آخر المواد

أنا أستهلك إذاً أنا موجود

سلافوي جيجك يحلّل مأزق استهلاكيّة عصرنا الحاضر

سلافوي جيجك//

ترجمة: إبراهيم الطراونة//

Space

نشر سلافوي جيجك مؤخّرا ًمقالة في صحيفة الجارديان، بعنوان: ” شوكولاتة خالية من الدهون، ومنعٌ تامٌّ للتدخين: إحساسنا بالذنب من الاستهلاك، لماذا يستهلك عقولنا؟“، يحاول من خلالها تحليل مأزق استهلاكيّة عصرنا الحاضر، حيث تحوّل هدف الاستهلاك من ضرورة إشباع الحاجات الأساسيّة إلى الاستهلاك لغايات الانضمام إلى نمط حياة عصريّ أو تجربة خبرة معيّنة. يتبنّى جيجك تحليليّة لاكان في معالجته لفائض القيمة السلعيّ، ويستخدم العديد من الأمثلة لتوضيح معنى ”الخبرة الأصيلة“ التي استطاعت الرأسماليّة من خلالها تجاوز ”الاغتراب الاستهلاكيّ“.

ترجمة المقالة كاملة أدناه.


Space

”شوكولاتة خالية من الدهون، ومنعٌ تامٌّ للتدخين:

احساسنا بالذنب من الاستهلاك، لماذا يستهلك عقولنا؟“

خلال زيارتي الأخيرة إلى كاليفورنيا، ذهبت برفقة صديق من سلوفينيا لحضور حفلةٍ في منزل أستاذٍ جامعيّ، [وهذا الصديق السلوفينيّ بالمناسبة] مدخنٌ شره. في ساعة متأخرة من تلك الليلة لم يعد باستطاعة صديقي التحمّل، واستأذن صاحب البيت بأدب إن كان بمقدوره التدخين على الشرفة. عندما رفض المضيف ذلك بلباقة، اقترح صديقي الخروج إلى الشارع، لكن المضيف رفض ذلك أيضاً، مدّعياً أن التدخين أمام الملأ قد يؤثّر سلباً على صورته [صورة صاحب البيت] أمام الجيران. لكن ما أدهشني حقأًّ، أن الرجل نفسه عرض علينا بعد الانتهاء من العشاء تدخين صنفٍ من المخدرات، وهذا النوع من التدخين تمّ دون أي مشاكل – كأن المخدرات ليست أكثر ضرراً من السجائر.

هذه الحادثة الغريبة ما هي إلّا دليلٌ على المأزق [الذي تمرّ به] النزعة الاستهلاكيّة في وقتنا الحاضر. لتفسير ذلك، علينا [في البداية] أن نميّز بين  مفهومي المتعة (Pleasure) واللّذة القهريّة (Jouissance) كما صاغهما المحلل النفسي جاك لاكان: فما يسمّيه لاكان لذّة قهريّة (Jouissance)– هو فائضٌ مُهلك يقع بعد المتعة، لأنها [المتعة] حسب التعريف معتدلة. وهكذا نلاحظ وجود طرفي نقيض: أولاً، المُتَعيّ المستنير (Enlightened Hedonist)، الذي يقدّر بدقّة مآلات المتعة، حتى يطيل من أمدها ويتجنب الأذى. ثانيا، المتلذّذ الخالص (Jouisseur Propre)، الجاهز للانغماس بشكل كامل في فائض اللّذة المُهلك؛ أي، وبحسب المتعارف عليه اجتماعياً، الأوّل هو المُستهلك الذي يفكّر بنتائج المتعة، المُحصّن ضد كل أنواع المُضايقات والمخاطر الصحيّة، والثاني هو مُدمن المخدرات أو المُدخّن المصرّ على تدمير ذاته. اللّذة القهريّة هي ما لا يخدم شيئاً، والجهد الأكبر لمجتمعنا الشهوانيّ-النفعيّ المتسامح هو ترويض واستغلال فائض اللّذة الذي بدون قيمة والذي لا يخضع للمساءلة ليصبح ذو قيمة ومُسائلاً.

قد نتحمّل منطق اللّذة، وقد نلتمسه في بعض الأحيان، لكن شريطة أن تكون اللذة صحيّة، وألا تهدد استقرارنا النفسي أو البيولوجي: شوكولاتة، نعم، لكن خالية من الدهون. مشروبات غازية، نعم، لكن خالية من السكّر. قهوة، نعم، لكن بلا كافيين. بيرة، نعم، لكن دون كحول. مايونيز، نعم، لكن دون كولسترول. جنس، نعم، لكن جنس آمن…

تجنب الاستهلاكية

إذاً، ما الذي يحدث هنا؟ في العقد الأخير تقريباً حصلت نقلةٌ في اللّهجة التسويقية، [وظهرت] مرحلة جديدة من التّسليع سمّاها المُنظّر الاقتصادي جيريمي ريفكن: الرأسمالية الثقافية. نحن نشتري مُنتجاً –تفاحاً عضوياً مثلاً- لأنه يمثّل نموذجاً لنمط حياة صحيّة. وكما يُظهر هذا المثال، فإن مضمون الاحتجاج من منطلق بيئي على استغلال رأس المال الشرس للموارد الطبيعية، قد صار عالقاً سلفاً في تسليع الخبرات [الحياتية]: فبالرغم من أن [المذهب] البيئي يظن نفسه المتصدّي لتحويل حياتنا اليومية إلى عالم افتراضي، ويدعو للعودة الى الخبرات المباشرة مع الواقع الماديّ المحسوس، إلّا أن المذهب البيئي موسوم (Branded) بأنه نمط حياة جديد. فما نشتريه فعلاً عند شرائنا طعاماً عضوياً الخ، هو سلفاً خبرة ثقافية معيّنة: خبرة نمط حياة صحية صديقة للبيئة.

الشيء نفسه ينطبق على كل عودة للواقع الحقيقي: ففي مادّة اعلانية انتشرت بشكل واسع في الولايات المتّحدة قبل عقد من الزمن، نشاهد مجموعة من الناس العاديين يستمتعون بالشواء ويرقصون على أنغام موسيقى الكنتري، مع رسالة مرافقة: لحم البقر. طعام حقيقيّ لأناس حقيقيّين. المفارقة أن لحم البقر المقدّم هنا كرمز لنمط حياة معيّن (الطبقة العاملة الأمريكية التي تمثّل عامة الشعب الحقيقي) معالج كيميائيّاً وجينيّاً أكثر بكثير من الطعام العضوي الذي تستهلكه النخبة الزائفة.

ما نشهده اليوم هو التسليع المباشر لخبراتنا [الحياتيّة]: ما نشتريه من السوق لم يعد منتجات (أشياء ماديّة) نريد امتلاكها، بقدر كونه خبرات حياتيّة: خبرات في الجنس، الأكل، التواصل، استهلاك ثقافي أو المشاركة في نمط حياة. فكرة ميشيل فوكو عن تحويل ذات الفرد ذاتها إلى عمل فنّي يحظى هنا بتأكيد غير متوقّع: [فمثلاً] أنا أشتري لياقتي البدنية عن طريق زيارة نادٍ للّياقة البدنية؛ أنا أشتري استنارتي الروحيّة بالالتحاق في دورات للتأمّل الروحيّ؛ أنا أشتري شخصيّتي العامة عن طريق الذهاب لمطاعم يرتادها أشخاص أطمح بالانتساب إليهم.

إن المذهب البيئي المعادي للاستهلاكية هو أيضاً حالة أخرى لشراء خبرة أصيلة. فجاهزيتنا لتحمّل ذنب تهديداتنا للبيئة، تحمل بين طيّاتها طمأنينة خادعة: نحن نحب أن نكون مذنبين، إن كنا مذنبين فكل شيء يعتمد علينا، نحن من يحرّك خيوط الكارثة، لذا فنحن نستطيع إنقاذ أنفسنا ببساطة عن طريق تغيير [نمط] حياتنا.

ما يصعب قبوله حقاً (على الأقل بالنسبة لنا نحن في الغرب) هو أننا هُمِّشنا إلى الدور العاجز للمتفرّج السلبيّ الذي لا يسعه إلّا الجلوس لمشاهدة ما سيحلّ بمصيره. ولتجنب حالٍ كهذه، نميل للاشتراك في أنشطة قهرية محمومة، كإعادة تدوير الأوراق القديمة، شراء الأغذية العضوية، أي شيء، المهم فقط أن نطمئن إلى أننا نفعل شيئاً ما، نقوم بدورنا كأحد محبّي كرة القدم الذي يشجّع فريقه المفضّل أمام شاشة التلفاز في البيت، يصرخ ويقفز من مقعده، بإيمان خرافي أن أفعاله ستؤثّر في النتيجة…

ألا نقوم بشراء الأغذية العضوية لنفس السبب؟ من الذي يظن فعلاً أن التفاح العضوي نصف المتعفّن وباهظ الثمن هو أكثر صحيّة حقّاً؟ الفكرة هنا أننا، بشراء [هذا المنتج]، لا نستهلك سلعة فقط، بل نحن –وفي ذات الوقت- نقوم بفعل ذو مغزى، نظهر ذواتنا الخيّرة ووعينا العالمي ونشترك في مشروع جمعيّ كبير.

علينا ألّا نخاف رفض الاستدامة بحد ذاتها –وهي شعار دعاة البيئة في الدول المتقدّمة-، لكونها أيديولوجيا خرافيّة ترتكز على فكرة التدوير المغلق حيث لا وجود لفاقد. بعد إمعان النّظر، نستطيع البرهنة على أن الاستدامة دائماً ما تشير إلى عمليّة محدودة لفرض التوازن على حساب البيئات المحيطة الأكبر. فكّر [مثلاً] بالمنزل الأمثولة لأحد المدراء الأغنياء المستنيرين بيئيّاً، والواقع في أحد الأودية الخضراء المعزولة بالقرب من غابة وبحيرة، المعتمد على الطاقة الشمسيّة واستغلال المخلّفات كسماد، وذو الشبابيك الواسعة للاستفادة من الضوء الطبيعي، الخ: تكاليف بناء هذا البيت (التكاليف البيئيّة وليس الماليّة فقط) تجعل منه متعذّراً على الأغلبيّة. لبيئيٍّ مُخلِص، تعتبر المدينة هي مكان الإقامة المثالي حيث يسكن الملايين بجانب بعضهم البعض؛ وبالرغم من أن هذه المدينة تنتج الكثير من المخلّفات والتلوّث، إلّا أن نصيب الفرد من هذا التلوّث أقل بكثير من ذلك الذي تنتجه عائلة عصرّية تسكن الرّيف. فكيف لذاك المدير أن يذهب من منزله الرّيفي الى مكان العمل؟ قد يذهب على متن طائرة عموديّة، تجنباً لتلويث العشب حول منزله…

حتى نوجز، نحن اذاً لا نشتري المنتجات أساساً لنفعيّتها أو للرمزيّة [التي تحملها] عن وضعنا الاجتماعي، إنما كي نحصل على الخبرات [الحياتيّة] التي تقدّمها، ونستهلكها كي نجعل حياتنا أكثر متعة وذات معنى.

هذه حالة تفسّر الرأسماليّة الثقافيّة: حملة ستاربكس الإعلانيّة [المعنونة بـِ] القصة ليست فيما تشتريه (Buy)، بل فيما تشارك فيه (Buy into)، وبعد الإشادة بجودة القهوة، يستمر الإعلان: لكن، عند شرائك من ستاربكس، سواءً أكنت تدرك ذلك أم لا، فأنت تشارك في شيء أكبر من كأس قهوة فقط. أنت تشارك في أخلاقيات [صناعة] القهوة. من خلال برنامج “كوكبنا المشترك” من ستاربكس، نحن نشتري القهوة [من منافذ بيع ذات] أسعار عادلة أكثر من أي شركة أخرى في العالم، كي نضمن أن المزارعين الذين ينتجون حبوب [القهوة] سيبيعونها بأسعار تنصف عملهم الشاقّ. بالإضافة الى أننا نستثمر في، ونطوّر، الخبرات والمجتمعات المُنتجة للقهوة حول العالم. إنّها كارما القهوة الخيّرة… آه، وجزء قليل من سعر كأس القهوة في ستاربكس يساعد على تأثيث المكان بمقاعد مريحة، موسيقى ممتعة، وعلى خلق بيئة مناسبة للخيال، والعمل، والدردشة. كلّنا يحتاج أماكن مثلها هذه الأيّام. عند اختيارك ستاربكس، فأنت تشتري كأس قهوة من شركة تهتم. فلا عجب أنها ذات مذاق رائع.

الفائض الثقافي هنا واضحٌ [جداً]: السعر أعلى مما هو عليه في [المقاهي] الأخرى لأن ما تشتريه حقّاً هو أخلاقيات القهوة التي تتضمّن رعاية البيئة، المسؤوليّة المجتمعيّة تجاه المنتجين، بالإضافة الى المكان الذي تشارك أنت فيه بالحياة المجتمعية.

هكذا استطاعت الرأسمالية، على مستوى الاستهلاك، إدماج إرث عام 1968 [التحرّري المتمثّل بـ] نقد الاغتراب الاستهلاكي: [جعلت]  الخبرة الأصيلة ذات أهميّة. أحد الإعلانات الحديثة لفندق هيلتون تتكوّن من ادّعاء بسيط: السّفر [ليس تجربة] تأخذك من المنطقة أ إلى المنطقة ب فقط، بل عليها أيضاً أن تجعل منك شخصاً أفضل. هل بإمكاننا مجرّد تصوّر إعلان كهذا قبل عقدٍ من الزمان؟ التعبير العلميّ عن هذه الروح الجديدة هو صعود مبحث جديد: دراسات السعادة. لكن [السؤال المحيّر] هو: كيف إذاً -وفي حقبتنا التاريخيّة [الموسومة] بروحانية المتعة، وعندما أصبحت السعادة تعرّف مباشرة كهدف للحياة- ينفجر القلق والاكتئاب؟


Space

بالرغم من وجود اختلافاتٍ في الواقع الاستهلاكيّ بين مراكز الرأسماليّة وبين الأطراف، إلّا أنّ هناك ممارسات متقاربة على مستوى الإطار العام لتحليل سلوك المستهلك. رأس المال الثقافيّ قد يَظهر بطرقٍ مختلفة تبعاً للنمط الاقتصاديّ السائد والبيئة الاجتماعيّة، فتسويق المشروبات الغازيّة الخالية من السكّر مثلاً على أنّها منتجات أكثر صحّيةً ما هو إلّا وهم استهلاكي صريح، والبدائل الاستهلاكيّة المتوفّرة في اقتصاد ناشئ قد تكون أقل منها في اقتصاد آخر مرفّه، لكنّ المُنتِج -أينما كان- لن يستطيع تجاوز نزعات المستهلك النفسيّة، وستخضع منتجاته بالضّرورة لحاجات مثل الشعور بالتميّز وأصالة الخبرة. من الأمثلة على ذلك هو التوسّع الأفقي الذي تمارسه شركات إنتاج المشروبات الغازيّة بإضافة المياه المعدنيّة والعصائر الطبيعيّة لقائمة منتجاتها.

 مثلما استطاعت الرأسماليّة تجنيد معارضي النزعة الاستهلاكيّة من خلال توليد سلع وخدمات تناسب أخلاقيّاتهم كالمنتجات الصديقة للبيئة، فإنّها كذلك ،وضمن أساليب كثيرة، قادرةٌ على خلق سلع مناسبة لأنماط الحياة التعدّدة في البيئات الاستهلاكيّة المختلفة، وفهم هذا التحليل ضروريّ لإنضاج آليّاتٍ واعيةٍ نستطيع من خلالها أن نواجه مفارقة الاستهلاك الحديث.