آخر المواد

في نقد مقولات العولمة الرأسمالية (2\3)

كيف يتحوّل العالم إلى قرية صغيرة يسهل بيعها وشراؤها؟

هشام البستاني //

نقدم لكم الجزء الثاني من ثلاثية نقد مقولات العولمة الرأسمالية والذي يفند مقولات الاستهلاك والفردية والقرية الكونية وحرية المرأة ومسؤولية الشركات الاجتماعية. لقراءة الجزء الأول اضغط هنا.

مقولات العولمة: 2- الاستهلاك، والفردية، والأنا المطلقة والنهائية

يفترض بالحاجة أن تُحفّز الطلب؛ لكن مع نشوء خطوط إنتاج سلع الإستهلاك الموسّع، دخل العرض على معادلة الطلب؛ ومع التنوع السلعي الهائل الذي نتج عن تطور الرأسمالية وتراكم فائض القيمة، صار رأس المال يبحث عن آليات أكثر تأثيراً لتصريف هذا التنوع السلعيّ الهائل من جيوب المستهلكين الذين هم في الأصل عُمّال لديه، هكذا نشأ الاستهلاك بالقوة، أو خلق الطلب، وبتنا نرى آليات تسويق هجومية تؤدي إلى تغيير أنماط الحياة، وتشكيل الأحلام، وإعادة بناء المفاهيم والوعي، بل تقدّم فلسفة متكاملة للوجود تتمحور حول الفرد ورغباته المباشرة، وخلق رغبات لهذا الفرد لا تنتهي ولا تُشبع، وبحيث لا يشعر هذا الفرد بالتحقّق إلا بـ”الامتلاك” أو “السعي للامتلاك” دون الامتلاك الفعلي في الحدّ الأدنى: امتلاك السيارة والمنزل والهاتف الخلوي والملابس والأجهزة المُعلن عنها في وسائط وبآليات لا تتوقف عن أن تصبح ذات جاذبية أكبر وأكبر، وتصبح مقاومتها أصعب وأصعب.

تحوّلت الحقبة كلّها إلى حقبة الفرد المنغمس حتى ما فوق أذنيه في السلعة الاستهلاكية: يُمضي يومه مطاردا الأوهام التي تبيعه إياها إعلانات الصفحات الكاملة واللوحات الكبيرة في الطرق، موعوداً بالربح السريع، واكتساب إعجاب الآخرين، وفرض احترامه وتميزه، من خلال الشراء والاستهلاك، يظل يطارد السراب دون أن يصل، وخلال هذه المطاردة، يُفرغ القليل المتبقي في جيوبه في بئر منتجي السلع الاستهلاكية الذي لا يشبع ولا يمتلئ. الفرد الأناني الفارغ الراكض وراء أحلامه الاستهلاكية، حوُّل الآن إلى “إيقونة”، إلى “قيمة عليا”، بل وإلى “ضرورة”، واستتباعاً لذلك يُحوَّل العالم، والطبيعة، والكون كله، إلى مشاريع ممتلكات شخصية. فلا قيمة للعالم والطبيعة والكون إن لم تكن مجرد أشياء متعلقة بهذا الفرد المطلق.

يقول إعلان إحدى شركات الهواتف الخلوية: “حين ترى السماء بيتك، والقمر مصباح غرفتك؛ حين ترى البحيرات مرآتك، والحقول الخضراء حديقتك؛ حين ترى العصافير فرقتك الموسيقية، ومنحنيات الجبال مخططاتك البيانية؛ ستدرك أن العالم عالمك.” لا قيمة –والحال هكذا- للطبيعة، والكون كله، خارج الفرد الاناني المستهلك مسلوب الإرادة. ويعاد بذلك إنتاج المجتمعات (تفكيكها بالأحرى) إلى مجرد أفراد أنانيين متنافسين يتسابقون ويدوسون بعضهم بعضاً من أجل مطاردة “الحلم”. هذه الصيغة هي الصيغة الاجتماعية الأمثل للرأسمالية: المجتمع مُفتّت إلى حلقاته الأصغر، ضعيف ومدفوع برغباته الأنانية الاستهلاكية الصغيرة: الأفراد أنفسهم في مواجهة بعضهم البعض، كل يقاتل من أجل “مرآته” و”مصباح غرفته” المفترض.

ولكي يحاول هذا الراكض خلف الأحلام أن يصل إلى أرض السلع الموعودة، عليه أن يقتل نفسه في العمل، ويصبح عبداً للنقود، حيث لا قيمة لأي شيء آخر، فيصير إنساناً رخيصاً يسهل شراؤه وتوظيفه، لا يهمه الآخرون ممن هو على استعداد للدوس عليهم لتحقيق أهدافه الذاتية، ناسياً أو متناسياً في خضمّ ذلك كلّه، وفي خضمّ انتماءه إلى “الهوية الشركاتية” (Corporate Identity) وانتماءه إلى العلامة التجارية (Brand) كبديل عن هويّته كعامل أو حتى كإنسان عضو في مجتمع، أنه مجرد أداة، مُسنّن في آلة، نموذج مكرر من فردٍ مُعلّب تُنتجه الرأسمالية، وينسى أو يتناسى أنه يركض خلف “الحلم”: مجرد سراب يستنفذ نفسه للوصول إليه بلا طائل، ويعيش ويموت في خضم هذه المحاولة.

القيم النقيضة، قيم الجماعية والمشاركة والعدالة الاجتماعية، خرجت من التداول، أو لنقل أُخرجت من التداول على يد البروباغاندا الرأسمالية لقيم الفردانية والأنانية والاستهلاك، وصار الباحث عن الخلاص الجماعي مجرّد شخص “أحمق” بالمفهوم الاجتماعي، أو “حالم” في أحسن الأحوال، وصار لا بد لإنجاز مشروع العدالة الاجتماعية، البدء من تحت الصفر فيما يتعلق بالوعي الاجتماعي.

المجتمعات التي توصف بأنها “بدائية” هي أكثر تطوراً من هذه الزاوية، فالمجتمعات الفلاحية والبدوية تعاونية و”اشتراكية”/تشاركيّة، فالفلاحون يزرعون ويحصدون معاً، وكذلك الأمر عند بناء دارٍ لأحدهم أو إقامة فرحٍ أو عزاءٍ لآخر، البدو كذلك يخرجون إلى الغزو ككتلة واحدة، ويبسطون نفوذهم على رقعة جغرافية لم تكن مملوكة لأحد، كانت “أرض العشيرة”، مشاعيّة. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالسكان الأصليين لأميركا وأستراليا ونيوزيلندا، كانت مجتمعاتهم قائمة لآلاف السنوات دون أن يكون لديهم مفهوم “الملكية الخاصة للأرض”. فكرة الملكية الخاصة للأرض دخلت مع الاستعمار، بل إنَّ الاستعمار أدخلها عُنوة لتخريب وتصفية الأنماط الإنتاجية والاقتصادية “التقليدية” الجماعية وإحلال أنماطه الرأسماليّة مكانها ليضمن تأبيداً للتبعية وليسهل عليه الاستحواذ والإلحاق.

الآن صارت مصطلحات حقبتنا هي “التنافسيّة” و”الرّيادة” وغيرها من المفاهيم التي تستدعي الفرد المنسلخ عن المجموع لتحقيق ذاته، هو ذاته الفرد الذي سيصبح ضعيفاً دون المجموع، متحولاً بالضرورة إلى انتهازي يسهل استغلاله وابتزازه، ويظل يدور في هذه الدوامة التي يخسر بها الفرد، ويخسر فيها المجموع. الرابح الوحيد هنا هو الأقليّة الرأسمالية.

مقولات العولمة: 3- القرية الكونية

أكذوبة أخرى متعلقة بالعولمة، وأتناولها هنا بعجالة لارتباطها المباشر بالنقطة السابقة المتعلقة بالأنانية والفردانيّة والاستهلاك، هي قضية “وحدة العالم” وتحوله إلى “قرية صغيرة” من خلال تطور وسائل النقل والاتصالات.

الرأسمالية تريد أن توحّد جزءاً من العالم/”القرية” فقط، وهو السوق، لتحقق هيمنتها عليه، أما المجتمعات ففي وحدتها خطر كبير، وعليه فهي تسعى إلى تفتيت المجتمعات: إلى طوائف وإثنيات وعشائر، وإلى أفراد أنانيين متنافسين. أما حرية الحركة عبر القرية فمضمونة ومتاحة فقط لرأس المال، أما البشر فممنوعون من الحركة إذا ما تعلّق الأمر بالحركة من الجنوب المُفقر إلى الشمال؛ ويتطلّب الأمر اجراءات معقّدة للحصول على تأشيرات يرفض الكثير منها، أو المخاطرة بالحياة عبر قوارب الموت وطرق التهريب.

أما “قرية العولمة الصغيرة” القائمة على وسائل التواصل، تخلو من التواصل، وكثيرة هي الدراسات التي تتحدث عن الأثر الانعزالي الهائل الذي تحدثه منصّات الميديا الاجتماعية المختلفة مثل “فيسبوك” و”تويتر” وغيرها، دون أن ننسى أن مواقع مثل “جوجل” و”فيسبوك”، ومن خلال معرفتها لبيانات المستخدم وميوله والمواقع التي يتردد عليها وأنساقه الشرائية عبر الانترنت، صارت قادرة على المزيد من التحكم التسويقي من خلال استغلال البيانات الهائلة المتاحة لها من المستخدمين. وهنا تجتمع مرّة أخرى ما تناولته في القسم السابق: الفردانية والانعزالية والأنانية؛ والاستهلاك؛ مع تمكين أكبر للاثنين من خلال الامكانيات التفصيلية لدراسة ميول الأفراد وتوجّهاتهم التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماع ومحرّكات البحث، والامكانيات الأكبر الناتجة عنها والمتعلّقة بتكييف الاستهلاك وخلق الطلب.

مقولات العولمة: 4- حرية المرأة

في المستوى البدائي: تعلمت الجماعات البشرية أنَّ وجودها الجماعي هو ضمان بقائها؛ وتعلمت القوى التي ترنو إلى الهيمنة مبدأها الأهم: “فرّق تسد”؛ والآن تأتي الرأسمالية (من خلال مجموعة من المفاهيم الليبرالية) لتؤكد لنا أن مفاهيم “الجماعية” و”الشمولية” والتحرر الاجتماعي الكلي أصبحت “خارج العصر”، وأن المقاربات الكلياتية عبثية ولا جدوى منها في سياق نظام كونيّ تسرّب إلى كل شيء.

المجتمع كيان واحد كلي ترتبط عناصره وتؤثر بعضها ببعض بشكل عضوي. لا يمكن الحديث مثلاً عن “ديمقراطية” و”مشاركة شعبية” في ظلّ انعدام للعدالة والمساواة الاقتصادية. لنأخذ مثلاً الانتخابات الأمريكية: يحتاج أي مرشح رئاسي في حملته الانتخابية لمليارات الدولارات التي تدفعها في النهاية الشركات الكبرى واللوبيات القوية، وبالتالي فإن أي رئيس أمريكي (أو حتى أي مرشح قادر على المنافسة الحقيقية) يمثل هذه المصالح، ولا يمثّل المواطن العادي الذي يظن أنه يعيش في كنف ديمقراطية. الحرية في هذا النموذج مشروطة إلى درجة التحديد التام للخيارات – إنها ديكتاتورية مُتعلقة بانعدام المساواة الاقتصادية: أموال أكثر تعني سلطة أكبر.

نفس الشيء ينطبق على قضية المرأة التي تقدّمها الرأسمالية على أنها واحدة من مناطق فتوحاتها الكبرى، من حيث إنه لا توجد قضية مرأة منفصلة بالكامل عن قضية التحرّر الاجتماعي للمجموع: كيف ستتحرر المرأة إن لم يتحرّر الرجل، ولم يتحرّر المجتمع، ولم تتحرّر الأوطان؟ هذه كلها مستويات متعددة لقمع وظلم وهيمنة واحدة، التحرّر في جزئية منها مرتبط ببقية الأجزاء.

إنَّ عرض موضوع تحرّر المرأة كقضية جندرية جنسوية منفصلة يُضيّع الموضوع. هل كل النساء ينتمين لمصالح موحدة؟ الجواب قطعاً لا. هل تتساوى كوندوليزا رايس مع معتقلة فلسطينية في السجون الصهيونية مثلاً؟ أو هل تتساوى آنجيلا ميركل مع فلاحة كادحة في واحدة من قرى الأردن؟ هل لهما نفس المصالح؟ هل تتشاركان بقضية واحدة رغم وحدة الجندر؟ قطعاً لا. هنا ستفشل النظرة الجندرية الصرفة في تحديد أساس الصراع والتناقضات والطبيعة المختلفة للمصالح. ثم ألا يتطلب تحرير المرأة في السياق الاجتماعي والاقتصادي والجنسي تحرير الرجل بالضرورة وإخراجه من قوالب التفكير النمطية والشوفينية والبطرياركية والدوغمائية؟ إذاً هي ليست قضية “تحرير المرأة”، بل تحرير كليهما في منظومة تحرّر كلية تُلغي بُنى القمع من أساسها.

المشكلة أن خطاب تحرّر المرأة المفصول عن سياقاته الاجتماعية والاقتصادية والطبقيّة، يمكن احتواؤُه وتوظيفه في السياق الليبرالي/الرأسمالي، ويمكن ملاحظة كيف أنَّ دولاً كبرى تدعم خيارات التدخّل والعدوان والاحتلال والقمع، تخصّص ميزانيات كبرى لتمويل برامج “تحرّر” المرأة و”الديمقراطية” و”حقوق الطفل” و”حقوق الإنسان”، وهي أكبر منتهك لها في العالم. لماذا؟ لأن فصل القضايا عن السياقات الاقتصادية/ الاجتماعية/ السياسية يُخرج هذه القضايا عن إمكانية تحقُّقها الموضوعي كبرنامج تحرّري حقيقي أو كجزء فعّال منه.

إضافة إلى ذلك، سينحو خطاب تحرّر المرأة والحال كذلك منحىً ذرائعياً، وتُصبح المرأة باحثةً عن تحقيق المصالح الأنانية الذاتية لا الاجتماعية الجماعية. لننظر مثلاً إلى بعض (وبالتأكيد ليس كل) نساء مجتمعاتنا اللواتي يُردن الجمع بين الحقوق التي يرتّبها المجتمع الحديث (العمل، الاستقلال المالي، حرية الحركة واتخاذ القرار … الخ) مع الحقوق التي يرتّبها المجتمع التقليدي (المهر بمقدمه ومتأخره عند الزواج، الذهب عند الزواج، أن ينفق الزوج على المنزل والعائلة، أن يجهّز الزوج المنزل، أن ينفق الزوج على تكاليف الزواج المختلفة، أن ينفق الزوج على الأولاد وتعليمهم…إلخ) من منطلق النفعية والذرائعية الصرفة. يردن الحقوق من النمطين دون تحمل المسؤوليات المترتّبة على أي منهما؛ وبعض المنظّمات النسائية تسير على نفس الطريق، فمثلاً نراهنّ يجهدن في إثبات عذرية قتيلة “الشرف” (وهو ما يعزّز المفاهيم البطرياركية) ولا يقلن شيئاً عن حريّة المرأة الجسديّة والجنسية.

هذا الشكل من “التحرّر” سيدفع باتجاه مزيد من الشوفينية ومزيد من التقوقع الجندري، وتتحول معركة التحرّر الاجتماعي التي تشمل الرجل والمرأة معاً، إلى معركة ذرائعية على مناطق نفوذ ومصالح بين الرجل والمرأة: معركة ذات طابع فئوي/ فردي/ أنانيّ تنسجم مع ما تحدّثنا عنه في الأقسام السابقة.

مقولات العولمة: 5- المسؤولية الاجتماعية للشركات والأثرياء

الأزمات المالية هي أزمات يسببها الأغنياء ويدفع ثمنها الفقراء، هذا هو المنطلق الأساسي لأي حديث عن أزمات مالية، وهنا يجب أن نميّزها عن الأزمات الاقتصادية، من حيث إنَّ الأولى (الأزمات المالية) تتعلق بالمضاربات المالية وحركة النقد، وترتبط برأس المال المالي المتجمّع في البنوك أو صناديق الادخار أو أية أطر شبيهة، وتعتمد في جني الأرباح لا على النشاطات الإنتاجية بشكل أساسي بل على المضاربات المالية في أسواق الأسهم والنقد والسلع، بينما تتعلق الثانية (الأزمات الاقتصادية) بقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وهياكله وتشمل القوى المنتِجة والمالية على حدّ سواء.

رأس المال المالي يتأتّى عن طريقين: الأول هو التراكم الرأسمالي الناتج عن ارتفاع فائض القيمة (الفرق بين سعر بيع السلعة وكلفتها الفعلية) نتيجة للخفض الهائل في كلف الإنتاج، وارتفاع الاستهلاك نتيجة لترويج النمط الاستهلاكي بالقوة من طرف الشركات الرأسمالية. فيؤدي الاستغلال الهائل للعمال عن طريق خفض أجورهم إلى حدود غير معقولة أو نقل الإنتاج إلى بلاد أو مناطق يسهل فيها استغلالهم ولا يتمتعون فيها بضمانات قانونية، ورفع ساعات العمل من 8 ساعات إلى 12 و 14 ساعة يومياً دون دفع أية أجور إضافية بحجة أنَّ هذه هي “متطلبات العمل”، وأخذ العمل إلى المنزل، وتوظيف العمال بعقود سنوية ليظلوا تحت خطر فقدان العمل، ومكننة العمل لتقليل الاعتماد على العنصر البشري، وتجاوز متطلبات الحفاظ على البيئة التي ترفع كلف الإنتاج؛ يؤدي كل هذا وغيره إلى خفض كلف الإنتاج إلى حدود لم تكن مسبوقة في التاريخ، وبالنتيجة حصول تراكم ضخم لرأس المال المالي الناتج بشكل مباشر عن عرق الأكثرية العاملة، في حسابات الأقلية الثرية، تزيد منه أنماط الاستهلاك الهائلة وأشكال الترويج والتنميط التي تعزّزها والتي ناقشتها سابقاً.

الثاني هي تراكم أعداد كبيرة من الادخارات الصغيرة التي يقوم بها صغار المدّخرين في البنوك أو في صناديق الادخار والتقاعد، مُنتِجة بالتالي رأس مالٍ مالي كبير لا يملك أصحابه السيطرة عليه، بل يسيطر عليه كبار الأثرياء من أصحاب البنوك والمؤسسات المالية الذين يستعملون هذه الأموال في عملياتهم دون الرجوع إلى وحساب مصالح أصحابها.

إذاً، رأس المال المالي الذي يزيد بواسطته الأثرياء ثراءهم، ويصنعون بواسطته الأزمات المالية التي تقع نتائجها على رأس الفقراء وحدهم، مصدره الأساسي هو الفقراء، وهؤلاء هم من يموّلون عمليات زيادة إثراء الأغنياء، وزيادة إفقار أنفسهم.

رأس المال المالي المتراكم هذا يؤدي بالمتحكّمين فيه إلى البحث -من أجل تحويله إلى رأس مال مربح-عن منافذ “مالية”: أي أن يدرّ المال مالاً دون الدخول في نشاطات إنتاجية فعلية، وتحقيق أرباح دون كلف إنتاج على الإطلاق. من أجل هذا يُوظَّف رأس المال في المضاربات على الأسهم والعملات والسلع، أو في عمليات الإقراض. إن توظيف هذه الكميات من الأموال الضخمة في عمليات مالية فقط (لا عمليات إنتاجية) سيؤدي بالضرورة إلى أزمات كبرى.

مشكلة الأزمات المالية أنها تؤثر بالضرورة على البنى الاقتصادية وتسبب أزمات اقتصادية عامة. لنأخذ الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي ما تزال آثارها مستمرة حتى اللحظة كمثال: في الولايات المتحدة، استحوذت البنوك المقرِضة على 4 مليون منزل، دافعة بـ20 مليون مواطن من المقترضين الفقراء إلى الشارع؛ كما تم شطب 2 مليون وظيفة خلال الأشهر الأخيرة من عام 2008؛ تبعها شطب 600 ألف وظيفة أخرى في الشهر الأول من عام 2009؛ والمسرَّحين كلهم طبعاً من العمال والموظفين العاديين الفقراء. إضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار السلع، مما رتب على الناس أعباء إضافية كبرى. أما على جانب الأغنياء،فدفعت حكومة الولايات المتحدة ما يقارب 1 ترليون دولار (1000 مليار دولار) من الأموال العامة (أي أموال الناس) لإنقاذ الشركات الخاصة (أي شركات الأثرياء) المنهارة: بيرستينز، ليمان بروذرز، فاني ماي، فريدي ماك، ميريل لنش، ايه آي جي، وهي كلها شركات مالية لا إنتاجية.

أما المتسببون بالأزمات المالية من مديري الشركات وكبار المضاربين، فخرجوا رابحين: فمثلاً عام 2006، قبض كبار موظفي خمسة من شركات وول ستريت (هي بيرستينز، جولدمان ساكس، ليمان بروذرز، ميريل لنش ومورغان ستانلي – وثلاثة من هذه الشركات انهارت ولم تعد موجودة!) ما قيمته 40 مليار دولار كمكافآت، وهو مبلغ يساوي ضعف مجموع زيادات الرواتب المتحصلة لـ93 مليون عامل أميركي في الفترة من 2000 إلى 2006. كيري كيلينغر المدير التنفيذي لبنك واشنطن ميوتشوال المنهار خرج بتعويض مقداره 20 مليون دولار، فيما قبض ريتشارد سايرون المدير التنفيذي لشركة فريدي ماك المنهارة 14 مليوناً كتعويضات، في حين لم يكن دانيل مَدْ المدير التنفيذي لشركة فاني ماي المنهارة بمثل حظهم فقبض 10 ملايين دولار فقط.

في أي مجتمع يشكل فيه الأثرياء طبقة أقلية، كما هو الحال في مجتمعاتنا الرأسمالية المعاصرة، يكون الثراء هو التعبير المباشر عن انعدام العدالة الاجتماعية، والتعبير المباشر عن العسف والقهر الذي تمارسه هذه الطبقة على الأغلبية المتبقية من الناس. إنَّ مصدر الثروة المباشر هو استغلال الناس والتلاعب بهم وبأموالهم كما رأينا في الأزمات المالية الكبرى التي عصفت بالعالم منذ التسعينات (بداية تحرير التجارة وتحرير حركة رأس المال المالي في العالم) وحتى الأزمة الأخيرة التي يعتبرها البعض قمة جديدة تساوي أو تتغلب على “الكساد العظيم” في ثلاثينات القرن الماضي.

إنَّ الحديث عن “دور اجتماعي” للأثرياء في الأزمات المالية أو الاقتصاديّة هو حديث ينزع المسؤولية عن دورهم الحقيقي في التسبب بالأزمات المالية، ويمحي مسؤوليتهم الأخلاقية والقانونية والجنائية عن آثارها. البنك وصندوق النقد الدوليان (ومن خلفهما الدول الكبرى وشركاتها) اللذان دفعا بلداً كاملاً هو الأرجنتين إلى الانهيار مؤثرين بذلك على حياة ملايين الناس، لم يُحاسبا لا كمؤسسات ولا كإدارات. إنَّ منطق استغلال الأثرياء للناس وأموالهم، والتسبب بالأزمات المالية، ومن ثم استعمال الأموال العامة لخدمة الأثرياء واستكمال مشاريعهم، على أن يوزع الأثرياء بعض “الصدقات” هنا وهناك من منطلق “دورهم الاجتماعي” في التفاعل مع “أبناء مجتمعهم” هي أوهام يذرّها هؤلاء في العيون. مليارات الدولارات التي دُفعت لإنقاذ الشركات المالية في الولايات المتحدة، كان يجب أن تُدفع للناس الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم وتضاعفت عليهم أسعار السلع، فيما كان يجب أن يُلقى كبار مديري المؤسسات المالية في السجون نتيجة لتدميرهم حياة ملايين البشر. لكن في عالم يتحكم به رأس المال، يدفع الفقراء الضريبة دائماً. وكذا الأمر في دولنا التي اقتصاداتها هي مجرد ملحق بالاقتصادات الكبرى.

الدولة والقوانين التي تحكمها، هي تعبير مباشر عن مصالح الطبقة التي تهيمن عليها. فالدولة الرأسمالية هي تعبير عن مصالح رأس المال، والأدوات القانونية والمؤسساتية التي تجترحها تأتي في سياق إدامة هيمنة رأس المال وتعزيز أرباحه وآليات عمله. بالإمكان ملاحظة هذا الأمر لا على مستوى الدول فقط بل على مستوى العالم، من خلال منظمات “عالمية” مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهي منظمات تحاول أن تفرض “التجارة الحرة” باتجاه واحد على بلدان العالم، وتتدخل سياسياً واقتصادياً من خلال ما يسمى “برامج إعادة الهيكلة” لربط اقتصادات الأطراف باقتصادات الدول الكبرى عضوياً، وتحويلها إلى أسواق ومصادر للعمالة الرخيصة. لذا لا دور للدولة الرأسمالية أو الدولة الوسيطة سوى دورها في تعزيز نفوذ الطبقة التي تمثلها. دولة الأثرياء لن تحقق مصالح الفقراء. فقط دولة الفقراء، حيث الطبقة الحاكمة تمثل أغلبية الشعب من الفقراء، هي التي ستبحث عن تأمين حاجات الناس الأساسية للجميع، وتصبح الصحة والتعليم والسكن والعمل أموراً تحظى برعاية الدولة المباشرة.

الأزمة المالية التي عصفت وما تزال بالعالم، أثبتت وبشكل واضح مدى الاستغلال الذي يمكن أن تصل إليه الرأسمالية في تعاملها مع الناس، ومدى لامُبالاتها بمعاناتهم، وقوّة الخطاب الذي تستخدمه لتضليلهم ونفض المسؤولية عن نفسها.

لقراءة الجزء الثالث من هذا المقال اضغط هنا.

1 Trackback / Pingback

  1. في نقد مقولات العولمة الرأسمالية (13) | مسار تحرّري

التعليقات مغلقة.