آخر المواد

الانتفاضة الثالثة.. الإمكانيات والسيناريوهات

هبة شعبية أم انتفاضة ثالثة؟ محاولة لتحديد ماهية الحدث تمهيدًا لتحليله بموضوعية

رامي أبو جبارة //

 Space

رغم حفاظ الصراع العربي-الصهيوني على جوهره، إلا أن القضايا التي تتصدر هذا الصراع، اختلفت كثيرا منذ مسار التسوية، بدءا من كامب ديفيد، مرورا بأسلو، وليس انتهاءً بوادي عربة. أمر واقع فرضته ”إسرائيل“ بالقوة، فطغت على القضايا الجوهرية أخرى ثانوية، مثل الاستيطان في الضفة والقدس، والمعابر في غزة، والأسرى، وحق الصلاة في المسجد الأقصى. لم يكتف الكيان الصهيوني بتحويل شكل الصراع، وخفض سقف النضال، بل صعّد بشكل واضح في الأعوام الأربعة الأخيرة، وانقلب على محدداته التي وضعها بنفسه سابقا.

التصعيد الإسرائيلي شمل ملف الاستيطان، فوتيرة بناء المستوطنات زادت بنسبة 40% في كل عام مقارنة بسابقه. ملف الأسرى شهد تصعيدا بإقرار مزيد من القوانين والإجراءات، مثل تعديل قانون الاعتقال التعسفي*، وإقرار قانون التغذية القسرية، وغيرها. أما ملف القدس فشهد تصعيدات عدة منها، نزع هويات الإقامة عن مقدسيين وإبعادهم. ومنها أيضا زيادة وتيرة الحفريات تحت المسجد الأقصى. كما شهد المسجد اقتحامات إسرائيلية متكررة، تزامنت مع الإعلان عن فرض تقسيم زمني للصلاة فيه. التصعيد الأخير في القدس، كان بمثابة شرارة للحراك الذي تشهده فلسطين اليوم.

انتفاضة أم هبة؟

جدل كبير يدور بشأن توصيف الحراك الفلسطيني. رغم قناعتي بأن التوصيف أمر ثانوي، لكن من المفيد التطرق إليه في البداية، لتحديد ماهية الحدث، تمهيدا لتحليله بموضوعية. الحراك الفلسطيني حتى اللحظة أقرب إلى هبة لا تحمل في طياتها بذور انتفاضة شاملة.

لماذا هبة؟ لأنها حتى الآن تتركز في فئات معينة من الشعب الفلسطيني، ولم يتوفر فيها عنصر الشمولية. على الصعيد الجغرافي، هناك العديد من التجمعات السكانية الفلسطينية لم تشارك في الحراك، رغم انتشار الهبة في مناطق داخل الكيان الصهيوني، والقدس، ومناطق في الضفة، وغزة. الأهم، على صعيد الفئات العمرية، تبقى الغالبية العظمى من المشاركين في المواجهات، أو من ينفذون عمليات الطعن وإطلاق الرصاص، دون سن 23 عاما. للدلالة على هذا، كل الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا، سواء في المواجهات أو في العمليات، تتراوح أعمارهم بين 16 و22 عاما، وهناك شهيد واحد فقط عمره 27.

لكي يوصف الحراك بالانتفاضة يجب أن تتوفر فيه عنصران: الشمول والاستمرارية.  الشباب الفلسطيني، بدمائه وتضحياته، يضمن، حتى كتابة هذه السطور، استمرارية الحراك والهبة في وجه المحتل، لكن عنصر الشمول غائب.

أسباب المشاركة والعزوف

ضعف القيادة الفلسطينية، وغياب الرد الفلسطيني على مستوى الفصائل، دفع الشباب للانتقام بشكل فردي، من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والمستفزة. جرائم عدة تراكمت، من حرق الشهيد أبوخضير، وحرق عائلة دوابشة، وقتل الفتاة هديل الهشلمون بدم بارد، حتى جاءت اللحظة التي أدت التراكمات الكمية إلى تغير نوعي تمثل بهبة الشباب الفلسطيني. كما لا يمكن إغفال البعد الإقليمي بعد فشل”الربيع العربي“. يبدو أن الشباب الفلسطيني راهن على انعكاس التغيير في الدول العربية، وتحديدا في سوريا ومصر، على مسار القضية الفلسطينية. لكن، ما آلت إليه الأمور من حروب واقتتال داخلي، جعل الشباب الفلسطيني يأخذ زمام البادرة، ويحاول قيادة تغيير ما بنفسه، دون انتظار تغيّر الأوضاع الإقليمية أو العوامل الخارجية.

في مقابل الحماس والمشاركة الشبابية، تشهد الساحة الوطنية الفلسطينية عزوفا حادا عن المشاركة من الفئات العمرية الأكبر سنا، لأسباب اقتصادية. عملت ”إسرائيل“على تدمير أي نواة لاقتصاد فلسطيني مستقل، وأمعنت في سياسة الإلحاق الاقتصادي. سياسة نفذتها سلطات الاحتلال من خلال التحكم بجميع منافذ دخول وخروج السلع والمسافرين، وإعطاء تسهيلات لفئة من كبار التجار الفلسطينيين، لاستيراد البضائع والماركات مقابل تقليص الإنتاج الداخلي، وربط مجموعة من النخب الاقتصادية والسياسية بمصالح تتناقض مع مصالح عامة الشعب الفلسطيني، وغيرها..

بالتزامن مع السياسات الصهيونية، جاءت حكومة سلام فياض، وعملت على تعزيز الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، والأسوأ أنها عملت على ربط أكبر عدد ممكن من العائلات الفلسطينية في الضفة بمنظومة السلطة الاقتصادية. فتحت حكومة فياض الباب أمام عشرات آلاف الفلسطينيين للعمل في السلطة ومؤسساتها. كما سهلت هذه الحكومة إنشاء وعمل منظمات غير حكومية وظفت آلاف الفلسطينيين. أما على صعيد المساعدات الدولية، فقد تضاعفت ووصلت إلى أعلى مستوياتها. فياض سوّق أيضا للشفافية المالية، ومحاربة الفساد، وتحسين البنى التحتية والخدماتية للفلسطينيين. كما عملت حكومة فياض على التسويق للرخاء الاقتصادي والرفاه وفرص الاستثمار، حتى طغت ثقافة الاستهلاك على المجتمع الفلسطيني.

الخطة بدت واضحة: أولا، ربط الفلسطينيين على الصعيد الشعبي، وفي الضفة تحديدا، بمنظومة اقتصادية تتحكم فيها ”إسرائيل“. يوقف الاحتلال متى شاء عوائد الضرائب ومصادر دخل السلطة الفلسطينية كما حدث، لتحقيق أي نتائج يراد تحقيقها، بقبول فلسطيني نخبوي واستسلام شعبي. ثانيا، تحويل هم المواطن الفلسطيني إلى ”معيشي اقتصادي فردي مؤقت“ بدلا عن الهم الوطني العام والحلول الجذرية الجمعية. هذه أخطر نتائج عمل حكومة فياض التي نشهدها اليوم، وتفسر اقتصار المشاركة في هذا الحراك، والمناسبات الوطنية عموما، على جيل شاب غير مرتبط بالديناميات الاجتماعية والواقع الاقتصادي اللذين خلقتهما السلطة الفلسطينية، ومن خلفها الاحتلال الإسرائيلي.

الحراك في ميزان القوة والضعف

إذا ما قمنا بوضع نقاط ضعف وقوة الحراك الفلسطيني في الميزان، وقيّمنا مكامن الضعف والقوة في المجتمع الفلسطيني لتصعيد هبته ضد الاحتلال الصهيوني وجرائمه، سنجد أن نقاط الضعف أكثر بكثير من نقاط القوة.

  • هناك تراجع غير مسبوق في الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية. بل إن من أهم العوامل التي ساهمت في التصعيد الإسرائيلي، خلال الأعوام السابقة، انشغال الشارع العربي بالحروب والاقتتال الداخلي الذي تشهده دول عدة مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا.
  • الانقسام الفلسطيني تحول إلى تشرذم لا مثيل له، أدى إلى غياب كامل لأي مشروع تحرري. انقسام أكبر بدأ بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والحركات الإسلامية. تبعه انقسام آخر في المعسكرين، فباتت فتح في جهة والجبهة الشعبية في أخرى، فيما أصبح الخلاف بين حركتي الجهاد وحماس أكثر وضوحا. لم تقتصر التشظيات الفلسطينية على ذلك، ففتح منقسمة على ذاتها بين محمود عباس ومحمد دحلان وجناح ثالث، وحماس منقسمة بين قيادة الداخل وقيادة الخارج.
  • الفصائل الفلسطينية ماضية في سياسة استثمار نضالات الشعب الفلسطيني، وتوظيفها لصالحها. المصالح الضيقة للفصائل دائما ما تطغى على المصالح العامة. حماس تريد تحريك جبهة الضفة، ولكن بشروطها، للتخفيف عن نفسها في جبهة غزة المثقلة بالجراح. فتح منقسمة في مواقفها، لكن التيار الغالب يدعو للتهدئة، لعدم إجهاض أو صرف النظر عن الانتصارات الدبلوماسية التي تسوّق لها السلطة، خاصة مع قرب استحقاق انتخابي. أما الجبهة الشعبية، كما في كل مرة، تستثمر الحراكات من أجل زيادة تواجدها على الأرض، وجذب المزيد من الشباب إليها وتأطيرهم في كوادرها.
  • هناك تجربتان قريبتان من الانتفاضة لا تشجعان فئات واسعة من المجتمع الفلسطيني على المشاركة في الحراك الراهن. وهذه النقطة ترتبط بشكل كبير بالنقطة السابقة، إذ تم إجهاض الانتفاضتين السابقتين بسبب مصالح كبرى الفصائل. بالنسبة للانتفاضة الأولى، ساهمت القيادة الفتحاوية بشكل كبير في إنهائها قبل تحقيق مكاسب تليق بحجم التضحيات، وتتناسب مع أزمة الكيان الصهيوني حينها. خشي الراحل ياسر عرفات ورجاله، من بروز قيادة جديدة داخل فلسطين، تسحب البساط من تحت منظمة التحرير، وتسقط شرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني، وبالتالي يتقلص نفوذ المنظمة ويضيع حلم الدولة والسلطة. لذا سارع عرفات إلى التفاوض في مدريد، والتوقيع على أوسلو. أما الانتفاضة الثانية، فقامت حماس بعسكرتها، وتحويلها من انتفاضة شعبية إلى مواجهة مسلحة. سحبت حماس البساط من الشارع، واستولت على زمام المواجهة مع الكيان الصهيوني. في الختام، انتهت الانتفاضة الثانية بموافقة حماس على الهدنة، مقابل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، مما تركه لقمة سائغة للحركة الإسلامية، كما كان متوقع. تبع ذلك تداعيات خطيرة من انقسام واقتتال داخلي، وسيطرة لحماس على غزة بقوة السلاح.
  • الجغرافيا لا تساعد على التفاؤل أيضا. استطاعت ”إسرائيل“ عزل التجمعات السكانية الفلسطينية جغرافيا عن بعضها البعض، من خلال إقامة حواجز ومستوطنات، جعلت من المناطق الفلسطينية جزرا معزولة. القدس الشرقية تعيش عزلة وحصارا خانقا. المناطق العربية داخل الكيان الصهيوني كذلك. مدن وقرى الضفة الغربية تفصلها حواجز ومستوطنات وجدار عازل، إضافة إلى المناطق المعروفة بمناطق (ج) التي تخضع للسلطة الإسرائيلية. غزة معزولة جغرافيا عن جميع المناطق الفلسطينية الأخرى، وتقبع تحت الحصار. سياسة العزل الجغرافي تضعف زخم أي حراك فلسطيني، وتفرق المتظاهرين عن بعضهم البعض، وتقلل من أعدادهم وتحركاتهم في إطار جمعي. هذا الأمر ينعكس على عزيمة المتظاهرين واستمراريتهم، ويقلل من شأن الحراك إعلاميا، ويسهّل من السيطرة على التظاهرات والاعتصامات.
  • نقطة أخيرة أضيفها- بحزن- لنقاط الضعف السابقة، وهي تطور المنظومة الأمنية والتكنولوجية لدى العدو الإسرائيلي. كاميرات مراقبة، ونظام اعتراض صاروخي معروف بالقبة الحديدية، وأجهزة التعقب الأمني، وغيرها من الحلول الأمنية والعسكرية، التي تجعل فكرة المواجهة الشعبية المسلحة صعبة في ظل موازين القوى الراهنة.

أما نقاط القوة فهي:

  • امتلاك المجتمع الفلسطيني جيلا من الشباب لديه روح المبادرة، واستعداد للتضحية، وإيمان بجميع أنواع الكفاح، بما فيه المسلح، حتى تحرير كل الأراضي العربية المحتلة، وإزالة دولة ”إسرائيل“ ككيان استيطاني.
  • ترابط المجتمع الفلسطيني فكريا ووجدانيا رغم الانقسام السياسي والانعزال الجغرافي. الهبة وجدت طريقها إلى الكتل السكانية الفلسطينية الأربع وهي: غزة، والضفة الغربية، والقدس، والمناطق العربية داخل الكيان الصهيوني. صحيح أن الهبة اقتصرت على مناطق معينة داخل هذه الكتل، كما أشرنا أعلاه، إلا أن التفاعل الفلسطيني في هذه الكتل السكانية على اختلاف ظروفها، يظهر الترابط والالتفاف الفكري حول نهج المقاومة.
  • قدرة الشباب الفلسطيني على تنفيذ هجمات فردية وعفوية، يصعب السيطرة عليها. هذه الهجمات أربكت المنظمومة الأمنية الصهيونية رغم قوتها، ودبت الذعر داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي يفتقد التجانس، ولا يملك معظم أفراده أي انتماء للدولة.

الانتفاضة الثالثة: إمكانياتها ومآلاتها

قاعدة بسيطة تحكم قدرتنا على تحليل حدث ما، وقراءة احتمالات حدوثه بشكل علمي. أولا، ننظر إلى مصالح الأطراف الفاعلة في الحدث. ثانيا، نضع مصالح الأطراف في كفتي ميزان. ثالثا، نرى الكفة الراجحة في ميزان المصالح، مع الأخذ بعين الاعتبار مصلحة الطرف الأقوى. في غالب الأحيان، يقع الحدث الذي يصب في مصلحة الأطراف في الكفة الراجحة.

إذا ما نظرنا إلى الحالة الفلسطينية، فإن الأطراف هي:

  • الشعب الفلسطيني: هناك انقسام كبير في الشارع بشأن جدوى انتفاضة جديدة، وإمكانية تحقيق مكاسب من خلالها. وحتى إن وجد الإجماع الشعبي بشأن الانتفاضة، نرى أن المجتمع الفلسطيني غير قادر حاليا على حمل هذا المشروع، والمضي قدما فيه، وجني ثماره، بالنظر إلى تحليل نقاط الضعف والقوة أعلاه.
  • الكيان الصهيوني: أكثر حالة تستفيد منها ”إسرائيل“ هي حالة التأرجح بين الحرب والسلام، التي عملت بجهد كبير للوصول إليها بعد اتفاقية أوسلو. حالة ”للا حرب – اللا سلام“ تجعل الكيان الصهيوني بمنأى عن حرب تستنزفه ماديا ومعنويا، وبمنأى عن سلام يزيل حالة العداء مع المحيط الخارجي، فتبدأ التناقضات الداخلية بالظهور. لذا، فإن ”إسرائيل“ غير معنية أبدا بأي مواجهة شاملة الآن، على عكس ما حدث في الانتفاضة الثانية، التي سعى الكيان الصهيوني إلى توظيفها للهروب من استحقاقات اتفاق أوسلو، وتحويل العملية التفاوضية إلى دوامة فضفاضة لا حدود لها.
  • السلطة الفلسطينية: أشرنا سابقا إلى أن السلطة لا تريد انتفاضة ثالثة لأن ذلك يعيق جهودها الدبلوماسية، وانتصارات تدّعيها وتحاول استثمارها شعبيا. إضافة إلى ذلك، العديد من قيادات هذه السلطة مرتبطون بمصالح شخصية، في مشروع أوسلو والتسوية، مما يجعلهم غير راغبين بحراك جماهيري يقلب الموازين، ويغير الأوضاع بما يعطل مصالحهم.
  • حماس: بهدوء حذر، تحاول ”حركة المقاومة الإسلامية“ الدفع باتجاه تصعيد ما في الضفة الغربية والقدس لتخفيف الضغط عليها في غزة. لذا، تريد حماس انتفاضة ثالثة تقتصر على مناطق لا تخضع لسيطرتها. كما من شروط التصعيد، من وجهة النظر الحمساوية، ألا يتحول إلى مواجهة شاملة تمتد إلى عدوان إسرائيلي جديد على غزة.

بناء على تحليل مصالح الأطراف الفاعلة على الساحة الفلسطينية اليوم، تبدو الإمكانيات مستحيلة لاندلاع انتفاضة شعبية تتميز بالشمول والتصاعد والاستمرارية. احتمالية بقاء الهبة في شكلها الحالي لفترة طويلة، أمر ممكن، نظرا للجرائم الإسرائيلية المتصاعدة من جهة، والإحباط الذي يعيشه الفلسطينيون، وتحديدا فئة الشباب، من جهة أخرى. لكن السيناريو الأقرب إلى الواقع برأيي، تراجع حكومي ”إسرائيلي“ محدود، يعقبه تراجع في حدة الهبة، وهدوء تدريجي يعود بالأمور إلى سابق عهدها.

أما مآلات انتفاضة ثالثة في الوقت الراهن- إن اندلعت-، فلا أعتقد أنها ستكون أفضل من مآلات الانتفاضتين السابقتين، نظرا للانشغال العربي أولا، والانقسام الفلسطيني ثانيا، وغياب المشروع التحرري المتكامل ثالثا.

الحراك في المنظور الإقليمي والدولي

حققت القضية الفلسطينية مكاسب مهمة في الآونة الأخيرة على الصعيد الدولي. تداعت الصورة التي حرص الكيان الصهيوني أن يروجها على الصعيد الدولي. الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، والدولة العلمانية، و”شعب إسرائيل“ الذي يقع تحت تهديد إرهاب الشعوب المحيطة، كل هذه الأكاذيب سقطت، والفضل في ذلك يعود إلى تزايد نفوذ الإعلام غير التقليدي كوسائل التواصل الاجتماعي والمدونات وغيرها.

على الصعيد غير الرسمي شهدت الساحة الدولية تصاعدا كبيرا في حدة العداء والانتقادات لإسرائيل. المقاطعة تنتشر أكثر فأكثر على جميع الأصعدة الاجتماعية والثقافية والسياسية والأكاديمية والاقتصادية والإعلامية. التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية في تزايد أيضا. فنانون وكتاب ومفكرون وعلماء وشخصيات عامة في مختلف أنحاء العالم، باتوا يعلنون مواقفهم المناهضة لإسرائيل دون وجل.على الصعيد الإعلامي، لم تعد الرواية الصهيونية غير قابلة للتشكيك، وأصبحت وسائل الإعلام الكلاسيكية غير قادرة كما في السابق على صناعة الكذب دون حسيب أو رقيب. فزاعة معاداة السامية تراجعت أيضا أمام المد المناهض لإسرائيل ولم تعد فعالة كما في السابق.

على الصعيد الرسمي أيضا، بات العداء لإسرائيل أكثر وضوحا. دول أميركا اللاتينية تعلن مواقفها المناهضة لإسرائيل وتتخذ إجراءات عملية ضدها. دول أوروبية باتت أكثر جرأة في مواجهة الكيان الصهيوني، وهناك قرارات اتخذها البرلمان الأوروبي ودول أوروبية فيما يخص المستوطنات والمقاطعة. في أروقة الأمم المتحدة باتت إسرائيل أكثر عزلة، في مقابل تقدم فلسطيني. صوتت معظم دول العالم لصالح انضمام فلسطين كعضو مراقب في الجمعية العامة**. التصويت كان مؤشرا واضحا للعداء الدولي لإسرائيل. إضافة إلى ذلك، توالت إدانات مجلس حقوق الإنسان لإسرائيل، وانسحابها من اليونسكو، وتحقيقات دولية في حرب غزة واتهامات في الجنائية الدولية. هذا الأمر يذكرنا بالعداء الذي تنامى دوليا ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، والذي بدأ بحراك شعبي دولي، أجبر الحكومات على اتخاذ مواقف مماثلة.

كل هذه التغييرات على الساحة الدولية انعكست على الحراك الفلسطيني وعززت ثقة الشباب الفلسطيني بخيار المواجهة، بعد الشعور، ولو جزئيا، بأن نضالاتهم لا تذهب سدى، وأن هناك من يناصرهم. في المقابل، الحراك الفلسطيني اليوم له انعكاسات مباشرة على الصعيد الدولي. أولا، سلط الحراك الأنظار على القضية الفلسطينية إعلاميا وسياسيا بعد أن تراجع حضورها على مستوى هذه الأصعدة. ثانيا، كشف الحراك جرائم جديدة للكيان الصهيوني، مما يساهم في تصعيد الخطوات المناهضة له والعداء الشعبي والرسمي.

على الصعيد العربي لا تبدو الأمور مبشّرة كما هي على الصعيد الدولي. التأثير الوحيد المباشر للعمق العربي على الحراك الفلسطيني، هو رؤية الشباب الفلسطيني أقرانهم العرب ينجحون في تغيير رؤوس أنظمة وإسقاط رموزها. هذه الأمر كان بلا شك له انعكاس على الوعي الجمعي العربي كله، ومن ضمنه وعي الشباب الفلسطيني. هذه التجارب ساهمت بحث الفلسطينيين الشباب على التحرك، خاصة بعد فقدانهم الأمل في انعكاس التغييرات في الدول العربية على القضية الفلسطينية. أما تأثيرات الحراك الفلسطيني على الصعيد العربي فلا تبدو ممكنة، في ظل الحروب وحمام الدم الذي تشهده دول عدة، مما جعل القضية الفلسطينية تحتل موقعا غير الصدارة في الأولويات العربية على الصعيدين الرسمي والشعبي.

بارقة أمل

رغم التشاؤم الذي يغلف المقال، يبقى القول إن هناك بارقة أمل تتلخص في ثلاث نقاط. أولا، ظهور جيل جديد من الشباب الفلسطيني، يبشر بالقدرة على مواصلة النضال والعطاء، خارج الأطر التقليدية للسلطة ومحددات الكيان الصهيوني. ثانيا، لا بد لهذه الهبة أن تراكم على نضالات الشعب الفلسطيني العظيمة، ويُينى عليها في المستقبل، حتى الوصول إلى التحرير الكامل، وإنهاء دولة ”إسرائيل“. ثالثا، تعبئة الرأي العام العالمي لصالح القضية الفلسطينية وعدالتها. أخيرا، أعتقد أن المعركة مع الكيان الصهيوني ديموغرافية بامتياز. المواجهة والتصعيد دائماً تصب نتائجهما في صالحنا على المدى البعيد، لأن عدم الاستقرار وأجواء الحرب والمواجهات ستؤدي بالضرورة إلى زيادة وتيرة هجرة المستوطنين العكسية إلى خارج أراضنا العربية المحتلة.

Space

   الهوامش:

      *     يجب التنويه لضرورة استخدام مصطلح ”الاعتقال التعسفي“ عوضا عن ”الاعتقال الإداري“ الذي تروج له إسرائيل.

      **  أعتقد أن هذا نجاح مهم للسلطة الفلسطينية رغم معارضتي الكامل لها. والسبب الأساسي لاعتراضي على هذه الخطوات أن السلطة تلغي خيارات النضال الشعبي والمسلح لصالح ”النضال الدبلوماسي“ الذي توظفه لتسوّق نفسها شعبيا. لكن لا يمكن أن نقول إن خطوة الانضمام للأمم المتحدة لا قيمة لها رغم تحفظي هذا، ورغم رؤيتي للأمم المتحدة كأداة هيمنة توظفها الإمبريالية في صالحها.

1 Trackback / Pingback

  1. ورشة حواريّة: الانتفاضة الثالثة.. الإمكانيات والسيناريوهات | مسار تحرّري

التعليقات مغلقة.