آخر المواد

ورقة مفاهيمية: الهوّية والوهم

وثيقة لـ’مسار تحرّري‘ بقلم أحمد الشولي //

Space

تتعدد السياقات التي ترد فيها الهويّة كمركب مفاهيمي شامل، كممارسات وخطابات يومية لعقلنة وفهم الناس لأنفسهم وما يحيط بهم، وكيف يتساوون مع الآخرين وكيف يختلفون عنهم. ستحاول هذه الورقة أن تحلل هذه الممارسات والآليات المنتِجة للمخيلة السياسية صانعة الهوية من روافد عديدة (الأمة، العرق، الإثنية، الطائفة، الجنسّ، … الخ)، وستقدم تعريفا للهوية بما يتناسب مع التفكيك المفاهيمي المنوي خوضه في الفقرات التالية.

Space

من الجزء إلى الجزئية، لا الكل

عادةً ما تظهر الهويّة في النصوص الأدبية والأكاديمية والسياسية كأرضية للفعل الاجتماعي، أي أنها توفر تعريفا للأُطر العامة وفق خصائص ذاتية محددة مقدّمة على فهم موقع فرد أو مجموعة ما في بُنية اجتماعية كلية، بمعنى: من الفرد/الذات إلى المجموع -إن وُجد-، وليس العكس. لا تُقدم الهوية عادةً فهما شموليا للبُنية يعطي تفسيرا لموقع الفرد فيها، بما يحمل من هوّيات عديدة، بل هي عنوان لفهم أولي، ينافي لمفهوم المصلحة كدافع للفعل، وذلك بحكم انفصالها عن تعريف البُنية الاجتماعية كمصدر للتفسير والتحليل، والتمترس وراء روافد تعريف تبقى قاصرة عن كليّة التحوّلات الاجتماعية بحكم اعتبار الهويّة أوّلية وليست بالضرورة نتاجا لبُنية علاقات اجتماعية تتحرك عبر التاريخ.

إن استندنا إلى تعريف السياسي بأنه “إدارة الواقع”، ولأن الهوية أقل من الواقع من حيث أنها منظورية، نسبية، جزئية، وإن كانت تعكس حقيقة ما، إلا أنها لن تكون مجمل الحقيقة حتى لصاحب هذا المنظور، فسنعتبر أن الهوية هي “شكل سياسي أولي”، أو “شكل سياسي قاصر/محدود”، لكن ذلك لا يلغي أنها “سياسية” بالضرورة من حيث أنها موجودة من أجل السياسة بالذات، ولتحقيق مصالح محددة متعلقة غالباً بالطبقة المهيمنة، وقد يكون من المناسب الفصل هنا بين شكلين اجتماعيين: المجتمع الأهلي حيث ثمة شرعية ما لكل الهويّات بصفتها جزءاً من المكوّن الاجتماعي العام وجزءاً من حرية العقيدة والاعتقاد والرأي، والمجتمع السياسي الذي يتشكل من المواطنين المتساويين بالكامل بغض النظر عن هويّاتهم، و بحيث لا يجب أن يُعاد إنتاج المجتمع الأول في الثاني (مثلا: العشيرة وجودها إيجابي كتنظيم اجتماعي تكافلي تعاوني، ومدمّر عندما تتحول الى تنظيم سياسي).

لكن، حتى وإن كانت هويّة جمعية تتجاوز فرد ما إلى مجموعة متماثلة في جانب معيّن، تبقى شكلا “ما قبل سياسي” بحيث تنطلق من الجزء إلى الكل، من الفرد إلى المجموع، من المجموعة إلى المجتمع بحسب ما تدّعي على الأقل، وهي أوّلية لأنها لا تعتبر أن هيكل العلاقات الاجتماعية والسلطة من خلاله مصدر تأجيج جانب هوياتي معين في لحظة ما مقابل ضمور لجانب آخر، بمعنى التعامل مع المفرزات والنتائج ونفي العلاقات السببية وتحييدها.

ورغم أن الهوّياتية تقر بالروافد المتعددة وأن بعضها أقدر على التفسير والفعل، لكنها تمارس دوغما انغلاقية وإطلاقية على نفسها وعلى المحيط بل وعلى روافدها أيضاً، وإن كانت الهويّاتية قادرة -في سياقات ما- على نفي الصراع الداخلي بين مكوّناتها أو بينها وبين هويّات “شريكة” أو “مجاورة”، إلا أن هذا النفي أو التسوية هي في حكم الصراع المؤجل الذي ينفجر في لحظات لاحقة (مخرجات الربيع العربي كمثال، إذ خرجت الطائفية من رحم القومية العربية، والهجمة على الاسلاميين من رحم المؤتمر القومي الإسلامي وهكذا)، وبمعنى انتفاء الجدل والصراع فيما بين مكونات متعارضة (الوطني مقابل الطائفي على سبيل المثال)، وذلك من خلال إيقاف الزمن عند لحظة معينة يستطيع الفاعل من خلالها إبراز جانب ما على جبهة ما والاحتفال بإنجاز ما، ومساواة هذا الإنجاز مع تقدم على مستوى المجتمع بتغيير جذري في نمط العلاقات الاجتماعية (في الإنتاج والوظيفة تحديدا)، مصدر إفراز مخرجات ومكونات هوياتية (الوطني والطائفي)، بل اعتبار أن هذا الأخير هو مجال الفعل الأهم، المباشر والملموس من قبل الأفراد؛ الذوات الفاعلة وليس أسبقاً عنهم. الهوّية تحدد نقاط للبداية ولا تأبه كثيرا بسياقات إنتاج نقاط البداية، فهي كما من الممكن أن تكون هوّية سياسية يكتسبها الأفراد نتيجة نشاط اجتماعي ما، من الممكن أن تكون أيضا تعبيرا عن تخيّلات مهيمنة لوحدة مجموع ما (أبرز هذه الهيمنيات هي المجموع القومي). سبب اختلاطها هذا بين التعبير عن حركة اجتماعية من جهة والتعبير عن رؤى مهيمنة من جهة أخرى هو هذه الأوّلية التي تدعيها الهوّياتية كمنهج تفسير للعلاقات الاجتماعية وحركية الأفراد والمجموعات.

Space

هي الذات إذاً وليست الوعي

الذات توجد في علاقاتها مع القوى المحيطة بها، سواء تلك المتعلقة بالسلطة السياسية ومؤسساتها، أو مستويات الهيمنة الواقعة خارج مؤسسات السلطة المباشرة. هكذا تخبرنا مقولات أن لا بدايات ذات أهمية عينية. هكذا إذا، لا تعريف لإنسان خارج تفاعلاته مع القوى المحيطة به، إلا أن المنظور يقع على الذات وليس على بُنية المجتمع، أي أن السلطة يتم تعريفها من خلال الذات وليس تعريفه هو من خلال السلطة، وهذا ما يخلق من الفرد ذاتاً متمايزة عن الأفراد الآخرين، لها اهتمامات وتطلعات مختلفة تماما عن غيرها.

ما أهمية هذا التمايز بين ذات وأخرى أو مجموعة وأخرى على روافد هوّياتية؟ الذات تتعامل مع القوى المحيطة بها، ولكن كيف يكون هذا التفاعل مناهضا إن لم يكن واعيا لامتدادات ارتباط السلطات ومبانيها الكلية خارج محيط الذات مباشرة؟ هذا الوعي يتطلب الإقرار بديمومة علاقات القوى من قَبل الذات ومن بعدها، وبمعنى لا أوّلية تحقق الذات والإقرار بأنها ليست ساحة ولا أداة مواجهة السلطة أو طبقات الهيمنة التي تُشكّل كل ذات بمفردها.

هذا تحديدا ما يجيب عنه تساؤل ما إذا كانت السلطة تتشكل من خلال تعامل الذات أو مجموعة من الذوات معها. علينا أن نُقر هنا أن للسلطة مؤسسات واسعة وجمعية لا تتخصص في مقابل كل ذات أو مجموعة (التعليم، القضاء، الشرطة، ومواقع العمل، … الخ)، وبالتالي ضرورة العمل الجمعي والوعي الجمعي إقرارا بالعلاقة اللا متكافئة بين السلطة والذات أو المجموعة لمصلحة الأولى، وأن السلطة غير مشتتة بل لها جملة أهداف تحققها، ولا حسم من خلال نضال ضد إحدى مؤسساتها لأن السلطة تعبر عن مجمل العلاقات الاجتماعية وليس جزئيات منها، أي أن النجاح في القضاء على أحد أشكال الهيمنة لا يمنع شكلا جديدا ومختلفا ما دامت بُنية إنتاج الهيمنة ليست في مرمى أهداف الفعل.Space

الهوّية تنتج آخراً، ولا تصمد حدودها وفق جدلية الوجود

المجموع المتشكل من ذوات متشابهة في جانب ما، والذي أنتج هوّيته تشكل من خلال علاقته مع القوى المحيطة به، أفرز آخرا ومغايرا لا ينحصر في علاقات هذا المجموع مع السلطة والهيمنة، بل آخرا نتج من علاقات مع قوى يقع المجموع المعرف نفسه خارجها. فالهوّية ليست فقط جمعا عبر التلاقي بل تفريقا عبر الاختلاف. إيجاد الآخر حسب هذه الجدلية يفترض كُلاً، أي أن لا مجموع معين مستقل ومتفرد لأن الغير والآخر في كل مكان، ولا جوهر دون الوقوع في شبكة علاقات هذا الآخر، ولا حقيقة بالتالي خارج الوعي بالكلية، ولا وجود منفرد لأن الوجود هو الكمال المُدرَك في لحظة حاضرة، بينما هذه اللحظة نتاج لسلاسل مركبة من العلاقات نسيجها ليس حاضرا راهنا ولا سياقا خاصا.

الوجود من حيث هو التحديد بحدث أو شيء أو لحظة، هو حسم أمام امتداد العلاقات الاجتماعية خارج هذه المحددات، وهو التعتيم على المساحة الحدية التي يتمازج فيها الداخل (الذات) بالخارج (الآخر، كائنا ما كان)، منتجا – أي التعتيم على هذا التمازج – لهوّية الذات. فالآخر هنا يتم تعريفه كخارج منفصل وليس من خلال علاقة تبادلية لازمة، والذات بالتالي لا تنتسب إلى نسق تفاعل كلي، وهي بالتالي جوهر لأنها خرجت من العلاقات والتفاعلات المستمرة. الوجود إذاً ثبات يتعارض مع صيرورة التبدّل في العلاقات الاجتماعية وفق الفعل الاجتماعي والسياسي، والذي تُقاس جذريته بمدى اتساقه مع مفهوم الكليّة في هذه العلاقات وإمكانية إحداث تغيرات جوهرية تتجاوز الذات، من حيث مقدرة الكلُية على إنتاج ذوات جديدة ولا مقدرة الذات في المقابل على تغيير أو قلب للعلاقات الاجتماعية المنتجة لها.

Space

من الذات الفردية وهوّيتها إلى ذات جمعية وهوّيتها في المجتمعات المعاصرة (الحداثية وما بعد الحداثية)

إزدهار العلوم وتقدمها أتاح تطورا عميقا في الإنتاج المادي أعاد ترتيب العلاقات الاجتماعية من خلال صيرورة ثورية وانقلابية على مجمل بُنى السلطة القديمة، وأنتج مجتمعات حداثية في مفاصل إدارتها الكلية بحيث تتوافق مع التغير الجذري في الإنتاج والنمط الاقتصادي الجديد. هذا التغيّر في الإنتاج أفرز وعيا بتحرك الزمن من خلال تحطيم ثبات العلاقات السابقة بما يعنيه من التجرؤ على اليقين القائم على تجارب مباشرة ومتناقلة، خاصة وذاتية، لا كُليّة ولا كوّنية بغياب العلمانية. الحداثة هي العكس، هي عالمية ووحدة قوانين الطبيعة، ولا ذاتية الفواعل ولا تشكيل خاص لهم خارج هذه الطبيعة، بل هي الخروج من الذاتيّة إلى الطبيعة / الكُل. لكن التحوّل الحداثيّ هذا كان جزئياً: ففي حين تمّ نقل المجتمع الأهلي إلى خارج المجتمع السياسي، لم يتم إلغاء مكوّنات الهوية بالمطلق لصالح “الجديد”، أضف إلى ذلك أن “عالميّة” و “كونيّة” المرجعيات متعلقة ببنى الهيمنة مباشرة ومرتبطة بها، فلا تطبّق هذه العالمية الحقوقية والانتاجية والمعرفية وحتى ما يتعلق بحريّة السوق في الأطراف والمستعمرات. الموضوع إذاً وظيفيّ وصادر عن بنى أعمق ذات مرجعيات هيمنية، وهو بهذا المعنى إقصائي وانعزالي.

المجتمعات الحداثية التي انتظمت وفق ثورة الإنتاج تشكّلت وفق نمط الإنتاج الذي حكمها، أي الإنتاج الرأسمالي الذي أبقى على جوهر التركيب الطبقي. أفرز هذا الواقع بدوره حداثة ثورية تقوم على محاولة قلب نمط الإنتاج لإفراز مجتمع لا طبقي في استمرارية للوعي بتحرك الزمن وعدم ثباته، وإدراك مركزية الإنتاج في العلاقات الاجتماعية الكلية كساحة الصراع الوحيدة القادرة على هذا.

نمط التطور الرأسمالي في المقابل خلق أسواقا تدور فيها حركة الإنتاج (المواد الخام، الأيدي العاملة، أسواق تصريف البضائع)، واستدعى مساحة جغرافية للتصنيع وتصريف البضائع يجب حمايتها – السوق القوميّة، واستدعى نظاما قانونيا صارما لضبط علاقات الانتاج، واستدعى شكل الدولة المعاصرة وأوجد دوائر نفوذها وهيمنتها، واستدعت تلك الدولة وعيا قوميا داخل حدودها لتوحيد عناصرها وتبرير هيمنتها وسلطتها على المجموع الشعبي الخاضع لها، مستخدمة من اللغة والتراث ما يناسب إفراز هوّية لها تلك الحديّة التي تفرز ذاتاً – قومية هنا، وتفرز آخرا مغايرا، على قاعدة قومية عامودية وليست طبقية أفقية.

إلا أن الرأسمالية وبطبيعتها التوسعية الناتجة عن تراكم فائض القيمة، وبسعيها الدائم إلى المزيد من الأرباح، وما يولّده ذلك من تنافس على المصادر والأسواق والعمالة، تجاوزت السوق القومي الذي أنتجته، لأنها عالمية، ولا تنجو إلا بتصفية الخصوم وإخضاع المجموع من خلال قانونها القائم على فائض القيمة والضامن لاستمرار سلطة الطبقات المهيمنة والحاكمة، لأن المُلكية بذاتها لا تنجو إن لم تسيطر على مجمل العلاقات الانتاجية من خلال استمرار النمط وضمان عدم توقفه. هذا التنافس في داخل السوق القومية وخارجها أدى بالرأسمالية إلى استمرار البحث عن فضاءات جديدة والتطور باتجاه الإمبريالية، فوق السوق القومي ولأجله وإلى ما بعده، مُلحِقةً مجتمعات بأكملها بشكل جزئي داخل المنظومة الرأسمالية العالمية، بما لا يتطلب بالضرورة تنظيما كاملا داخل هذه المجتمعات المُلحقة وفق القاعدة القومية الضابطة للإنتاج في فضاء معين ومحدد، ليختلف دور الدولة من مكان إلى آخر بحسب رأس المال الذي ترعى مصالحه.

عبور وانسياب رأس المال عبر حدود الدول الحديثة التي أنتجها بحكم عالميته أوجد وعيا مشوها كنتيجة لتشوّه التعريف الكلي للعلاقات الاجتماعية. حواجز القوميات المتعددة والصلبة تقع في وسط العلاقات الاجتماعية التي تم تعريفها من خلال مركزية الإنتاج، ولا كلية القومية بالتالي في تفسير هذه العلاقات، وعودة ما دون الدولة القومية (العرق، الجنس، الطائفة، … الخ) في ظل عدم تشكل ما هو فوق الدولة القومية (عدم التحلل التام للدولة القومية في مسايرة لحركة رأس المال). حالة ما بعد الحداثة هذه – من حيث أن الحداثة هي كونية النمط، أفرزت وعيا مكانيا مغايرا متناسبا مع جزئية التنميط، والعودة مجددا إلى الذات باعتبار سقوط مقولات النمط الكلي وعدم وحدته (تقاطعات عبر الطبقات وعبر الكيانات السياسية في آن واحد)، وإدراك الذات وفق علاقات السلطة المحيطة بها في ظل كل هذا التباين.

صعود حركة مناهضة الاستعمار في المقابل قام على وعي يلامس قلب العلاقات الاجتماعية الكلية، من ثنائية مستعمَر/مستعمِر. النجاح في دحر الاحتلالات العسكرية وأنظمة المستعمرات من أغلب بقاع الأرض قام على جوهر العلاقات الاجتماعية، إلا أن تشكله الوطني والقومي والديني المقابل للاستعمار الأجنبي أوجد استقلالا سياسيا لبراليا، وغالباً ما كان هذا “الاستقلال” والنظام اللاحق له يقومان برعاية المستعمِر القديم، والذي سرعان ما سقط في فخ عدم إدراك العلاقات الممتدة عبر الحدود السياسية الجديدة، أي تشوّها مسايرا لتشوهات ما بعد الحداثة في مجتمعات الشمال، وإن كان قادرا على الحفاظ على هوّية مُنتجة أوسع، أي الهوّية القومية، المقاتلة ضد الاستعمار والاضطهاد بحكم علاقات المراكز الرأسمالية والأطراف والأثقال المتوزعة في هذه العلاقة. ولكن عدم التماثل مع كلية العلاقات الاجتماعية مجددا أفرز سياقا مدافعا عن هوّية لا تدرك هذه الكلية، فانحرفت حركة ما بعد الاستعمار إلى لا كونية ولا كلية الطبيعة، من حيث ذهابها إلى ترويج قيم مكانية تناسب الهوية القومية، تاركة وراءها كل قيم الحداثة القائمة على الكونية والعالمية.

Space

أزمات هوّية من المنطقة:

١. فلسطين، التراجع عن هزيمة الصهيونية وتفكيك دولتها “إسرائيل” إلى عنّونة اليهود واختراع القُطرية

“ان مقاطعة جنوب سوريا لا يجب ان تنفصل عن الحكومة العربية السورية المستقلة ويجب ان تكون حرة من الحماية والهيمنة الاجنبية”.

المؤتمر العربي الفلسطيني الأول من ١٩١٩/١/٢٧ إلى ١٩١٩/٢/١٠، القدس

هذا نص من سيل قرارات وبرامج لمؤتمرات عقدت في طول البلاد وعرضها قبل أقل من قرن من يومنا هذا. هكذا إذا رأى أجداد فلسطينيّ اليوم أنفسهم؛ كسوريين، وأجداد هؤلاء من قبلهم كعرب وأيضا كعثمانيين. بيت القصيد هنا أن هذه التمثلات الهوياتية لا تنفصل عن العلاقة مع السلطة القائمة من الاندماج فيها إلى الانسلاخ عنها، بل هي استدعاء لتركيب هوياتي معبر عن العلاقة مع السلطة الصاعدة والمستقرة والمنحدرة إلى التفكيك.

لم يكن الفلسطينيون بمفردهم من اعتبر الصهيونية ودولتها القادمة تهديدا حيويا لمصلحتهم، ولكن تحولات الاستعمار – كفاعل أولي في تشكيل المنطقة سياسيا، والانتقال إلى ما بعد الاستعمار وتحقيق الكيانية السياسية في المنطقة أفرز أصل وجذر الدول المعاصرة هنا. لم يناضل “جيل الاستقلال” لأجل هذه الدول، ولكن واقع ما بعد الاستعمار وبشروط الاستعمار أفرز كيانات سياسية لها سلطات تابعة له ولمشروعه الرأسمالي القابع – مجددا – في مركز العلاقات الاجتماعية (الإنتاج، والسوق، والعمل).

الاندماج في مشروع الدولة القُطر – رغائبيا أو واقعيا – صنع مركزيات محلية ببُنى اجتماعية آخذة بالانسلاخ عن العلاقات السابقة، وباتجاه هياكل أقل تعبيرا عن المجموع السكاني الذي واجه هذه التحولات بحركات عدة أبرزها الإطار القومي، إلا أن واقعه الرد فعلي لم يقدم تصورات مغايرة جذريا في مركز علاقات الإنتاج، بل مشروع إقليمي بلا أدوات مادية غالبا كبديل عن هيمنة محلية بأدوات إلحاق فاعلة مع الاستعمار، وتآكل تدريجيا لصالح البُنية المركزية الجديدة المهيمنة على الاقتصاد والتوزيع. هكذا انجرفت القضية الفلسطينية أيضا عبر العقود من خلال منظمة التحرير الفلسطينية تماشيا مع باقي الأنظمة في المنطقة، من التحرير إلى الدولة، ومن الدولة الفلسطينية إلى دولة فلسطينية (بسقوط ال التعريف)، ومن فلسطين إلى إعادة اختراع فلسطين بما يناسب الفسحة الباقية لقيام هذه الدولة (يُرمز إلى سكان جنين وما حولها اليوم في رام الله على سبيل المثال، بأهل الشمال!).

الهوية النقيضة لفلسطين هي الهوية “الإسرائيلية”، أو هكذا يُفترض على الأقل. هذا التناقض في المقابل قابل للتفريغ في تناقضات أخرى حسب منطق الدولة. بمعنى أن تشكل مشروع جمعي مُعبّر عنه أساسا في الهوية الفلسطينية سبق وأن نزع وسينزع دائما إلى مشروع فلسطيني في المقام الأول وليس ضد “الإسرائيلي” حصرا، وذلك تحديدا لسحب الصراع من ساحته الحقيقية (الصهيونية متمثلة “بإسرائيل”: مشروع استعمار استيطاني هيمني في المنطقة، مرتبط عضويا في النظام الرأسمالي العالمي من خلال مركزيته الإقليمية) إلى ساحة القومية المعاد تشكيلها حسب تطور علاقات الإنتاج، أي إلى البيروقراطيات التي أنشأها الاستعمار والتي تدير الحدود وتمرّكز الاقتصاد المحلي من حولها والإقليمي من حول “إسرائيل”، ودور ذلك في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والسياسية (من الهوية العربية المتراجعة تدريجيا لعدم ارتباطها بمشروع مادي له إمكانات التحقق، إلى هوية قُطرية أقل بإمكاناتها، وبمصالح أعلى للاندماج في مشروع الصهيونية).

نقيض الفلسطيني بالتالي ليس “الإسرائيلي” فقط، بل مجمل مشاريع السلطات الحاكمة في كل المنطقة القابلة للاندماج التام مع نظام الاحتلال لعدم وجود مشاريع مستقلة لها بحكم أنها غير معبرة عن تشكل قومي ولا هي قادرة عليه. الأردني والسوري واللبناني والمصري وغيرهم الكثير هم نقائض للفلسطيني أيضا وباعتبار أن كل منهم يخضع لسلطة تعمل على إعادة إنتاج هويته بما يتوافق مع مشروعها غير المناقض لدولة الاحتلال بحكم علاقات الاقتصاد. فلا يمكن الإصرار على فصل مشروع الصهيونية في تظهير يهودية “إسرائيل” عن الشعور بفرعونية مصر أو فينيقية لبنان أو أدومية الأردن أو غيرها الكثير من العناوين الكامنة والقابلة للحركة، وذلك تحديدا لأن آلية إنتاج هذه التحولات والانبعاثات واحدة: احتلال يكتسب شرعية أخلاقية وأنظمة مسايرة لوجوده بحكم هيمنته عليها وتستدام من خلال تفريغ مناهضة هذه البُنية الكلية من خلال خلق مجاميع عديدة ومختلفة في ما بينها، ومع الاحتلال.

٢. أعداء كثر في “الداخل” وعلى “التخوم”: الأكراد، الأمازيغ، الأتراك، الإيرانيون

لا مدخل هنا إلا من خلال القومية العربية باعتبارها العامل الموحد المقابل لهؤلاء وغيرهم. من نشوؤها المناهض للسلطة العثمانية ثم للتحرر من الاستعمار الأوروبي، هي قاعدة للتناقض مع آخر خارجي، سلطويّ، ومهيمِن، ومستعمِر. ولكن ما أن تتحقق السلطة لقومية مناهضة لبُنية أعلى منها مثل الاستعمار، حتى يصبح بعض هؤلاء “الآخرون” في نطاق نفوذها أو أن لها مشاريع في مواجهتهم ومواجهة مشاريعهم المشابهة. الاختلاف هو في مدى الهيمنة والمقدرة على بسط رؤية ذات ونقيضها لا تنفصل عن السلطة.

الهزيمة الكبرى التي مُنيت بها دول “ما بعد الاستقلال” العربية في العام ١٩٦٧ أطلقت صيرورة تفتيت متواصلة إلى يومنا هذا. هزيمة صاحبت التحولات البنيوية الكبرى على مستوى العالم من تفكيك للقطاع الحكومي وتبدل هائل في بنية المؤسسة العامة، الحكومية والمدنية على السواء تحت إيقاع تسارع نمو رأسمالية الشركات العابرة للحدود. فشل مشروع البرجوازية العربية وانتهاء صعودها لصالح تبدل دورها إلى وكلاء لبرجوازيات أخرى، والسير قدما في بناء هوية إقليمية تناسب حدود كل سلطة قائمة بعد أن تراجعت أهمية التوحيد القومي مع ظهور هذه المشاريع البديلة، قد فتح المجال لتطور وعي هوياتي لأقليات قومية، في ظاهره تعددية على السطح، محاصصة في الجوهر لحركات برجوازية ثقافية أخرى في طور النشوء.

الحركة الأمازيغية في “المغرب العربي” على سبيل المثال تقدمت لتناضل لحقوقها الثقافية بعد انكسار الهيمنة الكلية للمشروع القومي العربي. ناضلت لأجل حقوق منتزعة، من الاعتراف باللغة والمكوّن الثقافي الأمازيغي ومواطنة متساوية في سياسات الدولة لتوزيع المنافع العامة. إلا أن هذا النضال لم يلتصق تماما بالمكوّن الأمازيغي المنتشر في الأرياف، والمتطلع إلى سياسات تنموية اقتصادية ولا يستشعر بالضرورة الضغوط الثقافية للنخب في مدن يتركز فيها مجمل اقتصاد دول متخلفة اقتصاديا، وبمعنى أن مجمل تطلعات هذا المكوّن أو ذاك لا تختلف عن باقي المكوّنات الأخرى في مجتمعات يطحنها الفقر المتزايد وينقصها مؤسسات ومنظمات تعبر عنها في مواقع التأثير في القرار. كثيرا ما استطاعت الأنظمة استيعاب هذه الحركات، الأمازيغية وغيرها داخل بنية النظام، وتجريدها سريعا من روافد المطالب الاجتماعية إلى الهوياتية الثقافية، أي تحويلها من تهديد لماكاينزمات العلاقات إلى ظواهر نخبوية غير ذي علاقة بعمق الصراعات، تستطيع السلطة تقديم إشباع لطلباتها وتدجينها ونزع فتيلها.

الأكراد في “المشرق العربي” في المقابل طُبعت حركتهم المقاومة بالأنظمة الحاكمة المختلفة التي وقعوا تحتها وبصراعات هذه الأنظمة مع بعضها البعض أيضا. برزت الحركة الكردية المعاصرة في ظل أنظمة قومية في دول سوريا والعراق وتركيا وإيران، وسرعان ما تعاظمت من خلال سياسة التحالف المتعدد الأوجه لتحقيق مكاسب عبر كوّن الحركة جزء أساسي من التنازع عبر الإقليم، والتي واجهت خطرا حقيقيا خلال السنوات السابقة للموجة الثورية الراهنة في المنطقة (٢٠١٠ – إلى الآن) متمثلا بتصاعد مشروع الدولة التركية التي باتت ترتب محيطها المباشر بما يسمح بوثبات اقتصادية متتالية تتطلب استقرارا وتذويبا للصراعات القائمة، والتي لا مانع حقيقي لدى النخبة الحاكمة من تجاوزها لأجل ما هو أهم. هكذا تتحرك لدينا كعرب مثلا الحساسيات اتجاه هذه القوميات الثلاث ضمن طموح الدولة التركية وطبيعة مشروعها من اندماج إلى تضاد، والالتباس في سياسات إيران داخل العراق وضد “إسرائيل”، ومدى تطلع ومقدرة الأكراد على الانفصال. هي جملة من المشاريع القومية المتناحرة في المنطقة، أو المتنافسة في الأغلب على هيمنة مشروعها على باقي الإقليم، وهي قابلة لأن تتحول لتحالفات ما أن توجد مشاريع بهويات تستطيع جمع كل هؤلاء عليها.

٣. الطائفة المذهبية والعشيرة: أجوبة على سؤال ماذا فعلت الدولة الفاشلة

لطالما كانت أسئلة الهوية تعبيرا عن أزمات اجتماعية عميقة، والارتداد نحو البنى الاجتماعية السابقة للدولة المركزية هو تعبير عن فشل هذه السلطة في تقديم حلول اجتماعية تتناسب والانتقال من البنية الاجتماعية السابقة لظهور الدولة – حيث كلية العشيرة في تنظيم شؤون أفرادها، إلى الدولة ذات منظومة العلاقات الجديدة التي يفترض أنها قامت على تطورات اقتصادية كبرى ناتجة عن تداخل عبر العشائر ومن خلال المدن. بنفس آلية العبور هذه من القديم إلى الحديث، نرى أن دولا ريعية لا تتعدى كونها أسواق تصريف ومصادر لمواد خام، لم تنشأ اقتصاد متنامي ولم تشهد تشكلا اجتماعيا تم التعبير عنه في دول قومية، نستطيع القول أن لا مؤسسات بديلة أنتجها المجتمع في تحوله، بل دول سقطت من ركاب الاستعمار ولجأت إلى بنى المجتمع التقليدية في فرض هيمنتها من خلال تعاقدات تكفل استقرارا للسلطة ولنخبة العشائر التي فقدت من نفوذها السابق.

الإخلال بقواعد التوزيع من قبل السلطة يستحدث مقاومة من هذه البنية القديمة التي تم إلحاقها تعاقديا، وتنفرد بكونها المؤسسة الوحيدة التي تستطيع الدفاع عن أفرادها بما يضمن الخدمات لهم، والدور الوسيط للقيادة العشائرية، والهدوء والاستقرار للسلطة. تنجح هذه البنية في هذه الظروف في حين لا تستطيع أي مؤسسة مدنية أخرى التأثير طبقا لطبيعة الإنتاج والواقع في مركز العلاقات الاجتماعية. هي بنية تنجح طبقا لهذه العلاقات الاجتماعية.

مؤسسات الطوائف لا تختلف في عصبويتها عن بنية العشائر، وقد تتداخل الاثنتان بلا عوائق طبقا لظروف المجتمع السابقة لصعود سلطة الدولة المركزية. تستطيع الطائفة في المقابل لعب نفس دور العشيرة، تذويت هوياتي في خضم الصراع على امتيازات ضمن اقتصاد لا تتوزع العلاقات فيه بوضوح حول الإنتاج، وتستطيع ربما تقديم خطاب أوسع سياسيا من خلال توطينه في أعضاء الطائفة خارج الدولة، واستحضار إمكانات مادية خارج نطاق سوق الدولة وخوض صراع معها على التوزيع بأدوات أكثر تأثيرا من أدوات العشيرة في أغلب الأحيان.

القاعدة هي أن جميع هذه الهويات (القومية، والعشائرية، والطائفية) تحمل في متنها نزعات إقصائية، تظهر وتستتر بحسب المجموع الذي تعبر عنه، وبمدى وضوح “الآخر” وقرب مجالات ظهوره، وبطبيعة هرمية السلطة ومدى هيمنتها وشكل النزعة التي تمثلها لصالح مشروعها، وحدية الإقصاء الذي تمارسه ومدى الاستقطاب من حوله. قد تكون أي من هذه الهويات ستارا لأي مجموع يتحرك في نضال ضد سلطة قائمة، وقد يتطابق مع جزئية من الإقصاء الذي تمارسه سلطة الدولة الرأسمالية، المهيمنة بطبعها، إلا أنه غالبا ما يفشل في التقاط كلية بنى الهيمنة، وهذا تحديدا سبب نزوعه إلى هيمنة إقصائية أخرى فور تمكنه من السلطة، أو فشل هذا النضال في الانتصار نظرا لجزئيته.

Space

خاتمة نحو نضال هوياتي من نوع آخر

الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يحدثها النظام الرأسمالي هي من تستدعي نضالا يتصاعد تدريجيا نحو تغيير القواعد الاقتصادية. تصاعده التدريجي هذا يمر عبر إدراك الناس لأنفسهم في ظل الأشكال السائدة في المجتمع، أي تمثلات هوياتية مختلفة معبرة تماما عن حالات الإقصاء والتهميش والاغتراب التي يعيش في ظلها المجتمع وفئاته المختلفة. إن آلية ظهور هذه النزعات وتصاعدها تحمل في طياتها هذا التعبير عن الأزمة، وهذه الأزمة هي الظرف اللازم للعمل في الاتجاه المعاكس: لا طائفي، لا ديني، لا قومي، ولا يقوم على أي ثنائيات أو غيرية باستثناء مضطهِد / مضطهَد.

من هنا تتكاتف وتبنى الحركة العامة: ضد التمييز الديني، الجنسي، الجندري، العرقي، الطائفي، القومي. مع جميع حقوق المواطنة في دول القانون، ونحو دفع الصراع ليأخذ وجهه الطبقي الحقيقي.