كان لا بد للرأسمالية من أن تدفع جزءا قليلاً من أرباحها للوقوف في وجه النموذج الأكثر عدالة منها. في ظل هكذا ظروف، كانت دولة الرفاه الاجتماعي أقل كلفة بكثير من مواجهة ثورات عمالية داخل الدول الرأسمالية نفسها.

وبحسب قانون العلّة والمعلول، فما إن تنتفي العلّة (وهي هنا المنظومة الاشتراكية من جهة، والحركات العمّالية القويّة من جهة أخرى) حتى تتخلى الرأسمالية عن تمويل دولة الرفاه، ونشهد تحولها الأيديولوجي المتسارع إلى “النيولبرالية”، وهو التحوّل الموضوعي الذي فشل فوكوياما في استقرائِه. هكذا سحبت الرأسمالية مساهماتها في السياق الاجتماعي: فعدّلت برامج الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي بما يقلل بشكل كبير مكتسبات الناس في الدول الصناعية، إضافة إلى سحب حقوق العمال، والتخلّي عن مجانية التعليم، إضافة إلى ابتزاز عمال الدول الصناعية بعمال العالم الثالث، وهو الاستغلال المزدوج وألعوبة الرأسمالية لوضع العمال في مواجهة بعضهم البعض بدلاً من مواجهة الرأسمالية.

وأخيراً، كان لا بد للقطب الأوحد المتبقي (الامبريالية الأمريكية) من الخروج لغزو العالم ونهب ثرواته وبسط الهيمنة عليه بشكل واضح ومباشر: من جهة لضبط القوى الاقتصادية الأخرى الصاعدة (أوروبا، الصين، اليابان) ومحاولة إبقائها تحت العباءة الأمريكية، ومن جهة ثانية للقضاء على أية مشاريع مناقضة أو أية أشكال مسلحة مقاومة ضدها. هذا يجيب على السؤال حول السبب الذي أوصل العالم “المتحضّر” إلى هذه المرحلة: هو لم يصل “إلى هذه المرحلة”، بل إنَّ هذه المرحلة كامنة في البنية العضوية للرأسمالية وتنتظر فقط الظرف الموضوعي الملائم لتتجلّى.

بهذا يصبح فوكوياما خارج السياق: فلا التاريخ انتهى، ولا الصراعات، ولا استتب الأمر للرأسمالية.

هنتنغتون في جانب منه أكثر ماديّة من فوكوياما، فهو يعي أنَّ التاريخ والصراعات داخله ما زالت مفتوحة، ولكنه كفوكوياما: ميتافيزيقي، ويطرح خطاباً مضللاً من حيث تعريفه لأُسّ الصراع على أنه “حضاري”. أيديولوجيا هنتنغتون (صراع الحضارات) هي أيديولوجيا تضليلية وتبريرية في آن، تحمل جوانب دقيقة وصحيحة (استمرارية التاريخ والصراع وعدم تحقيق الانتصار النهائي للرأسمالية)، ولكنها تشكل الأرضية المثالية للدعاية الرأسمالية في الداخل والخارج، من حيث إنَّ عدوان القوى الكبرى على الآخرين هو ضروري ومبرَّر للحفاظ -بالمعنى الوجودي-على “الحضارة اليهو/مسيحية” في وجه الآخرين من “الهمج”. كما تشكل تلك الأيديولوجيا أرضية مناسبة لتزوير الصراع عند المستهدَفين (شعوب الجنوب) من صراع على موارد وبشر وجغرافيا سياسية (صراع مادي) إلى صراع على أديان وحضارات (صراع ميتافيزيقي).

سأفصّل فيما يلي التضليل الذي يطرحه هنتنغتون: فهو موجه للداخل لإقناع شعوب الدول الرأسمالية الغربية تحديداً بأن هناك خطراً ماحقاً يتهدّدهم، وأنه لا بدّ من الخروج لسحق هذا التهديد في مكانه قبل انتقاله إليهم، وبأن هذا الخطر لا يطال جزئيات متفرقة بل هو شامل لكل مكونات الحياة كما يعرفونها (خطر ضد “الحضارة” نفسها) لذلك فالمعركة معه معركة حياة أو موت. وبهذا تتم إعادة إنتاج “إمبراطورية الشر” (الاسم المبتكر للاتحاد السوفيتي في حينه) بشكل جديد، أكثر تجريداً هذه المرة، وأكثر صعوبة في التحديد. إنه العدو المثالي للرأسمالية: شبحيّ، ولا يمكن إمساكه حقاً، وقابل للتشكيل وإعادة التشكيل كل مرة. كما لا يجب أن يخفى علينا المحتوى العنصري في خطاب هنتنغتون حين يضع الأوروبيين والأمريكيين “المتحضرين” من الجنس الأبيض، في مواجهة الملوّنين “الهمج” من العرب والأفارقة وشعوب الصين وجنوب شرق آسيا. هذا الخطاب العنصري قادم من الماضي الكولونيالي للرأسمالية، ومن مراحل أبعد في التاريخ (نتذكر ديمقراطيات الإغريق العنصرية التي يعتبرها هنتنغتون وفوكوياما دليلاً على ديمقراطية المجتمعات الغربية)، وما زال هذا الخطاب حاضراً ومؤثراً بقوة في وعي ولا وعي المواطن الأوروبي/الأمريكي.

أما التأثير الخارجي لهذا الخطاب، فيتمثل في تضليل الشعوب المعتدى عليها من حيث تشويه فهمها لطبيعة الصراع الذي تواجهه، ودعم ترويج خطاب ميتافيزيقي مقابل متطابق مع الدعاية الإمبريالية، فتصبح محاولات الهيمنة على البشر والموارد لاستغلالها في البنية الرأسمالية للإمبريالية حروباً “صليبية” ذات طابع ديني (أي حضاري، حيث لا يمكن الفصل بين الديني والحضاري في العقل العربي وفي خطاب هنتنغتون على حدّ سواء)، ويصبح العدوان من أجل السيطرة على احتياطيات النفط وتأمين الأسواق والعمال العبيد حرباً على الإسلام، حرباً على “الحضارة”، حرباً دينية، ويخرج هنتنغتون نهاية عام 2001 وبعد أحداث 11 سبتمبر بمقالٍ في مجلة “نيوزويك” الأمريكية له عنوان صارخ: ” “The Age of Muslim Wars- عصر الحروب الإسلامية، فيما يكتب فوكوياما -في نفس العدد- مقالاً تحت عنوان أكثر وضوحاً: “”Today’s New Fascists – فاشيو المرحلة الحالية الجدد، وهي عبارة وجدت طريقها إلى جورج بوش نفسه عام 2006. (راجع مجلة نيوزويك، ديسمبر 2001 – فبراير 2002، الإصدار الخاص بمؤتمر دافوس).

انطلت هذه الألعوبة المفاهيمية على الشعوب المضطهدة، فصارت تتبنّى نفس المنظومة الدعائية التي تروّج لها الرأسمالية، وصارت تقول أن هناك حرباً على الإسلام والمسلمين تماماً كما يقول هنتغتون، وأصبحت تيارات الإسلام السياسي (المعتدلة منها والمتطرّفة على حدّ سواء) شريكة في ترويج هذه الأطروحة لأنها تجذب إليها الجماهير، أو على الأقل تضمن لها تعاطفاً جماهيرياً كبيراً، وأصبحت كلمات بوش الابن حول “حروبه الصليبية” في العراق و”اتصاله مع الله” هي الأكثر التصاقاً بالذاكرة.

من البسيط جداً إثبات أن رأسماليي الولايات المتحدة لم يأتوا للتبشير باليهو/مسيحية في المنطقة العربية، كما لم يأتوا للتبشير بالحداثة التي يضعها كلٌّ من هنتنغتون وفوكوياما نقيضاً للإسلام والمسلمين. لم تلحق بالجيوش الجرارة التي أرسلتها الولايات المتحدة إلى العراق أرتال البعثات الدينية ولا كتائب ترويج الحداثة والديمقراطية، بل لحقهم رجال “البزنس” من كبرى الشركات الأمريكية، بينما قاموا على الأرض بأكبر الفظائع التي تُثبت تضليل دعايتهم: من القتل والدمار والتعذيب والاغتصاب (كذبة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان) إلى تمكين ودعم الطائفية والمذهبية والإثنية (كذبة الحداثة).

تزوير الصراع، وتضليل المضطهَدين يجعلهم يتبنّون دعاية هنتنجتون على أنها استراتيجيتهم الحقيقية، سيؤدي إلى أن يقوم المقاومون باجتراح آليات مقاومة غير قادرة على تحقيق النصر، لأنهم من جانب يحاربون وهماً أو شبحاً دعائياً، مبتعدين عن الأسس الموضوعية للصراع، إضافة إلى أنهم سيساهمون بتمكين الرأسمالية ودعايتها من خلال تبنّيهم لها بالمقلوب.

الإسلام ليس هدفاً بحد ذاته، الهدف هو الموارد والأسواق والثروات، وأياً كانت العقبة أمام الاستحواذ على هذه الأمور، فهي تتحول إلى هدف من منظور الرأسمالية. قارة كاملة هي أميركا الجنوبيّة ليست مسلمة أو إسلامية، ولكنها أيضاً مُستهدفة من قبل الإمبريالية لأنها عقبة في طريق تحقيق الهيمنة على الموارد والأسواق والثروات، لكن “المعالجات” الإمبريالية لكل عقبة تحكمها عدة أسس يأتي على رأسها حجم الثروات، والجغرافيا السياسية التي تحتويها، وقوة المقاومة وحجمها: فاحتياطيات النفط والغاز الموجودة في المنطقة العربية وآسيا الوسطى، ووجود مراكز محتملة لمشاريع غير خاضعة بالكامل للإمبريالية الأميريكية (مصر عبد الناصر، عراق صدام حسين، إيران)، جعلها “قوس الأزمات” المفضّل (بحسب تعبير برجنسكي) ومنطقة العمليّات الرئيسية، وكون أغلبية قاطني هذه المنطقة من المسلمين لا يعني أن حرب النهب والاستغلال هي حرب على الإسلام – أي حرب دينية.

حالة أخرى: قارة بكاملها هي أفريقيا، تُنهب ثرواتها من الذهب والماس والنفط وغيرها، ويُذبح أبناؤها يومياً بمئات الآلاف بواسطة الحروب الأهلية والمجاعة والإيدز والتدخل العسكري المباشر، ويُرتكب بحق أبنائها فظائع أكبر بكثير مما يرتكب بحق العرب أو المسلمين، ولكن (وبحكم تغييبهم عن الإعلام العالمي) لا نراهم ونعتقد أن “المسلمين” هم المضطهدون الوحيدون على هذه الأرض، فهل ما يُرتكب بأفريقيا مثلاً هو حرب على الإسلام؟ وكيف تتسق مقولة “الحرب على الإسلام” مع الحالة الأفريقية؟ هذا دليل واضح على أن المسألة هي حروب نهب وهيمنة واستغلال لا حروباً دينية أو حرباً على الإسلام.

الرأسمالية والإمبريالية ليست عندها مشكلة مع الإسلام، حتى هنتنغتون يقول بأن “طبيعة العقائد والتعاليم الإسلامية، والتي يمكن لمعتنقيها استعمالها لتبرير الحرب أو السلام على حدّ سواء، مثلها مثل التعاليم المسيحية” ليست من أسباب عصر الحروب الإسلامية، فيما يذهب فوكوياما إلى ما هو أبعد من ذلك حيث يرى أملاً في بروز إسلام “ليبرالي” يعزل ويزيل الشرعية عن “الإسلام الراديكالي”. إذن المشكلة ليست مع الإسلام، وإنما مع نسخة منه هو “الإسلام المقاوم”، ولنكون أكثر تحديداً، المشكلة هي مع “المقاوم” من أية خلفية أيديولوجية.

مقولات العولمة: 8- حوار الأديان

الفرز القائم على الدين فرز تضليلي، فالمسلم، كما المسيحي أو اليهودي أو غير المؤمن، هو إما من الطبقة التابعة للرأسمالية و/أو المستفيدة منها، وبالتالي فولاءاته محسومة ومعروفة، وإما من الطبقات المسحوقة والمضطهَدة، وهذا له مصلحة في مواجهة الظلم الواقع عليه. ليس للدين علاقة بالمسألة.

 وكما أن خطاب “صراع الحضارات” هو خطاب وهمي وتضليليّ، فخطاب “حوار الأديان” هو خطاب وهمي وتضليليّ أيضاً ومن جانبين أساسيين: الأول أنه يفترض الخلاف والتعارض على أساس الدين ابتداءً، وإلا لما كان هناك حوار، والثاني أنه يتضمن تشخيص حالة الصراع القائمة على أنها صراع أديان يُمكن حلّه أو تلطيفه بالحوار ما بينها، وينفي أساس الصراع الموضوعي (الهيمنة والاستغلال والنهب والاحتلال).

حوار الأديان هو محاولة أخرى لتوجيه الأنظار بعيداً عن التناقضات الأساسية مع الرأسمالية وأهدافها الحقيقية. في مواجهة الرأسمالية، تأخذ المواجهة المُنتجة الطابع الطبقي، أما التوظيفات الدينية فهي إما توظيفات لشراء الوقت (حوار الأديان) أو لتقوية المشروع الامبريالي (التفتيت الديني والمذهبي والطائفي).

يبقى من تفاصيل العولمة و”ثقافتها” شيء يسمى “التعدّدية الثقافية”، وهو ما بحثه بشكل معمّق كل من سمير أمين وسلافوي جيجيك في دراستيهما المنشورتين في نفس هذا العدد من “المجلة الثقافية” التي تظهر فيها هذه الورقة أيضاً، وأكتفي بالإحالة إليهما في التوسع حول هذا المصطلح.

خاتمة: هل للعولمة الرأسمالية ثقافة؟ وهل ثمة عولمة ثقافية؟

لا يمكن اعتبار الأنماط الاستهلاكية والتسليع “ثقافة”، ولا يمكن تصنيف الأدوات والاستراتيجيات المصممّة لدفع البشر إلى مزيد من الشراء وتنميط مفاهيم وإعادة انتاجها لتتعلّق برغباتهم الأنانية الفردية الاستهلاكية المباشرة على أنها أدوات واستراتيجيات “ثقافية”، وبالمثل لا أستطيع  اعتبار مقولات ذات مضمون دعائي وتضليليّ أنها مقولات “ثقافية”.

بل أستطيع الاستنتاج باطمئنان أن الرأسمالية المعاصرة لا ترى في الثقافة إلا ما يُمكّنها من إعادة إنتاجها كسلعة للاستهلاك الواسع النطاق: الفيلم الهوليووديّ، الرواية كجنس أدبي قابل للتسويق، الموسيقى التجاريّة، وهكذا؛ وهي بهذا تفكّك فعلياً الثقافة، وتلغي حسّها النقدي والاستشرافيّ والمتمرّد، وتثبّت مكانها “قيماً” أخرى مرتبطة مباشرة بالاستهلاك؛ وسيأتي اليوم الذي يصبح فيه الإعلان التجاري (بوسائطه المتعدّدة) هو مصدر “المعرفة” الأوّل في حال استمرّ تصاعد صناعة الإعلان وقوّة إعادى التشكيل المصاحبة له.

لا أدري من أين يأتي منظرو ما يُسمى بـ”العولمة الثقافية” بالمحتوى للكلمة الثانية من مصطلحهم المفضّل هذا، لكنهم بالتأكيد واقعون تحت تأثير الخطاب الكاسح للكلمة الأولى منه.