آخر المواد

مناهضة الصهيونية جزء لا يتجزأ من المشروع النسوي

بقلم هشام البستاني //

Space

ربط النساء بعضهن ببعض عبر الحدود الأردنية – الإسرائيلية، هذا هو هدف آخر مشروع تطبيعي تحت اسم Connecting Daughters  بغلاف “النسويّة” هذه المرّة (1)، ويعرّفنه على أنه “نداء ملحّ لطريقة أخرى لصنع السلام… مشروع تذهب فيه بنات نساء إبراهيم الثلاث، سارة وهاجر وكيتورا، في رحلة جماعية، لتظهرن للعالم أن هناك طريقة أخرى ممكنة. ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻷﻧﺜﻮﻳﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﻨﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻓﻖ ﻭﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ، ﻫﻲ ﺍﻟﺒﻮﺻﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﻴﺮ ﻫﺬﺍ المشروع ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻬﺪﻑ ﻟﺘﺠﺎﻭﺯ الحدود الخلفيات الثقافية، وتجاوز ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﻭﺍﻷﺩﻳﺎﻥ. ﻫﻮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻳﺒﺤﺚ ﻓﻲ ﺇﻳﺠﺎﺩ ﺍﻟﺴﻼﻡ، ﻭﺻﻨﻊ ﺍﻟﺴﻼﻡ، ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺍﺧﻞ ﻭالخارج”(2)

هذا المشروع التطبيعي الذي تقوم عليه الفنانة الأردنية لانا ناصر (3) بالتعاون مع فنانات وناشطات من “إسرائيل” وهولندا وفلسطين، سيكون على شكل رحلة، أو “حجّ أخضر” كما يسمينه، لربط المجتمعات المحليّة بعضها ببعض، انطلقت من الأردن يوم 12 آذار الماضي، وسينتهي في القدس يوم 21 القادم من نفس الشهر.

إضافة إلى الابعاد التطبيعية المعروفة المتعلّقة بشرعنة المشروع الصهيوني ودولته الاستعمارية الاستيطانية، فإن مثل هذه المبادرة تحمل أبعاداً إضافية خطيرة جداً:

الأولى أنها تقرّ وتعترف سلفاً بالرواية التوراتية، والحق اليهودي الربّاني في “أرض الميعاد”، وتعتبر التوراة (التي تجمع الدراسات الأركيولوجية والتاريخية على أنها مجرّد روايات لا دليل على حدوثها في الواقع) تاريخاً حقيقياً، وهذه هي العوامل الخرافية المؤسسة للحركة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني في منطقتنا. لا مانع عند هؤلاء “النسويّات” من إلحاق أنفسهنّ برجل (فهنّ “بنات زوجات إبراهيم”!)، كما لا تجد لانا ناصر مشكلة في النظرة الشوفينية التوراتية التي تجعل من العربيات بناتاً للـ”جارية” هاجر، أو نتاجاً لعلاقة الزّنا بين لوط وبناته، بينما بنات شعب الله المختار ينحدرن من “السيدة” سارة. لا مانع عند هؤلاء أن تُحوَّل النسوية لتصبح دعاية لبنية قمع مؤسسة على الخرافات الدينية. والبعد التوراتي/الديني حاضر بقوة هنا، من الارتكاز على الأخوّة التوراتية، إلى تسمية المسيرة باسم “الحج”، إلى المقصد النهائي لهذا الحج التوراتي: القدس.

الثانية أنها تروّج للفصل الوهمي بين النضال النسويّ ضد البنية الاجتماعية البطرياركية وبين النضال ضد بنى القمع الأوسع الهيمنية والاستعمارية والاستيطانية، وهنا أورد ملاحظة الصديق سماح إدريس على الموضوع والتي أتفق معها تماماً: “فلتسمحْ لنا النسويات اللواتي يطبّعن مع العدو، “إسرائيل” ليست أفضل حالًا من الرجال العرب المتخلفين الذكوريين. الضرب هنا وهناك. بالكفّ او بالصاروخ. لا تدفعن الرجعيين والرجعيات الى أن يلعنوا كل اقكار المساواة والتحرر!” وملاحظة سماح الأخيرة واردة تماماً، إذ سيوفّر مثل هذا النوع من التطبيع الغطاء للذكوريين والشوفينيين لمحاربة حقوق النساء على أساس أنها “مؤامرة صهيونية لتخريب المجتمع” ومدخل للأسرلة، مع أن المنطق يقول أن التحرر هو منظومة متشابكة متكاملة، وبنى الهيمنة الأساسية (الرأسمالية/ الامبريالية/ الاستعمارية/ الصهيونية) هي التي تولّد وتديم بنى الهيمنة الاجتماعية والاقتصادية والجنسية والجندريّة الأخرى.

الثالثة أنها تدعم الدعاية الإسرائيلية القائمة على أن “إسرائيل” هي واحة الديمقراطية وحقوق الإنسان المزدهرة وسط محيط أجرد ومتخلّف. الفيديو الذي أنتجته لانا ناصر لصالح الحملة التطبيعية يطرح هذه الصورة (4)، وهي ذات الصورة التي نجدها في الأدب الاستعماري الصهيوني (عن فلسطين) والفرنسي (عن الجزائر): الأرض الجرداء القاحلة الخالية من السكّان التي تنتظر المستعمِر ليبعث فيها الحياة. ومن المعروف أن “إسرائيل” تستعمل خطاب حقوق النساء وحقوق المثليين لتغسل جرائمها العدوانية التي لا حصر لها، ولتخفي مشروعها الاستعماري الاستيطاني الهيمني، وتحرف النظر عن العنصرية داخل “إسرائيل” نفسها والتي تمارس ضد اليهود من أصل عربي أو إفريقي، وضد عرب فلسطين المحتلة عام 1948 (5).

إضافة إلى ذلك، يعتبر هذا المثال دليلاً ساحقاً آخر على ارتباط التطبيع ودمج “إسرائيل” في المنطقة مع التمويل الأجنبي، فكل مشاريع لانا ناصر المسرحيّة والفنيّة مموّلة من الأوروبيين، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الوكالة السويدة الدولية للتنمية والتعاون (SIDA)، الذراع التمويلي لوزارة الخارجية السويدية التي تقول استراتيجيتها للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بضرورة دمج “إسرائيل” اقتصادياً في المنطقة، وتركّز على المشاريع الإدماجية البنيوية الكبرى مثل مشاريع الماء المشتركة (6)، في حين تدعم السفارة الهولندية في عمّان مشروع المسيرة التطبيعية “النسويّة” الأخيرة هذه (7).

لهذا كله، وبالإضافة إلى ضرورة مقاطعة لانا ناصر، آخر الإضافات إلى قائمة المطّبعين (والمطبّعات) في الأردن، ومقاطعة المشاريع التي تديرها لانا -ومنها “مهرجان آت” الذي حظي بمادة ترويجية على صفحات صحيفة الأخبار مؤخراً (8)-، فلا بد من اتخاذ موقف حاسم من موضوع “التمويل الأجنبي” الذي تديره السفارات ومنظمات التمويل، والتي تعمل بشكل حثيث إلى إلحاق المثقفين وتحويلهم إلى ما يشبه “المرتزقة” التابعين لأجندات ومقاربات ثقافية وسياسية لا علاقة لهم بها، والتدخّل السافر (المباشر، وغير المباشر أيضاً من خلال فرض المواضيع التي تهتم الجهة المانحة بتمويل المنتج الابداعي المتعلّق بها) بما يصادر حريّة الفنّان والمبدع من جهة، ويجعله مجرّد أداة في سياق حراك الهيمنة العالمي للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. علينا ألا ننسى أن كل المؤسسات المانحة تقريباً هي ذراع لوزارات الخارجية في بلدانها، لا وزارات الثقافة.

يبقى أن أوجه نداءً إلى الفنانة الكبيرة نضال الأشقر ومسرحها مسرح المدينة، لسحب جائزة إيتيل عدنان للكاتبات المسرحيات العربيّات من لانا ناصر، والتي فازت بها العام الماضي 2012 (9)، لأن مثل هذا الفعل يمثّل عاراً على منجز النساء العربيّات عموماً، والفنانات والكاتبات منهنّ خصوصاً، وأدعو في هذا السياق إلى أن تطلق الناشطات والناشطون المهتمون بحقوق المرأة ومواجهة وتفكيك المجتمع البطريركي الأبوي مبادرة من قبيل “نسويّات ونسويّون في مواجهة التطبيع والمشروع الصهيوني” لتوضيح أن مواجهة البنية البطرياركية للمجتمعات الأبوية هي امتداد واستكمال لمواجهة مشاريع الهيمنة الأخرى وعلى رأسها المشروع الصهيوني، وأن مناهضة التطبيع ومناهضة المشروع الصهيوني تقع في صلب المشروع النسوي.

***

الهوامش

1-    Connecting Daughters

2-     Connecting Daughters- Mission

3-     Connecting Daughters- Lana

4-     http://www.youtube.com/watch?v=UnvAQc4SG1c

5-     Pinkwashing, 2008-2011: Obituary for a Hasbara Strategy

6-     http://www.sida.se/English/Countries-and-regions/Asia/the-Middle-East/

7-     Connecting Daughters: Partners- Dutch Embassy

8-     http://www.al-akhbar.com/node/179110

9-     http://www.alrai.com/article/25162.html

***

الرابط للمقال: http://www.al-akhbar.com/node/179651