آخر المواد

اغتيال الربيع العربي: عن غياب النظريّة والتنظيم

بقلم هشام البستاني //

Space

حول أهمية النظريّة والتنظيم في سياق العمل الثوري

لطالما اعتبرت الماركسيّة، وبالأخص الماركسية اللينينيّة، النظريّة الثوريّة كعامل أساسيّ لقيام الحزب الثوريّ، أمراً سابقاً ومقدّمة أساسيّة لأي تحرّك ثوريّ، وخصوصاً في المجتمعات التي لم تصل فيها التناقضات الطبقيّة والتشكّل الطبقيّ والوعي الطبقيّ إلى مستوىً عالٍ من النضج. بالمعنى الماركسي: التنظير والتنظيم هما عاملان أساسيان لنجاح أيّ ثورة، وهما الضمانة لتحوّل الاحتجاجات المنبثقة عن الغضب واليأس والقهر إلى قوّة منظّمة كبرى تمتلك أهدافاً استراتيجيّة ورؤىً مستقبلية وأسساً لمجتمع جديد. هذه البنية المنظّمة هي التي تستطيع تحطيم «النظام القائم» بانيةً مشروعها على أنقاض «القديم».

لكننا اليوم في عصر تبدو نزعاته الاحتجاجية بعيدة عن تقاليد البناء المعرفيّ والبناء التنظيمي والتراكم. نحن في عصر الفردانيّة المطلقة، عصر الرغائبيّة والميل نحو إشباع الرّغبات الفرديّة، عصر الإيمان بقدرة الفرد المطلقة وإمكاناته اللامحدودة، عصر التحقّق الفرديّ وتحقيق الحلم الذاتيّ. هذه كلّها نتاج مباشر لمفاهيم عملت الرأسمالية بجدّ لترسيخها في سياق تعزيز الاستهلاك السلعيّ وتحقيق الأرباح من جهة، وتفكيك إمكانات المقاومة ضدّها (ضد الرأسمالية ونمطها الاستهلاكي) من جهة أخرى.
نحن في عصر «الإنتربنوريّة» و«الرّيادة في البيزنس»، عصر الذوات المتضخمة المعزولة التي تعيش حياتها السياسية على الميديا الاجتماعية، والتي تظنّ أن سطراً عابراً في خانة «الستاتوس» في الفيسبوك أو تغريدة مقتضبة كافية لتغيير العالم، وترقى إلى مستوى التحليل الفكري الاستراتيجي، وتعزّز في ذات الوقت وهم القوّة التي يمتلكها الفرد عبر الآخرين الذين «يتفاعلون» مع «مقولاته» لايكاً وتعليقاً وتشييراً. نحن في عصر يُصدّق فيه الأشخاص ببلاهة أن «الثورات» يصنعها تويتر.
نحن في عصر يحتقر النضج البطيء للأفكار والبناء المتأني للمجموعات والتنظيمات. كل شيء عليه أن يواكب سرعة وصول البريد الإلكتروني وسرعة تطبيقات الهواتف الذكية، وإلا فالأمر «غير مجدٍ» ويجري الانتقال بسرعة إلى غيره.
نحن في عصر يحتقر الأيديولوجيا، ويحتقر التنظير، عصر تحوّل فيه محرّك النشاط والفعالية السياسية والحراكيّة من تحقيق الهدف إلى إرضاء الذات. عصر تحوّلنا فيه من التفكير مسبقاً ومن ثم التنفيذ، إلى التنفيذ من أجل التنفيذ، التنفيذ المبني على الدافع اللحظي (impulse) لا على التأمل العميق للفعل وردّ الفعل وإمكانات التصحيح والتعامل مع المتغيّرات وتحليل دور العوامل المختلفة في سياق التحرّك. «كفانا تنظيراً ولننتقل إلى العمل»، أي العمل من أجل العمل ذاته، هذا هو شعار قطاعات كبيرة من الشباب، هي من السذاجة بحيث تُسقط بديهية تفيد بأن كل عمل لا يخدم هدفاً استراتيجياً محدداً سلفاً ومفكراً فيه على نحو مُسبق من خلال تنظير مُحكم هو ضرب من الهراء والعبث والاستعراض، لكن ضررها لا يقتصر على هذه الأمور الذاتية، بل يتعدّاه إلى خدمة «النقيض» الذي تدّعي هذه التحرّكات معارضته: ففي عالم تحكمه وتؤثّر فيه قوىً وبنىً سلطويّة ومنظّمة، يتحوّل هذا العمل الخالي من التفكير المسبق بالبديل، إلى مطيّة يجري توظيفها واستغلال نتائج حركتها لمصلحة المزيد من التمكين للقوى والبنى السلطوية والمنظّمة. وتالياً سأتناول بالتحليل نموذجين مختلفين من نماذج الربيع العربي للدلالة على هذا الأمر.

Space

مصر: انتفاضتان تُنتجان النظام السّابق مرّة أخرى

شهدت مصر انتفاضتين شعبيتين في مرحلة الربيع العربي في 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، أولاهما على الأقل كانت عفوية، وكلتاهما افتقرت إلى البديل الاستراتيجي للنظام القائم، ولم تمتلك خلالهما الجماهير المنتفضة تنظيمها الذي يعبّر عن أهدافها وتطلّعاتها، ولم تُنضج الجماهير (في الفترة التي فصلت بين الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية) تنظيماً يعبّر عنها، كما لم تنضج بديلها الاستراتيجي. كانت الانتفاضتان قد خرجتا لأهداف متشابهة: الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وإسقاط النظام التوتاليتاري الفاسد والفاقد السيادة في المرّة الأولى، وإسقاط محاولة إعادة إنتاج الاستبداد والإقصاء والاستحواذ الكامل على السلطة في المرّة الثانية.
لا يملك المرء إلا الإعجاب بالتفاعلات الشعبيّة الكبرى التي تحصل في مصر الآن، وتحوّل الناس في مصر خلال ثلاث سنوات من أناس مغيّبين بالكامل عن صنع القرار السياسيّ، مقموعين ومهيمن عليهم وغير مبالين إلا في حدود سير حياتهم اليوميّة دون منغّصات، إلى أناس ذوي سلطة سياسية حقيقية، أناس متفاعلين مع الأحداث وفاعلين فيها، أناس ممارسين للسلطة، يتصاعد وعيهم السياسي يوماً بعد يوم، كما يتسارع وعيهم بقدرتهم على إحداث التغيير، ووعيهم بمركزية دورهم وأساسيّته في سياق الحكم والسلطة والسياسة.
إلا أن ثمّة إشكاليات كبرى رافقت تلك الانتفاضتين المذكورتين، على رأسها دور الجيش في هذه الانتفاضات، وتحالف القطاعات المدنيّة المعارضة معه. الجيوش والأجهزة الأمنية كانت هي العنصر الأوّل في الحفاظ على الأنظمة التي يُراد تغييرها، وليس من المتعذّر فهم الدّوافع التي تقف خلف «التغيّرات الفجائية» في توجّهات العسكر، من ولائهم لنظام حكم بالاضطهاد والقمع لعقود، إلى ادعائهم الولاء للشعب الذي هو نفس الشعب الذي اضطهده وقمعه نفس النظام لعقود دون اعتراض (بل وبمشاركة) من نفس الجيش ونفس الأجهزة الأمنية. الدّوافع هي أن الجيش والأجهزة الأمنية هي نفسها «النظام القديم»، وهي إذ لم تفقد قط دورها الرئيسي في حكم مصر منذ الانتفاضة الأولى، إلا أنه من الواضح أنها لا تريد أي شراكة مع أحد، حتى لو كانت شراكة تسووية من تلك الشراكات التي يُتقنها الإخوان المسلمون.
بعد عام من حكم المجلس العسكري والفظائع التي ارتكبها بحقّ الثوّار (في شارع محمّد محمود، وخلال أحداث ماسبيرو مثلاً)، إضافة إلى ممارساته السلطوية الاحتكاريّة، خرج الشارع بشعار «يسقط حكم العسكر»، وهو استكمال منطقي لشعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، فحسني مبارك هو ابن المؤسسة العسكرية، مثله مثل كل رؤساء مصر في الحقبة الجمهوريّة الأولى، والعسكر كانوا جزءاً أساسياً (بل الجزء الأكثر أساسية) من النظام الذي انتفض الناس عليه، وعندما صوّت الناس لمحمّد مرسي في مواجهة الفريق أحمد شفيق في الانتخابات الرئاسية، كان واضحاً أن التصويت كان في مواجهة النظام السابق بكلّ أركانه كما يمثّله بتكثيف أحمد شفيق: العسكريّ السابق، وآخر رئيس وزراء لمبارك.
كان بإمكان الانتفاضة الشعبية الثانية أن تُسقط محمّد مرسي وحقبة الإخوان دون الحاجة للجوء إلى الجيش. كان بإمكان الانتفاضة الشعبيّة أن تصعّد من فعالياتها إلى أن يتنحّى مرسي بنفسه كما تنحّى سلفه من قبل، فهو ليس أقوى منه، بل أضعف بكثير. كان بإمكان الشرعية الثوريّة أن تُسقط الشرعيّة الانتخابية دون عسكر، لكن الانتفاضات التي لا تمتلك تنظيماً يعبّر عنها ومخططاً استراتيجياً بديلاً لهيكل الدولة القديمة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، تتحوّل في النهاية إلى مطيّة للقوى المنظّمة التي تعيد توظيفها في سياق حركتها، وهكذا كان، إذ انتقل الجيش مرّة ثانية إلى دور الحاكم الفعليّ، بعدما أدار اللعبة هذه المرّة بذكاء أكبر عبر التعبئة والتحريض الإعلامي الفعّال، وإسناد الرئاسة إلى رئيس المجلس القضائي الأعلى، وجمع أغلب قادة «المعارضة» ككومبارس خلفي لسلطته الفعليّة.
هكذا وصلنا إلى نتيجة تراجعيّة للانتفاضتين المصريّتين، يدلّ عليها ما يلي:
1ـــ إعادة إعلان الأحكام العرفية وقانون الطوارئ الذي رزحت مصر تحت وطأته القمعيّة لعقود، ورفُع تحت ضغط الانتفاضة الأولى ليعود بعد الثانية.
2ــ بينما كان نظام مبارك يخوّن المعارضين ويدفع بعمالتهم وانعدام «وطنيّتهم»، وبعدما صار النهج بعد الانتفاضة الأولى يقضي بمحاكمة من ثبت فساده وقتله للمتظاهرين من جهة، والاتجاه نحو «مصالحة وطنية واسعة» تضم جميع الآخرين بدليل ترشّح محمد شفيق (أحد المحسوبين على نظام مبارك المُطاح به) من جهة أخرى، جرت العودة مرّة أخرى إلى التخوين على نحو أكثر حدة وأوسع نطاقاً، إذ تحوّل إلى حالة «شعبيّة»، ولم يشمل التخوين تنظيم الإخوان المسلمين فقط، بل شمل أيضاً شخصيات من نفس المعسكر عارضت تدخّل العسكر مثل محمد البرادعي وعمرو حمزاوي وغيرهما.
3ـــ بينما كان نظام مبارك يستغلّ الإعلام للدعاية لنفسه والتحريض على خصومه، وبعد فترة من الانفتاح الإعلامي الواسع لجميع الآراء بعد الانتفاضة الأولى، التي كان من علاماتها الأساسية برنامج باسم يوسف الشهير «البرنامج» وسقوفه النقديّة غير المسبوقة، وصلنا بعد الانتفاضة الثانية إلى إعلام مُوَجَّه، تحريضي، تعبويّ، يحضّ على القتل والإبادة، ويهاجم كل من يعارض تدخّل العسكر. وأغلقت السلطات العسكريّة حوالى 17 قناة تابعة للإخوان أو متعاطفة معهم (1)، ودهمت مكاتب قناة «الجزيرة» ومنعت بثّها واعتقلت عاملين فيها، وقتلت واعتقلت صحافيين.
4ــ بينما كان نظام مبارك يستسهل قتل المواطنين ويستهتر بحياتهم وقيمتها، وهو ما ظلّ قائماً في فترة حكم العسكر التالية لعزل مبارك (أحداث ماسبيرو، أحداث شارع محمد محمود… إلخ)، عاد استسهال القتل على نحو أكبر بكثير، وأُطلقت يد الأمن لاستعمال الرصاص الحيّ، وهذه المرّة بـ«غطاء شعبي» يدعم محاربة «الإرهاب»، وبتحريض إعلامي مُعلن وصل إلى حد طلب ودعم «إبادة» المعارضين من الإسلاميين وغيرهم و«تطهير» البلاد منهم (نتذكر هنا حرب جورج بوش الابن على «الإرهاب» واستخدامه هذا المصطلح الفضفاض لشيطنة أهدافه وتبرير قتلهم، وهو مصطلح ما زال يستخدم حتى الآن في أوروبا والولايات المتحدة لتبرير التعذيب، والاعتقال خارج المحدّدات الإنسانية المتواضع عليها دوليّاً، والاغتيال).
وثمّة علامات على تراجعات أكثر حدّة مما كان عليه الأمر قبل الانتفاضة الأولى:
1ــ يحكم العسكر الآن على نحو مباشر، فيما تحوّلت مؤسسات الحكم المدنيّة من رئاسة وحكومة إلى خانة التبعيّة.
2ــ هناك عودة غير مسبوقة إلى تأليه الحاكم الفرد بصفته المخلّص النهائي، حيث يصوّر عبد الفتاح السيسي على أنه عبد الناصر الجديد، ويطلب منه ترشيح نفسه للرئاسة، كما أننا عدنا نرى الجموع تحمل صور القائد الفرد، وصارت مقبولة على نحو عام دعاية السلطة والاعلام المتعلقة به.
3ــ صعدت الشوفينيّة الوطنيّة والفاشيّة على نحو صاروخي، وتنامت الانعزالية، حيث يجري التحريض على الفلسطينيين والسوريين (2)، ويُنكر الحديث عن مصر على غير المصريين، فيما يُعدّ كل من يعترض على حكم العسكر «ليس مصريّاً»، وهي شوفينية مزدوجة تسحب من «المصريّ» الحق بأن يملك رأياً مخالفاً، وتصوّر غير المصريّ عرقاً دونياً يُضمّ المعترِض على العسكر إلى صفوفه، فهو «لا يستحقّ أن يكون مصريّاً». ومن الأمثلة الطريفة مطالبة إحدى المذيعات بطرد أبو تريكة لاعب كرة القدم المصري المعروف من منتخب بلاده لمواقفه المعارضة للعسكر، لأنه بموقفه هذا لم يعُد مصرياً. «فليذهب ليلعب مع حماس أو تركيا» تقول المذيعة (3)، أي ليلعب مع تلك الأجناس الأدنى المؤيّدة للإخوان!
4ــ تبعيّة مجمل القوى السياسيّة المعارضة للاستبداد السابق لصيغة الاستبداد الحالي مع بعض الاستثناءات القليلة جداً (من الاستثناءات: الاشتراكيون الثورويون وحركة شباب 6 إبريل وحركة شباب من أجل العدالة والحرية ومركز خماسين)، بمعنى أن الكتل السياسية التي كانت مُنحازة بأشكال مختلفة إلى الانتفاضة الشعبية الأولى، تحوّلت في سياق صعود الإخوان، وعجزها التنظيمي عن مواجهة هذا الصعود، وعجزها عن تشكيل بديل لنفوذ المؤسسة العسكرية والنظام القديم داخل بنية الدولة، إلى ملحق ذيليّ بأحد أعمدة النظام السابق، وإلى بوق للدعاية التحريضيّة للنظام. لنتذكر أن الكثير من هذه التنظيمات وقادتها كانوا ـــ مثلهم مثل الإخوان ـــ في موقع التسوية مع النظام السابق، ولم تكن لهم مساهمات تُذكر في اندلاع الانتفاضة الأولى، ولم يكونوا يطالبون بسقوط النظام قبل سقوطه فعلياً.

Space

الأردن: أجنحة النظام تتعارك في الشارع

رغم عدم امكان مقارنة إصلاحية الاحتجاجات التي شهدها الأردن براديكالية مواقع الربيع العربي الأخرى في تونس ومصر والبحرين وليبيا وسورية واليمن، إلا أن دراسة النموذج الأردني جدّ مفيدة لهذا الاختلاف بالتحديد، حيث خاض أحد أجنحة النظام (الحرس القديم) معركته مع الجناح الآخر في الشارع من خلال توظيف وصناعة الاحتجاجات، وتحديد سقوفها وشعاراتها والشخصيات التي تستهدفها داخل النظام.
أول هبّة شعبيّة في الأردن قامت في نيسان عام 1989 وبتأثير من واقع يشبه كثيراً سياقات الرّبيع العربي في مواجهة الإفقار وانهيار سعر صرف الدينار الأردني اللاحق لتعويمه، ورفع الدعم عن المشتقّات النفطيّة، وكل ذلك نتيجة لتطبيق «الإصلاحات» التي فرضها صندوق النقد والبنك الدوليين، وأيضاً في مواجهة اثنان وثلاثون عاماً من الأحكام العرفية وحظر الأحزاب السياسية (باستثناء الإخوان المسلمين) ابتدأت بانقلاب النظام على الحكومة البرلمانيّة الحزبيّة الأولى والأخيرة في الأردن عام 1957.
لانعدام التنظيم والبرنامج عند القوى الشعبية المنتفضة، وبتواطؤ من الأحزاب السياسية (المحظورة حينها، التي اتضّح أن ثوريّتها لم تتعدّ حدود الخطابة و/أو حدود تبعيّتها للقوى الإقليمية والدولية التي تصعد وتهبط بصعودها وهبوطها)، امتصّ النظام هبّة نيسان بمجموعة من الخطوات و«التنازلات» على المستوى السياسي فقط (بينما استمرّت السياسات الاقتصادية النيولبرالية تتصاعد)، وتمثّلت في أ) تشكيل لجنة شاركت فيها المعارضة لصياغة «ميثاق وطني» لم يعد له قيمة بعد صدوره سوى قيمة اعتراف المعارضة الكامل والنهائي بشرعيّة النظام ودوره الاستحواذي المطلق على جميع السلطات في البلاد، واعترافها (وهي القوى «القوميّة» و»الأمميّة») بالحدود السياسية للقطر الأردني على أنها الحدود النهائية لنشاطها السياسي، بـ) إعادة الانتخابات البرلمانية التي صودرت بعدها بأربع سنوات فقط بقانون الصوت الواحد، ج) رفع الحظر عن العمل الحزبي الذي كان في حقيقته كشفاً مُبيناً لخواء الأحزاب معرفيّاً وسياسيّاً وتنظيمياً من جهة، وإلحاقاً لها ببنية النظام وميكانيزمات عمله من جهة ثانية، وتقييداً لعملها من خلال القوانين الناظمة لها، التي ظلّت تضيق وتضيق إلى أن تحوّلت تلك الأحزاب إلى استجداء المعونات الماليّة الحكوميّة، وانقلبت من النضال من أجل تحقيق برامجها ورؤاها (غير الموجودة فعلياً) إلى النضال من أجل البقاء على قيد الوجود الهامشي.
في مرحلة الربيع العربيّ، لم ترقَ التحرّكات الاحتجاجيّة إلى مستوى الهبّة أو الانتفاضة الشعبيّة، بما في ذلك الاعتصام الذي قمعه النظام بشدّة في 24 و25 آذار 2011 رغم رفعه شعارات إصلاحية بل وتضليليّة (4)، باستثناء حدث واحد لم يعمّر طويلاً ولم يترك أثراً فعليّاً: هبّة تشرين 2012.
هبّة تشرين كانت حدثاً شعبيّاً راديكاليّاً بامتياز، رفعت شعارات غير مسبوقة، مثل إسقاط النظام وإقامة الجمهورية، بينما تجاوزت في شعارات أخرى فخ الهويّة وتبرّأت من القوى السياسيّة «المعارضة» (الكلاسيكية والجديدة) باعتبارها قوى انتهازيّة (5)، لكن، ولافتقار الهبّة إلى التنظيم والتنظير، جرت تصفيتها وتصفية مقولاتها بسرعة كبيرة، ساعد على ذلك تواطؤ جميع القوى من أقصى اليمين الإخواني إلى أقصى «اليسار» على التبرّؤ من شعارات هذا التحرّك، وصار مكشوفاً على نحو كبير أن «الحراك الأردني» كان إما إخوانيّاً في جانب منه، أو بدعم وتغطية ومشاركة من الحرس القديم في الجانب الآخر. أما الشباب المبادر غير المرتبط بهذا أو بذاك، أو أولئك المتمتّعون باستقلالية حراكية ضمن المجموعتين المذكورتين سابقاً، فيجري اعتقالهم وتحويلهم إلى المحاكمة أمام محكمة أمن الدولة بتهم كبيرة، من قبيل «تقويض نظام الحكم» (نذكر من المعتقلين حالياً والمحوّلين إلى المحاكمة القيادي في حراك حي الطفايلة معين الحراسيس، والقياديين الحراكيين الإسلاميين هشام الحيصة وثابت عساف وباسم الروابدة وطارق خضر وغيرهم)، أما غير المؤثرين بالمعنى التعبوي التنظيمي، فانعزلوا أو عُزلوا واكتشفوا حجم تأثيرهم الفعليّ الذي لا يتعدّى محيط أصدقائهم.
بعد هبّة تشرين، لم يقدّم النظام أي تنازل كان على أي مستوى، بل تسارعت وتيرة رفع الأسعار وزيادة الضرائب ورفع الدعم بعدها، وانتخب برلمان (على قاعدة الصوت الواحد نفسها مع ديكور بسيط اسمه «القائمة الوطنية») هو استنساخ لما سبقه من برلمانات كانت توصف بأشنع الصفات (6)، واستتب الأمر للحرس القديم وفقد أي دافع لخوض معركته مع الحرس الجديد في الشارع، فهدأ الشارع، ومات تماماً بعد ضربة الإخوان المسلمين في مصر وتأثيراتها على نظرائهم في الأردن، الذين يعانون أيضاً من حركة انشقاقيّة داخليّة كبيرة (ما يسمى «مبادرة زمزم»).
ومن قبل ومن بعد هبّة تشرين، تتصاعد تيّارات شوفينية فاشية في الأردن بتسارع كبير، فتيّار «الوطنيّة الأردنية» الانعزالي يعمل بصفته تيّاراً «تقدّمياً يساريّاً» مقبولاً في الأوساط السياسية «المعارضة» منذ عام 2007 بعدما كان منبوذاً على نحو عام قبلها، هذا التيّار ومنظّروه قريبون من جهاز الاستخبارات بل وعملوا معه في سياق المعركة ضد الحرس الجديد باعترافهم، وقريبون من المتقاعدين العسكريين، وكتب أحد منظّريهم عن أن الاستخبارات هي «حزب الدولة الأردنية الوحيد» ، وهو معروف بعلاقاته القوية مع هذا الجهاز، ورغم أن هذا المنظّر جهد لسنوات من أجل التأكيد على الوطنيّة الأردنية وعلى الشخصية الأردنية المتمايزة تاريخياً عن محيطها، وعمل كثيراً لتعزيز مفهوم الخصوصيّات والتمايزات الوطنيّة، إلا أنه لا يجد تناقضاً في الاشتغال على «المشروع المشرقي» الذي «اكتشفه» في سياق دعمه لنظام الأسد (السوري) ودعمه لتدخّل حزب الله (اللبناني) إلى جانبه!
ويتمثّل صعود الشوفينية الفاشية من جانب آخر بخطاب «قومي»، فيكتب آخر من منظّري هذا المشروع مقالات تمجّد العسكر والعسكرتاريا (هذا قبل استحواذ الجيش على السلطة في مصر) ويقدّمها على أنها الشكل المتمدّن الوحيد وسط صحراء الجهل الشعبي العارم، ومقالات تؤكد على أهمية ومركزية «أمن الدولة» ووضعها «فوق كل اعتبار»، وهذا شعار الأنظمة العربية الراسخ وذريعتها الأساسية في اضطهاد معارضيها، ومقالات طائفية/قوميّة تشخّص الطائفة السنيّة على أنها الحامل الأساسي للمشروع القومي العربي، وتدعوها (تدعو الطائفة السنيّة) إلى استعادة دورها التاريخي، وفي نفس الوقت يمجّد نفس الكاتب «القومي» الدولة القُطريّة العربية بصفتها الضمانة الأساسية في مواجهة «الفوضى» (الانتفاضات الشعبية)، بعدما اكتشف هذه الميزة للدولة القُطرية (مثله مثل زميله الوطني الأردني/المشرقي السّوري معاً!) بعد الانتفاضة السوريّة، وفي سياق دعمه للنظام السوري.

Space

عودة إلى النظام المُحكم بدلاً من الفوضى الخلاقة

مثل هذه الطروحات النظريّة المعادية للانتفاضات الشعبية والممجّدة للنظام الرسمي العربي «القديم» وأجهزته الأمنية تصبّ تماماً في خانة القوى التي تعمل بدأب منذ انفجار الربيع العربي على وأدها. ثمة «مشروع إقليمي» يرتكز إلى عودة السلطويّة العسكريّة الديكتاتوريّة السابقة بوجه فاشيّ، وثمّة بيادق سياسيّة وفكريّة تعمل على تجهيز الأرض وإعداد المسوّغات للماكينة الدعائية لمثل هذا التحوّل، وثمّة قبول أميركي أوروبي إسرائيلي بمثل هذه التحوّلات، يشهد عليها موقف الولايات المتحدة وأوروبا من استحواذ الجيش على السلطة في مصر، وطلب «إسرائيل» عدم قطع المعونات الأميركية عن مصر كنتيجة لهذا الاستحواذ، ودعم أنظمة «الرجعية العربية» للجيش المصري، واستمرار التردّد الأميركي/الأوروبي بخصوص النظام السوري.
حتى الآن، تبرز إيجابيّة كبرى واحدة كنتيجة مباشرة للربيع العربي ذكرتها سابقاً: تحوّل المواطن ضمن الكلّ الاجتماعي إلى سلطة سياسية حقيقية، تحوّل المواطن إلى متفاعل مع الأحداث وفاعل فيها، ممارس للسلطة، يتصاعد وعيه السياسي يوماً بعد يوم، كما يتسارع وعيه بقدرته على إحداث التغيير، ووعيه بمركزية دوره وأساسيّته في سياق الحكم والسلطة والسياسة، وبروز إمكان أن يُنضج مثل هذا المواطن (ضمن الكل الاجتماعي) تنظيمات واستراتيجيات تعبّر عن مصالحه وتعمل على تحقيقها فعلياً.
هذا المواطن خطر: خطر على بنية السلطة القمعية، خطر على بنية الهيمنة المحليّة والإقليمية والدوليّة، خطر على «إسرائيل»، خطر على الامبريالية، بل خطر على الرأسمالية نفسها ونمطها الاستهلاكي القطيعي. الشيء الوحيد الباقي هو كسر الثقة التي يشعر بها هذا المواطن، وتصفية القوّة التي حصل عليها من تعاضده مع الآخرين في الشارع. هذا الكسر يجري الآن بأربع ضربات هائلة: الأولى مصادرة ما حاولت الانتفاضات إنجازه (إسقاط النظام) وذلك بعودة النظام القديم مرّة أخرى على نحو أكثر تعسّفاً، وهو ما سيؤدي إلى إحباط الشارع وانكفائه خلال الفترة القادمة؛ والثانية تكسير القوة الجمعيّة للناس ومصادرتها مرّة أخرى لمصلحة القائد الفرد المخلّص (السيسي كمثال) أو المؤسسة المخلّصة (الجيش، الاستخبارات..)؛ والثالثة إعادة إنتاج الانقسامات العموديّة بدلاً من الانقسامات الأفقية (الطبقيّة) التي بدأت بالتبلور خلال الانتفاضات؛ والرابعة إعادة الاعتبار إلى الأشكال السياسية المابعد كولونيالية («الدولة» القُطرية التي أنتجها الاستعمار ما بعد الحرب العالمية الأولى) بصفتها الأقدر على السيطرة على التحرّكات الشعبية وتفريغها، وفرض الأجندات النيولبرالية، والتراجع عن محاولات إعادة تقسيم هذه الدول بما يتضمنه ذلك من تحفيز مزيد من «الفوضى» التي لا يمكن التحكم فيها.
في سياق إعادة إنتاج الشرق الأوسط، عملت «الفوضى الخلاقة» (التي بادرت بها إدارة بوش الابن كاستراتيجية عمل للمنطقة) على تقويض أعمدة مشروع التحرر الشعبي من خلال تعزيز الانقسامات المذهبيّة والدينيّة والشوفينية والطائفيّة والإثنيّة، لكنها لم تأت أيضاً بما يخدم المشروع الامبريالي، إذ أفرزت صعود القوة الشعبية وقوة المواطن ومناهضة السلطة واللاسلطويّة من جهة، ونقلت الامبريالية من خانة الفعل والقدرة على التنبؤ إلى خانة رد الفعل واضمحلال القدرة على التنبؤ بل وانعدامها.
ما يبدو لي الآن هو عودة إلى نموذج يشبه دول أميركا اللاتينية ما قبل الموجة الديمقراطية الاشتراكية التي أطاحت ديكتاتوريات الـCIA. ذلك نموذج يمكن التحكّم فيه والتنبّؤ بتغيّراته بصورة أكبر بكثير، ويمكن التعامل مع «طفراته» وإفرازاته غير المتوقّعة بسهولة ومحدوديّة، وهو ما يعيدنا إلى ما بدأنا به.
في مواجهة قوى منظّمة تملك أدوات واستراتيجيّات وإمكانات، وتخترق بنية «الدولة» نفسها إلى أعماق كبيرة، لن تتمكّن الاحتجاجات «العفوية» من تحقيق تغييرات جذرية في بنى السلطة التي تقوم ضدّها، كما لن تجلس بنى السلطة (المحليّة والاقليمية والدولية) وتتفرّج على مثل هذه الاحتجاجات إذ تُنضج مع الوقت استراتيجيّاتها البديلة وتفرز تنظيماتها التي تمكّنها من تحقيق رؤاها: احتجاجات وانتفاضات مصر وتونس والأردن وتركيا والبرازيل وسورية ثبت هذا الكلام في سياق توظيفها أو الارتداد عن مكتسباتها أو عدم امكانها تحقيق نتائج تغييرية.
«النظام القديم» بأجهزته المنظّمة وأحزابه المتماسكة وارتباطاته الاقليمية والدولية لا يمكن مواجهته بأشكال فرديّة الطابع، ولا يمكن للميديا الاجتماعية التي ترتكز على تعزيز الفردانية وتسخيف المعرفة مقابل الشعاراتية والجمل القطعيّة والمناوشات اللفظية أن تصنع التغيير، وبهذا أتفق مع مالكوم جلادويل في مقولته الشهيرة بأن الثورة لا يمكن صنعها عبر تغريدة (7).
في سياق الوصول إلى ثورة، ثمة حاجة ملحّة لإعادة الاعتبار للمعرفة والتنظير والتخطيط الاستراتيجي، وإعادة الاعتبار لبناء التنظيم الشعبي القادر على إنجاز البديل الثوري على الأرض، من حيث هو الضمانة الوحيدة في مواجهة توظيف وإجهاض الانتفاضات والتحرّكات الجماهيرية لمصلحة النظام القديم. وهنا لا أقصد إحياء الأشكال التنظيمية التقليدية التي كانت مساهمة أساسية في ما وصلنا إليه من بؤس، بل أقصد العمل على أشكال تنظيمية جديدة تستجيب للمتغيّرات التي أفرزتها أشكال الهيمنة المعاصرة وسياقات المقاومة ضدّها، وفي هذا حديث آخر.

***

الهوامش

(1) موقع اتحاد إذاعات الدول العربية، جامعة الدول العربية http://www.asbu.net/article.php?lang=ar&artid=967

(2) مصر: جدل بشأن «تحريض» ضد جاليات عربية، سكاي نيوز

(3) http://www.youtube.com/watch?v=d7-Q9PITELs

(4) هشام البستاني، أزمة المعارضة في الأردن: 24 آذار وفخ الهوية والضبابية

(5) هشام البستاني، هبّة تشرين في الأردن: النظام يمتص الصدمة ويستمرّ

(6) هشام البستاني، انتخابات الأردن: فوز النظام والعشائرية وسقوط اليسار

(7) Malcolm Gladwell, Why the Revolution Will Not Be Tweeted

***

الرابط للمقال: http://www.al-akhbar.com/node/192039