آخر المواد

من الولادة احتجاجياً إلى الانتحار بيروقراطياً: نصف عودة لنقابة المعلمين الأردنيين

لطالما كانت نقابة المعلمين مطلباً تاريخياً لم يتحقق إلا مؤخراً، لكن أتى هذا النجاح بإطار قانون يعمل على تفريغها

بقلم أحمد الشولي //

Space

مقدمة

كانت نقابة المعلمين الأردنيين أحد أهداف النظام الأولى في العام ١٩٥٧، عندما أطلق مرحلة أحكامه العرفية، تماشياً مع هجمة كاملة على المكتسبات البسيطة التي حققتها قوىً تقدمية في الدولة حديثة النشأة، ضمن مرحلة استقطاب المنطقة العربية، على محورين متضادين. وفي سنواتها القليلة، تشابكت النقابة من خلال ناشطيها مع أحزاب المعارضة، التي كانت هدفاً أولياً لبسط سلطة النظام، وتم حلها كنقابات وجمعيات مدنية أخرى، في مسعى كلي لإحباط أي مساحات للتنظيم السياسي.

ثلاثة عقود مضت تحت الحكم العرفي لم تتوافر فيها إلا بعض الهيئات النقابية، كمؤسسة أخيرة لقوى اليسار، وبالذات في نصفها الثاني، بعد خروج الفصائل والتنظيمات الفلسطينية من الأردن، وقمع جميع الأحزاب الأردنية في حرب عامي ١٩٧٠-١٩٧١. لم يشفع تفريغ الإمكانيات الشعبية من اندلاع انتفاضة عام ١٩٨٩، إلا أن لعقود القمع التام أثراً بالغاً في طبيعة المكتسبات اللاحقة، التي اقتصرت على إعادة العملية الانتخابية للمشهد السياسي، وخروج الأحزاب من العمل السري، مع بدء تكثّف السياسات النيوليبرالية التي أتت على معظم القطاع العام في الأردن، وما يعني ذلك من تذرير كامل البناء الاقتصادي للدولة والمجتمع، وإعادة تركيبه، تحت سيطرة هائلة للقطاع الخاص، المعوْلم أكثر وأكثر، مع مرور السنوات.

عقدان آخران من الإفقار المتصاعد أتيا على الطبقة الوسطى في الأردن، التي تشكلت بفعل اقتصاد مخطط حكومياً. هذان العقدان انتهيا فعلياً مع بدء حركة احتجاجية في كامل المنطقة، منذ ٢٠٠٦، لم تستثن الأردن، وتم تتويجها بالانتفاضات العربية الكبرى منذ ٢٠١٠. عاد المعلمون والمعلمات في الأردن في هذا السياق، ضمن احتجاجات طبقات مفقرة لها مطالب اقتصادية واجتماعية، هي، في الجوهر، عمالية الطابع، طبقات متمثلة في النقابة، التي قادت الشارع في بداية العام ٢٠١١، مع انفتاح الأفق السياسي على مستوى كامل الإقليم.

فقد نجح المعلمون والمعلمات في إعادة إحياء نقابتهم/ن وانتزاع اعتراف الدولة بها، وسط أزمة النظام غير المسبوقة نوعياً، في آذار/مارس ٢٠١١. ولكن سرعان ما تراجعت الحركة الاحتجاجية، باستثناء بعض الفعاليات محدودة النطاق. ولا يمكن فصل ذلك عن الانتكاسة الأولى للحراك في الأردن، بعد القمع العنيف للمظاهرات الكبرى في نفس الشهر. عادت النقابة بعد سنة- وليس الحركة هذه المرة- لأحد الميادين الكبرى في عمان، احتجاجاً على الهيكلة المالية بما تعنيه من هجمة على المكتسبات، وحققت انتصاراً كبيراً، علماً بأن ما طرحته آنذاك كان أقل من المطالب المرفوعة من قبل، وحدث ذلك في ظل التصاعد الثاني للحركة الاحتجاجية في الأردن.

وبحسب طبيعة نظام الانتخاب الذي تم إقراره، في منتصف المسافة بين مطلب قطاعات واسعة من المعلمين، من جهة، والحكومة من جهة أخرى، انتزع الإخوان المسلمون حصة الأسد في نظام انتخابي أقل تمثيلاً من المطلوب، قاعدياً، وذلك بسبب انتفاء مبدأ النسبية في التمثيل. ومع صعود أول مجلس منتخب للنقابة، بدأت الحركة بالتصدع، ولكن لم تخلُ تماماً من بعض المواقف الجيدة، في الفترة اللاحقة، وكان أبرزها إعلان الإضراب خلال قمة الموجة الثانية للاحتجاج، في الأردن، المعروفة باسم هبة تشرين (٢٠١٢/١١).

هذا التضارب والشقاق، في صفوف الحركة- وكان له الأثر البالغ في القدرة على الدعم الفعال للانفجار الاحتجاجي القصير، الذي حدث في حينه، والإمكانات المتاحة أمام مؤسسة مدنية كبرى انتزعت اعترافاً من الدولة، ونشأت في ظرف سياسي غير مسبوق- يستأهل تفسيراً لطبيعة التنظيم والتمثيل اللذين حدثا، حيث تصاعدت بعض الخلافات بين فروع النقابة ومجلسها المركزي، في قضايا عمالية تمس المعلمين/ات، في ظاهرة تشير إلى تفريغ النقابة وبقرطتها، كمثيلاتها ذوات البنى القديمة، التي أوجدت في ظروف مختلفة. كما جرت انتخابات النقابة الثانية في الخامس والعشرين من آذار/مارس الماضي (٢٠١٤)، وأفرزت نتائج لا تختلف في عمومها عن النتائج السابقة، مع فرز أوضح لجسم حركة المعلمين/ات، بحيث توضحت المساحات والفواصل بين الكتلة اليسارية التقليدية، على اتساع تعريفها، وبين الإسلاميين المُنظمين ودوائر حلفائهم.

تحاول هذه الورقة أن تشير إلى الارتباط العضوي بين حركة المعلمين/ات النقابية وعموم الحركة الاحتجاجية في الأردن، لتدلل أولاً على المطلب الاجتماعي الاقتصادي، كمحرك فعلي لحركة الاحتجاج، وثانياً على العلاقة بين طبيعة التنظيم الانتهازي والإصلاحي، وسقوف الدولة ومحاولاتها للاحتواء، وثالثاً على وضوح الأهداف، والمقدرة على تحقيق انتصارات نضالية، وفق شروط المرحلة وأدواتها، ولتدلل رابعاً على خواء مقولات هوياتية شوفينية يشتهر الأردن بها اليوم، مع الأسف، تحاول أن تبتلع الحركة الاحتجاجية لصالح ترسيم جديد في مساحات النفوذ، داخل بنية النظام، ومن على واجهة الانقسام المقيت ما بين أردني وفلسطيني، السهل توظيفه. وتقوم الورقة أساساً على مقابلات مباشرة مع معلمين/ات، ومتابعات صحفية، ومواقع تواصل اجتماعي، على مدى ثلاث سنوات، ومناظرات في إطار حملات انتخابية جرت مؤخراً.

بدايات الحراك في الأردن

كسائر البلدان العربية، تكثّفت حركة احتجاجية عمالية في الأردن في العام ٢٠٠٧، مع تبلور حركة عمال المياومة في القطاع الحكومي، وحركة عمال الموانئ في العام ٢٠٠٨، وترافق مع ذلك ظهورُ عدد من المبادرات الاجتماعية، والفعاليات الحزبية، واللجان النقابية التي تطالب بحريات اجتماعية وسياسية، ومطالب اقتصادية، بالإضافة إلى الاحتجاج على احتلال العراق، وتصفية الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والعلاقات الأردنية مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. هذا وتصاعدت تدريجياً احتجاجات موظفي القطاع الخاص لتبلغ ما يقارب ثلاثة أرباع مجمل الحركة العمالية في ٢٠١٠، أي قبل حلول موجة الثورات العربية في بداية ٢٠١١، وأثر هذه الثورات المباشر في تشجيع قطاعات واسعة، للتعبير عن مظالم ومطالب من خلال الاعتصام والتظاهر والإضراب، حيث تشير الإحصاءات إلى تصاعد الاحتجاجات العمالية من ١٤٩ فعالية في العام ٢٠١٠ إلى ٨٢٩ في العام  ٢٠١١.

في هذا المشهد، انطلقت حركة المعلمين/ات لإعادة إحياء نقابتهم/ن. ولقد كانت تمت مواجهة مثيلٍ لهذا التحرك بالاعتقال، في نهاية السبعينيات. فأحمد جرادات، الذي تم تكريمه من قبل النقابة، بعد قيامها، «كعميد للمعلمين الأردنيين»، كان قد دعا إليها في العام ١٩٧٧، وسُجن لعام ونصف في حينها بسبب ذلك، وأحمد الخطيب كذلك في بداية الثمانينيات، وهو ناشط شيوعي، سُجن لعشر سنوات في نفس الظروف. ومع الانفتاح الديموقراطي الذي أنهى الأحكام العرفية في العام ١٩٨٩، وعودة الانتخابات النيابية، والأحزاب إلى النشاط العلني، خرجت مطالبات جديدة عن طريق جمع تواقيع تم عرضها على مجلس النواب، لإقرار عودة نقابة المعلمين، في العام ١٩٩٤، وأسفرت عن إقرار نوادٍ للمعلمين تابعة لوزارة التربية والتعليم، تحوّلت سريعاً من الانتخاب إلى التعيين.

التبرير الذي ساقته الدولة ضد النقابة، على مدى عقدين، دستوريّ الشكل، حيث لا يُسمح بحسب هذا المنطق لموظفي القطاع الحكومي بالانتساب إلى نقابات مهنية، وممكن لهم فقط الانتساب إلى إحدى النقابات العمالية السبعة عشر، المسيطر عليها من جانب الاتحاد العام، المدجّن تماماً، والمفرغ فعلياً من أي تمثيل حقيقي، حيث الانتخابات مجمدة بشكل شبه كلي للهيئات عامة، وغالباً ما كان يخرج هذا الاتحاد ضد أي حركة عمالية تحتج لدى إدارات المنشآت المختلفة.

ومثلما تجاوزت عدة حركات الأطر السابقة للنشاط السياسي، بعد أن تم تفريغها، على مدى عقود من القمع، نحو حركات احتجاجية مباشرة، انطلقت محاولة للمعلمين تدعو إلى لقاء في نادي معلمي عمان، في آذار/مارس ٢٠١٠، وحصلت على دعم إعلامي في بعض القنوات التلفزيونية المحلية، من خلال صحفيين نشطاء على علاقة مباشرة مع نواة الحركة، التي ستتشكل لاحقاً. حضر ٧٦ معلماً ومعلمة من مختلف محافظات الأردن، ولم تسمح إدارة النادي التابعة للوزارة بعقد الاجتماع، رغم اتباع النشطاء للإجراءات القانونية العرفية، التي تخلت عنها الدولة لاحقاً، إثر اندلاع الاحتجاجات في العام ٢٠١١. تشكّلت لجنة من أربعة عشر شخصاً، أطلق عليها مسمى «اللجنة التحضيرية»، وشملت كل المناطق، وبالضبط من هؤلاء المعلمين/ات الذين/اللواتي حضروا/ن، تلبيةً لهذا النداء الأول. وأغلب من حضر فعلياً كانوا من المناضلين/ات ذوي/ذوات التوجهات اليسارية والقومية، وفاعلين/ات في أطر حزبية ونقابية واجتماعية مختلفة.

دعت اللجنة إلى اجتماع ثانٍ في الأسبوع اللاحق، حضره ٢٠٠ شخص، وتمت مواجهته بالمنع أيضا. مع ظهور حركة المعلمين، التقط أحد الصحفيين تعليقاً من وزير التربية والتعليم في حينها، متهكما على هذه المطالبات بالقول: «على المعلمين أن يحلقوا لحاهم ويحسّنوا من مظهرهم، قبل المطالبة بنقابة لهم». وقد ساعد هذا الموقف في تغليظ جسم الحركة الوليد، التي كانت قد أسست أيضاً لجاناً مناطقية، على امتداد الأردن، لتعلن محافظات معان والطفيلة والكرك إضرابات متفاوتة في الدرجة استمرت لمدة ١٠ أيام، كرد على هذا التصريح الحكومي. في ذلك الوقت، انصب الجهد على تمثيل المناطق، وانتهى فعلياً دور لجنة الأربعة عشر لصالح لجان المناطق، وبهدف عقد لقاء وطني، عُقد على مراحل وفي مدن مختلفة خلال الشهر الرابع ٢٠١٠، وصولاً إلى الاجتماع في عمان، في شهر أيار/مايو ٢٠١٠، لجسم الحركة، التي أُطلق عليها في حينها اسْمُ «اللجنة الوطنية لإحياء نقابة المعلمين الأردنيين».

هنا، بدأت القوى المنظِّمة ذات التأثير في الأردن (الإخوان المسلمون والأجهزة الأمنية) بالدخول إلى المشهد. الإخوان دخلوا كأفراد من واقع تمثيل مناطقهم، جغرافياً، بحيث أصبحت اللجنة تتشكل من نواة الحركة اليسارية الطابع والإخوان المسلمين، في المواقع التي تخلو من هؤلاء النشطاء. والجدير بالذكر أن سرعة تشكيل اللجان مناطقياً تشير- بحسب بعض النشطاء- إلى دور الأجهزة الأمنية التي تُثّبت حضورها في أي عمل عام، من خلال ممثلين محليين، ليتم التأثير في اتجاه الحركة الاجتماعية، من داخلها، بينما عمد ممثلو الإخوان إلى تشكيل لجان وظيفية عديدة، أشبه بتلك المتبعة في العمل الحزبي، وهو ما سيقود حتماً- بحسب بعض النشطاء أيضاً- إلى عقد صفقات عُليا، بسبب تلزيم الحركة ممثلين غير قاعديين، من جهة، والبقرطة السريعة، من جهة أخرى، التي تعزل القاعدة الواسعة للحركة عن القيادة التي تم تخليقها.

وهنا، حصل أول انشقاق، بمبادرة من النواة الحراكية الأولى التي دعت إلى اللقاءات، في بداية الحراك، نتيجة لهذه الممارسات، وانضم لهذه النواة بعض المرتبطين بالأجهزة الأمنية، بهدف شق الحركة بشكل مؤثر. إلا أن النواة أصدرت بياناً مع هؤلاء يدعو إلى الإضراب والتظاهر، في ميدان رئيسي في عمان، تقع فيه رئاسة الوزراء، في خرقٍ لسقف أمني سابق، في مسعىً لاستغلال هذه المجموعة من المنشقين، ضد غايتهم الأساسية، وضد استفراد اللجنة الوطنية، وما آل إليه مجمل حركة المعلمين. عُرفت هذه اللجنة التي انشقت باسْم «لجنة معلمي الأردن»، وقد واجهت انشقاق النواة عنها لتخرج هذه الأخيرة لاحقاً باسم «لجنة عمان الحرة»، بعد إتمام الإضراب في شهر حزيران/يونيو ٢٠١٠، الذي هدف إلى تعزيز دينامية حركة المعلمين، في لحظة واجه الحراك فيها خطر الفشل والانتهازية.

وقد لجأت الأجهزة الأمنية في هذه المرحلة إلى شن هجوم مباشر، بعد أن أُحبطت محاولة شق الصف الأولى، فقامت خلال العطلة الصيفية بتحويل ما يقرب من السبعين معلماً ومعلمة من المناضلين/ات إلى الاستيداع، أو إلى مناقلات تعسفية، لضرب رأس الحركة الوليدة، ومن ضمنهم المعلمة والمناضلة البارزة أدمى زريقات، في الكرك. وهنا برز مجدداً الدور الطليعي للنواة، التي اتخذت شكل «لجنة عمان الحرة»، لتبادر بالدعوة إلى مسيرة من عمان إلى الكرك (١٠٠ كم)، في آب/اغسطس ٢٠١٠. ولم تدّخر الدولة جهداً لإفشال هذه المسيرة النوعية، عبر القمع العنيف المتمثل بالاعتقال، والفض القسري للمتجمهرين/ات، حيث مورس الضغط الاجتماعي على المنظّمين، مترافقاً مع جولة من الاستدعاءات إلى مراكز أمنية، ومنع تقديم أي مساعدة أو تعامل مع المسيرة، التي استغرقت ليلتين وثلاثة أيام، ومع مشاركين/ات يزدادون وينقصون، إلى أن وصل عددهم إلى حدود المائة، لحظة الوصول إلى الكرك، والاستقبال الشعبي الذي كان في انتظارهم.

نجحت هذه المسيرة بحكم نوعيتها، على عدة صعد: أولاً، استقال الوزير إبراهيم بدران، الذي اتسم تعامله بالمواجهة، ليحل في موقعه الوزير خالد الكركي، ذو الأسلوب الاحتوائي للحركة، في معرض استغلال خلفيته الاجتماعية، والضغط على ناشطي الكرك، باتجاه التهدئة، أو قبوله بحركات الاحتجاج والتعبير السلمي، وإطلاقه لوعود عديدة تلبيةً لمطالب حركة المعلمين. ثانياً، نجحت المسيرة في إعادة الزخم من حيث الدعوة مع اللجنة الوطنية- التي اتسعت لتصبح مركز الحركة- إلى اعتصام جديد في نفس الفترة، وفي نفس الميدان، في عمان، وهو ما وضع حداً لادعاء حصرية التمثيل بمجموعات معينة. وثالثاً، إعادة جميع المعلمين/ات الذين/اللواتي صدرت ضدهم/ن قرارات إدارية تعسفية. ورابعاً والأهم، إقرار علاوة تبلغ ١٠٠٪ على الراتب للمعلمين/ات، وهو ما هدفت الدولة، من خلاله، إلى الفصل بين مطلب النقابة ومطلب تحسين الأوضاع الاقتصادية، الذي يجذب القطاع الأوسع من الحركة.

هنا انكفأت الحركة، في نهاية العام ٢٠١٠، وخلال الفصل الدراسي الأول، بعد التهدئة التي تمت من قِبل الدولة، باستثناء بعض الاعتصامات الصغيرة، على مدار الفصل، ضد التسويف والتأخير في تنفيذ مطلب العلاوة، الذي تم إقراره، حيث كانت الدولة تتجه إلى حل مُبكر لمجلس النواب القائم، والدخول في مرحلة انتخابات مُبرِّرة بحد ذاتها للانتظار قليلاً، لدى فئات واسعة من المعلمين/ات. وهي انتخابات تمت مقاطعتها بشكل واسع، وأفرزت مجلس نواب منح الثقة بنسبة قياسية لحكومة سيتم حلها، بعد أربعين يوماً، على وقع اندلاع ثورات المنطقة.

الحراك في العام ٢٠١١: المعلمون/ات في قلب حركة الاحتجاج الشعبي

خرجت أول مظاهرة ضد الفقر والتجويع في ٧ كانون الثاني/يناير ٢٠١١، في منطقة ذيبان في الجنوب، البعيدة عن المدن الكبرى في الأردن. وقد هيأ لذلك نضال عمال المياومة، الممتد منذ ثلاث سنوات، في المنطقة، لتتبعها بعد ذلك، في مراكز المدن، وبشكل أسبوعي، مظاهرات «الحرية والعدالة الاجتماعية»، التي تُشكل جوهر المطلب الاحتجاجي في المنطقة، من خلال رفع شعارات ومطالبات ضد القبضة الأمنية على كل مناحي الحياة اليومية، وضد نهج الخصخصة والفساد، المسؤول بشكل مباشر عن الإفقار والتجويع والبطالة. ساهم المعلمون/ات كحركة احتجاجية متزامنة مع هذا التطور، بل قادت حركتهم/ن الجموع الجديدة المتدفقة إلى المشهد الاحتجاجي، إلى حد بعيد، سواء من القوى الحزبية الفاعلة، أو مشاركين/ات جدد في هذه التحولات.

وقد أسفرت هذه التطورات عن تدارك النظام للمشهد الجديد، محلياً وإقليمياً، وأطلق حزمة من الإصلاحات الفوقية بهدف الاحتواء السريع للحركة، من مثل حل الحكومة، وسحب قانون الاجتماعات العامة ذي الطبيعة العرفية، وإنشاء عدد من لجان الحوار لتستوعب كل القوى المنظمة، حول أجندة إصلاحية تقودها نخبة النظام الإصلاحية. وقد أعطت هذه التطورات زخماً جديداً لحركة المعلمين/ات، لتقوم النواة، مجدداً، المتمثلة بـ«لجنة عمان الحرة»، بالدعوة إلى الإضراب العام في ١٥/٣/٢٠١١، لانتزاع الاستجابة لمطلب نقابة المعلمين، بعد أن أثبت المعلمون/ات حضورهم/ن، في المظاهرات الأسبوعية المتعاظمة. وترافق بدء الإضراب مع الدعوة إلى الاعتصام المفتوح، في ميدان الداخلية، في ٢٤/٣/٢٠١١، في خطوة شبيهة بالسيطرة على ميدان التحرير في القاهرة، التي أطاحت مبارك.

فور بدء الاحتشاد في الميدان، وإدراكاً لدور حركة المعلمين/ات، بصفتها التمثيلية لقطاعٍ سكاني واسع (عدد المعلمين/ات في الأردن يزيد عن ١٣٠ ألفاً)، ولطبيعة المطالب الاقتصادية الواضحة القابلة للتجذير، سريعاً، في اتجاه الحيّز السياسي، مع نجاح الإضراب، واتساعه على مدى عشرة أيام، في ظل اندلاع زخم جماهيري ظل غائباً لفترة طويلة، أقر النظام خلال ساعات قليلة بدستورية نقابة المعلمين، التي عارضها لعقود طويلة، تحت الأحكام العرفية، وتحت الواجهة الديمقراطية الرقيقة، لعزل حركة ٢٤ آذار/مارس، التي بدت أكثر خطراً، من حيث طبيعة المطالب وسرعة التصاعد، وضرورة التصدي المباشر لها، بتفكيك مكوناتها، تمهيداً لعزل نواتها، والعمل على سحقها تماماً. وهو ما حدث في اليوم التالي، وبعد مبيت ليلة واحدة في الميدان، من خلال فض الاحتشاد العنيف، باستخدام قوات الدرك.

تراجع الحراك الشعبي الجديد، بعد تبني النظام برنامجاً مزدوجاً، يقوم على تلبية مطالب اقتصادية على مستوى القاعدة، لمنع تحوّل قطاعات واسعة إلى الحيّز السياسي، وعلى إطلاق جملة من المبادرات لاستيعاب القوى المنظِّمة، الراغبة في تعظيم مساحاتها، من خلال إصلاحات في البنية السياسية، تشمل قوانين انتخابات وأحزاب، وتعديلات دستورية، ووقفَ الرقابة على الإعلام، ودعم التنظيم السياسي. تحوّل الحراك هنا إلى تجمعات مناطقية متعددة، أكثر سيولة في الشكل والهدف، مع إطلاق حملة تشويه وتخوين لمن هم خارج سياسة الاحتواء المزدوجة هذه، بما في ذلك استغلال الشرخ المجتمعي الأكبر في الأردن، القائم على تضاد الأردني والفلسطيني، ليكون الأول موالياً، والثاني انقلابياً.

انكبت لجان المعلمين/ات المختلفة هنا، بعد انتزاع مطلب النقابة من الدولة، على مشاريع صياغة قوانينها وأنظمتها، بالحوار مع الحكومة، والتظاهر أمام مجلس النواب، لعدم تشويه النقابة، من خلال قانون يعمل على تفريغها، حيث أطلقت الحكومة قانون النقابة في شهر ت1/أكتوبر ٢٠١١، على الطريق لإجراء انتخاباتها الأولى، في الشهر الثالث من العام ٢٠١٢. إلا أن أزمة النظام الكبرى، المتمثلة في كامل بنائه الاقتصادي المفلس، والمنهك تماماً أمام التزامات الديون القياسية، والعجز المالي المزمن، وخصخصة قطاعات الاقتصاد الأساسية، في صفقات فاسدة ضاعفت من أزمته الممتدة، والمرتهن فيها لشتى القوى الدولية والإقليمية، وعلى رأسها التزاماته أمام صندوق النقد الدولي.  وقد وضعت هذه الأزمة النظام أمام تطبيق برنامج هيكلة للقطاع الحكومي يأتي أولاً على الدخل الفعلي للمواطنين، بعد أن تم احتواء حركة الشارع الاحتجاجية، إلى حد بعيد.

وقد تناول برنامج الهيكلة هذا قطاعات مختلفة من موظفي القطاع الحكومي، الذين/اللواتي طالما عُدوا من القاعدة الصلبة للنظام، وركَّز على العنوان السياسي المتبع في إحداث الشرخ المجتمعي العميق، أي بالتدخل لدى هؤلاء الأردنيين/ات مضموني/ات الجانب، في مقابل الكتلة الفلسطينية المثيرة للشك الأبدي في ولائها الحقيقي للنظام أو الدولة. واستمرت الاحتجاجات العمالية بالتزايد على مدار العام ٢٠١٢، لتصل إلى ٩٠٤ احتجاجات تم رصدها (وفق نفس المصدر السابق). وقد شكّل موظفو/ات القطاع الحكومي أغلبيتها، ولم تشذ حركة المعلمين/ات عن هذه القاعدة، حيث دعت لجنة عمان الحرة مجدداً إلى الإضراب عن تصحيح امتحانات الثانوية العامة، خلال الشهر الاول من العام ٢٠١٢، اعتراضاً في المقام الأول على برنامج الهيكلة.

ويُسجل هنا ضعف تماسك الحركة القائدة للمعلمين/ات. فالإخوان المسلمون كانوا في أفضل مراحل علاقتهم مع الحكومة، من خلال شخص رئيس الوزراء، في حينها، عون الخصاونة، المنفتح على عملية إدماجهم في الأجندة الإصلاحية، التي طرحها النظام، بينما اتساع التعريف لقوى اليسار يشمل الطروحات الانتهازية المتمثلة في كبح الحركة القاعدية، لصالح مكاسب سياسية للقيادات، حيث تمت الدعوة إلى فض الإضراب في أسبوعه الثاني، من دون تحقيق أي مطالب تتعلق بإلغاء قرارات الهيكلة الحكومية. إلا أن زخم القاعدة، ومجدداً بمبادرة من لجنة عمان الحرة، أدى إلى الدعوة لإضراب جديد، في بداية الشهر الثاني من العام ٢٠١٢.

كان هذا الإضراب هو الأكبر في تاريخ الأردن، وبنسبة التزام فاقت ٨٠٪، مُتْبَعاً باعتصام هو الأضخم، في نفس ميدان رئاسة الوزراء، لينتهي هذا الإضراب بإعادة إقرار علاوة المعلمين، ولكن على دفعات يتم تنفيذها في ثلاث سنوات، بموافقة أغلب اللجان التي ضمت الإخوان المسلمين، كما ضمت تكتلات لمناضلين/ات آخرين، واستثنت لجنة عمان الحرة. إلا أن هذا التراجع للحكومة حصل مع مكسب تمَّ تمريره خلال إدارة هذه الأزمة، وهو النظام الداخلي للنقابة، التي كانت لا تزال تشرف عليها، آنذاك، هيئة وزارة التربية والتعليم.

مجلس النقابة الأول

تم إقرار قانون القائمة المطلقة، المُنافي لأبسط قواعد التمثيل الديموقراطي النسبي، خلال التحشيد لإضرابات الهيكلة، وهو ما قضى على إمكانيات إعادة الحشد، في فترة قصيرة واجه المعلمون خلالها انتقادات واسعة، بسبب اتساع رقعة الإضراب، الذي مس مختلف شرائح المجتمع، عدا طبعاً عن اختلاف مصالح قطاع واسع من المعلمين المُنظَمين، في إطار الإخوان المسلمين. وقد جرت الانتخابات في آذار/مارس ٢٠١٢، وفق منافسة بين تشكيلات الإخوان، من جهة، وتشكيلات مذررة تتراوح بين نشطاء المعلمين/ات والأنوية الأساسية لحراكهم/ن، والمتنافسين/ات على مساحات ضيقة من جسم الهيئة المركزية، الذي سيتم فرزه في هذه الانتخابات. وقد ساعد هذا التذرير الإخوان على عقد تفاهمات لتذييل مجموعات، وقادة حراكيين، لصالحهم، مقابل الصعود معهم، وحدث هذا في الانتخابات العامة للهيئة المركزية، وفي انتخاب مجلس النقابة، من داخل الهيئة المركزية.

بلغت نسبة الاقتراع في العام ٢٠١٢ حدود ٧٨٪، وفي عمان ٧٣٪، باعتبارها مركز الثقل الأكبر. وتنافست في هذه الانتخابات عدة قوائم، في المحافظة الواحدة، بحيث جاء الحصاد كاملاً للقائمة الأكثر حصولاً على أصوات، حتى وإن كان بعضها لم ينجح بأكثر من ثلث الأصوات، في حين نجح أكثرها بثلثي الأصوات فقط. وتشير التقديرات إلى أن ١٩٠ إلى ٢٠٠ مقعد ذهبت إلى الإخوان المسلمين، من أصل ٢٨٦ مقعداً، في الهيئة المركزية، ما أفرز مجلس نقابة كان بأغلبيته من الإخوان المسلمين، باستثناء شخص النقيب مصطفى الرواشدة، الذي أصبح نائباً برلمانياً، في انتخابات كانون الثاني/يناير ٢٠١٣. ومن هنا، يصح القول أن الإخوان المسلمين سيطروا، بشكل شبه تام، على مفاصل النقابة؛ وتُحسب الإنجازات والإخفاقات لهم، بالتالي.

مع هذه الكتلة العددية الكبيرة، كان من المتوقع أن تحصل النقابة على موارد اشتراكات ضخمة، قابلة للتوظيف، لتحقيق استقلال مالي حقيقي لجمهور المعلمين/ات في الأردن. إلا أن ما تم فعلياً هو كُلَف تشغيل، وصندوق للتقاعد والتكافل لمن يرغب. هذا وقام المجلس الأول بتجهيز مقرات النقابة، في المركز والمحافظات، وتسهيل رحلات حج وعمرة، وتأمين خطوط هاتف خلوي، بسعر تفضيلي خاص. إلا أن الأهم هو الربط مع البنك الإسلامي، حصراً، للودائع والخدمات المصرفية، وعمل اشتراكات مع شركة تأمين صحي خاصة، مسجلة خارج البلاد، عوضاً عن مطلب توسيع التأمين الصحي وتعظيمه، داخل الإنفاق الحكومي، وليس خصخصته. كما وأنجز هذا المجلس العقد الموحد لمعلمي/ات القطاع الخاص، وأكمل إدماجهم في جسم النقابة قانونياً، ودعا إلى إقرار تعديلات في تعيينات الخدمة المدنية، وادعاء التدخل مع الحكومة، في مناهج أحد الصفوف، في ما يتعلق بتسمية إسرائيل بالعدو الصهيوني، في مقابل ادعاء نشطاء من المعلمين على المجلس بالتعامل مع المنظمة التربوية العالمية، ذات الشبهة التطبيعية مع إسرائيل. هذا وقد كانت النقابة ربما الجسم المؤسسي الوحيد الذي قاد إضراباً خلال هبة تشرين ٢٠١٢. مع هذا جرت خلافات عديدة بين الفروع والمجلس، واستقال عدد من الأعضاء المنتخبين في ما يشير إلى التفرد في القرارات.

وما تجدر الإشارة إليه هنا، بعد ثلاث سنوات من اندلاع ثورات المنطقة العربية، والفرصة السياسية التي حظي بها تنظيم الإخوان المسلمين، على مستوى المنطقة، إنما هو محدودية التغيير المنشود من طرف أكبر التنظيمات السياسية. إن دعم الانتفاضة المؤقتة، في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٢، يؤكد دور الإخوان المسلمين في اللحاق بحركة شعبية، لكسب تأييدها. كما أن الاندماج في البرنامج الاقتصادي للدولة ونخبتها الحاكمة، والقائم على دعم القطاع الخاص وتعظيمه، فوق مرافق الحياة العامة، من خلال خصخصة خدمات التأمين والتقاعد، وتوظيف المدخرات في شبكة الأعمال القريبة من تنظيم الإخوان، يُدّعِم الفكرة القائلة بسباق الإخوان للاندماج أساساً، في بُنية الاقتصاد الكلية للدولة، والسيطرة عليها، إن أمكن. ولا يعمل التنظيم على برنامج اقتصادي اجتماعي مختلف جذرياً عن هذه البُنية، وهو بالطبع ما يؤسس لتوجه النظام إلى سياسات الاحتواء والتفريغ والإدماج مع تنظيم له قاعدة شعبية، وتطلعات غير ثورية، يستطيع برنامج إصلاحي هزيل أن يتجاوب معها.

خاتمة: على ضوء انتخابات ٢٠١٤

قامت هذه الانتخابات الأخيرة، بالتالي، على التنافس على تحقيق مطالب بصناديق التقاعد والتأمين الصحي، وفتح ملفات الترقية والتنقلات والتعيينات مع الوزارة، والتدخل بقوة في المناهج الدراسية. هذا وقد فُرزت القوائم بشكل أكثر وضوحاً، إذا ما قورنت بانتخابات ٢٠١٢، بحيث تحددت المسافة بين الإخوان والآخرين في شكل كتلتين متنافستين. وبلغت نسبة الاقتراع الكلية ٦٨٪، مع هبوط كبير في نسبة مشاركة عمان، وكانت  بحدود ٥١٪. لقد فاز الإخوان، ولكن بهوامش أوسع، ثلثين إلى ثلث (في عمان، مثلاً)، مقابل النصف في محافظات أخرى، ومع خسارة محافظتي عجلون والعقبة، الأصغر نسبياً. بمعنى أن الإخوان أحرزوا ارتفاعاً في التصويت لصالحهم، لكن مقابل كتل واضحة تشكلت أمامهم أحرزت ارتفاعات نسبية أكبر بكثير، بمعنى تصاعد الفرز بين الجهتين، مع عزوف ٢٠٪ من القاعدة الانتخابية في عمان عن المشاركة.

ولقد تحقق الانتصار الأكبر في إقرار العلاوات، وهو المكسب الاقتصادي الأبرز، بحيث ارتفع المعلمون/ات من خط الفقر إلى شرائح الطبقات الوسطى، من خلال تضاعف الدخل. يبقى الآن إحراز دخل للنقابة يحقق لمنتسبيها الاستقلالية المتمثلة في ضمان التقاعد والتأمين الصحي، بعيداً عن الارتهان لشريحة من قطاع الأعمال وجدت في النقابة وسيلة لتعظيم أرباحها، وقاعدة جديدة لخوض مواجهات مع الدولة، حين ترغب في مفاوضتها.

الدور المتوقع، أخيراً، لنقابة المعلمين، في هذه المرحلة

إن المكسب الأساسي للمعلمين/ات، والقطاعات الشعبية الواسعة من خلفهم، هو تحقيق منظمة مدنية قادرة على الفعل في قلب العلاقات الاقتصادية الاجتماعية للمجتمع الأردني، وفي هيكل اقتصاد سياسي سيشهد هجمات متتالية على دخول العاملين/ات بأجر، من واقع الموجة العالمية للهجوم على المكتسبات الاجتماعية، المتمثلة في الدخل والتأمين والتقاعد والخدمات العامة، وأزمة النظام المالية المُستفحلة التي يتم تعويمها وفق تمويل يستخلص من علاقاته السياسية، في هذه المرحلة، التي تشهد تقلبات كبرى في علاقات الإقليم الجيوسياسية (أي التمويل الخليجي والأميركي والأوروبي). وهذه المنظمة النقابية قادرة على خوض جولات من المعارك القادمة على الدخول، ومستويات المعيشة؛ وباعتبار المعركة معركة نضالية ضرورية وممكنة، في مركز تناقضات النظام ونخبه الحاكمة، فإنه مطلوبٌ لها بالطبع قيادةً قادرة على توجيه هذه القدرات، والتفاعل مع حركات احتجاجية أخرى، في المجتمع.

* يود الكاتب أن يتوجه بالشكر والتحية إلى الرفيق الأستاذ محمود درويش، عضو لجنة عمان الحرة، على المقابلة العميقة التي أجراها معه، ودورها الكبير في إثراء البحث.

Space

نُشر المقال في العدد الخامس من مجلة الثورة الدائمة (آذار ٢٠١٥)