آخر المواد

الصورة الأكبر لحفل اوتوستراد في الناصرة: الغاية لا تبرر الوسيلة

بقلم هند عواد //

Space

أثارني خلال الأيام القليلة الماضية الجدل الدائر في الأوساط الشبابية الفلسطينية، عبر المدونات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، حول زيارة فرقة أوتوستراد الأردنية عبر تأشيرات إسرائيلية لمدينة الناصرة الفلسطينية لإحياء حفلٍ موسيقيٍ باستضافةٍ وتنظيمٍ فلسطينيين. رغم أن الحفلة عقدت منذ أيام قليلة، إلا أنني أرى في الجدل الدائر ظاهرةً صحية ونقاشاً مهماً، هدفه الأساسي تعزيز سبل مقاومتنا للاحتلال والتمييز العنصري الإسرائيلي، حتى نيل الحرية والعودة وتقرير المصير لكافة الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم.

من هذا المنطلق، وإيمانا بالنوايا الحسنة لكل من شارك في هذا النقاش الغني، أرى أنه من المهم توضيح بعض النقاط الأساسية المتعلقة بالموضوع.
أولاً: التصريح مقابل الفيزا
يركز جزء كبير من الحوار حول الفرق بين التصريح الإسرائيلي المستخدم لدخول الضفة الغربية المحتلة، والتأشيرة (الفيزا) التي تصدرها السفارات الإسرائيلية حول العالم، بما في ذلك في العواصم العربية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع دولة الاحتلال، والتساؤل عن سبب اعتبار التأشيرات الإسرائيلية تطبيعاً في حال عدم اعتبار تصاريح السفر الصادرة من قبل سلطات الإحتلال الإسرائيلي خرقا للمقاطعة حسب معايير حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل. ففي معايير المقاطعة وزيارة الأكاديميين/ات والفنانين/ات العرب إلى فلسطين المحتلة، فإن المعايير تنص على أن “الأولوية القصوى لأي أكاديمي/فنان/مثقف عربي يرغب في فك الحصار عن الشعب الفلسطيني هي لدعم حملة المقاطعة العالمية لإسرائيل ولزيارة غزة عبر معبر “رفح” الحدودي مع الشقيقة مصر،” وتصر على أن يكون “دخول أي حامل جواز سفر عربي إلى فلسطين المحتلة فقط عن طريق تصريح من سلطات الاحتلال(أي دون أن يُختم جواز السفر)، وليس بتأشيرة دخول (فيزا)، وذلك تأكيداً على رفض التعامل مع دولة الاحتلال كدولة طبيعية.”[1]
يكمن الفرق الأساسي والأهم بين تصريح الاحتلال والتأشيرة الإسرائيلية في أن الأول يُصدر من قبل سلطات الإحتلال الإسرائيلية ومن إسرائيل كدولة محتلة تتحكم بالمنافذ الأراضي الفلسطينية بحكم الاحتلال الواقع على الأرض، أما الفيزا الإسرائيلية تصدر من قبل السفارات الإسرائيلية في الوطني العربي كأي دولة أخرى تمنح تأشيرات زيارة “لأراضيها” وفي هذا إقرار صريح وغير ضمني بأن إسرائيل دولة شرعية وطبيعية كغيرها من الدول، تتحكم بمنافذ الأراضي الفلسطينية بحكم حقها في ذلك لا بحكم اعتدائها وسيطرتها عليها بالقوة. إن التعاطي مع “الفيزا” الإسرائيلية يعامل إسرائيل كدولة عادية في الأوساط العربية، تماماً كغيرها من الدول، في الوقت الذي تجب معاملتها كدولة إحتلال، لا مكان لها ولا لسفاراتها في العواصم العربية، وهذا بالتأكيد هو نبض الشارع العربي بمختلف مستوياته. كما أن هناك عنصر هام للغاية غائب عن أغلب النقاشات الدائرة في أراضي 48 حول زيارة “أوتوستراد”، وهي أن معايير المقاطعة في الأردن تعتبر الحصول على فيزا إسرائيلية أحد أشكال التطبيع الذي يضعف نضال المجتمع الأردني (والفلسطيني اللاجئ في الأردن) لمحاصرة وعزل اتفاقية “وادي عربة” شعبياً وصولاً إلى إلغائها، وهذا لا بد من أخذه بعين الاعتبار.
من هذا المنظور فإن استخدام الفيزا الإسرائيلية من قبل أشقائنا العرب بشكل عام، والأوساط النخبوية مثل الرياضيين والفنانين والمثقفين بشكل خاص، مهما كانت الأسباب وخاصة بمطالبة فلسطينية، يمثل خسارةً سياسيةً باهظةً تتجاوز أخطارها وبكل تأكيد أية منافع يمكن جنيها من وجود فرقة عربية في أراضي 48 وبين شعبنا الفلسطيني الصامد فيها. قد ينتج عن هذا الحفل تواصل “لحظي” بين تلك الفرقة وجمهورها الفلسطيني، إلا أن التأثير الأعمق والأطول أمداً، بل والأخطر، هو فك عزلة إسرائيل الفكرة والدولة في عالمنا العربي من أجل مكاسب وإن لم تكن صغيرة فإنها لا تُعَوّضُ الخسارة التي سنتعرض لها.
ثانيا: حفل أوتوستراد في الناصرة: الغاية لا تبرر الوسيلة
لا شكّ أن نوايا فرقة أوتوستراد ومنظمي الحفل الفلسطينيين حسنةٌ حيثُ أنها تهدف إلى تعزيز تواصل فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948 مع محيطهم العربي، ولكن يجب برأيي ألا نبرر الوسيلة بالغاية، مهما كانت الأخيرة نبيلة، لأن هذه الوسيلة قد تستغل من جميع المطبعين الذين لا يملكون نوايا حسنة. كما يجب أن نتطرق إلى تبعات الحفل وتأثيره على نضالنا بشكل عام، وأثره على الوجود الإسرائيلي في البلدان العربية وعلى حملة مقاطعة إسرائيل متزايدة الانتشار بشكلٍ خاص.
لهذه الحفلة، ولإقامتها من خلال الحصول على تأشيرة دخول إسرائيلية، العديدُ من الدلالات التي قد تمثلُ إحداها دعوةً،-ربما غير مقصودة، لفك عزلة السفارات الإسرائيلية في العواصم العربية وللتقليص من أهمية معايير المقاطعة المتبناه عربياً في ظل تبريرات معينة، أو هي، كحدٍ أدنى، تبريرٌ للتعامل مع السفارات الإسرائيلية في العالم العربي لأغراض فنية.
مع تواصل الحراك الشعبي المسمى بالربيع العربي، خاصةً في مصر الحبيبة والآن في الأردن، ومع تحقيق حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) إنجازات هامة في الفترة الأخيرة في مسار عزل إسرائيل عالمياً، علينا أن نؤكد على أهمية وقيمة رفض الشارع العربي للتطبيع مع إسرائيل مهما كانت الغايات أو المبررات. كما أن التواصل العربي مع الشعب الفلسطيني أكبر من أن يرتهن بتأشيرة دخول إسرائيلية، ولا شك أن طرقاً عديدةً يمكنُ السيرُ خلالها لتعزيز هذا التواصل دونما أي خرقٍ لمعايير المقاطعة أو مسٍ بأهدافها.
عند اختيار وسائل المقاطعة، لا بد لنا من التطرق لمعايير حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية لتطبيق المقاطعة في الأراضي المحتلة عام 1967[2] وفي أراضي 48 [3]وكذلك للمعايير التي يجب أن تخضع لها زيارات الفنانين العرب لفلسطين المحتلة[4]. دار جزء من الجدل أيضاً حول شرعية هذه المعايير خاصة في ظل ما صُور كتمييز فادح بين زيارة أراضي 67 و48. لقد طورت هذه المعايير بعد نقاشات ولقاءات وحوارات عديدة أشرفت عليها حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية مع المؤسسات والنشطاء في أراضي 67 و48، أي أنها موضع إجماع (أو في أدنى تقدير ما يقارب الإجماع) في المجتمع المدني الفلسطيني. لقد وضعت هذه المعايير لتكون مرجعاً نعود إليه في حال ظهور أي خلاف حول كيفية تطبيق المقاطعة، ولتكون أداة فعلية لتقييم حسب الحقائق والأفعال، لا النوايا. هذا بالإضافة إلى كون حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية مرجعية حملة المقاطعة (الأكاديمية والثقافية) العالمية والمحلية، وأحد أهم أسباب نجاح الحملة. ما لا يمكن إسناده إلى هذا الخلاف، برأيي، هو خرق معايير المقاطعة العربية التي تندد جميعها بالتعامل مع السفارات والممثليات الإسرائيلية بغض النظر عن الأسباب، والتي لا يمكننا تجاهل كونها سببا رئيسيا في عزلة إسرائيل على المستوى العربي.
ثالثاً: مقارنة الزيارات العربية في الضفة الغربية وأراضي 48
فاجأني اختزال النقاش الدائر حول هذا الموضوع في مقارنة غريبة بين التواصل العربي المسموح به في الضفة الغربية ونظيره في أراضي 48، دون التطرق للصورة الأوسع التي تتضمن اضطهادنا الأعظم وسجننا الأكبر الذي يأسرنا كفلسطينيين معا، مع اختلافِ أماكن تواجدنا. نعم، قد تختلف زنازين حبسنا بمساحاتها والمسافات الضيقة التي تفصل قضبانها، وربما أوقات الفسحة والأماكن المسموحة لفسحتنا القصيرة، إلا أنه لا غريبَ في هذا الأمر، فسياسة مضطهدنا كانت وما زالت”فرق تسد”. وإن هذه الفروق والميزات الصغيرة لا تزيد عن كونها عوامل وظفها عدونا للتفريق بيننا، عبر مساواة بعضنا بأشياء معينة، وحرماننا من أمورَ مختلفة، وحرمان بعضنا الآخر من كل تلك الأمور مجتمعة!
أتساءل عن سبب توظيف هذه المقارنة الضيقة بين التواصل العربي الفني في الضفة الغربية ونظيره في أراضي 48 لتبرير حفلة اوتوستراد، دون النظر إلى الحضور والتواصل العربي في غزة المحاصرة، مثلاً، أو في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات المحاصرة في لبنان، كمثالٍ آخر. لقد كان نضالنا ومازال يتطلب منا تقديم تضحيات تحتم علينا توظيفَ معايير نضالية باهظة الثمن، تؤثر علينا بمقادير مختلفة حسب الظروف التي يعيشها كلٌ منا والتي هي بمجملها ظروف صنعها الاحتلال، علينا جميعاً أن نتحمل هذه المسؤولية لتحقيق الهدف المشترك الأسمى وهو حريتنا جميعا على اختلاف الظروف التي نعيشها والتحديات التي نواجهها في مناهضة الاحتلال إذ لم يكن، يوماً، الهدف الذي نحاول تحقيقَه هو المساواة بين معايير الأسر الذي يفرضها علينا سجّاننا، بل كان تحسين ظروف الفلسطينين أينما كانوا وبأي قدر حتى يقوى بهم الكل الفلسطيني.
لا شك في أننا جميعا نحلم بفلسطين عامرة بأهلها ولاجئيها العائدين إلى ديارهم، هم أصحاب البحر يعيشون في أوساط عربية يعود إليها قطار حيفا-بيروت، ورحلات الخمس عشرة دقيقة إلى الأردن، وطرق مفتوحة دائما وأبدا إلى المغرب وتونس ومصر. إلى حينها، ولكي نحقق حلمنا الجماعي، علينا أن نلزم مواقعنا النضالية وأن لا نقع ضحية انتصارات مزيفة قد تبدو آنيه تحد من نضالنا الأكبر والأوسع.

*هند عواد؛ ناشطة في حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الإستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)

***

الهوامش

[1] http://www.pacbi.org/atemplate.php?id=181
[2] http://www.pacbi.org/atemplate.php?id=50
[3] http://www.pacbi.org/atemplate.php?id=385
[4] http://www.pacbi.org/atemplate.php?id=181

***

الرابط للمقال: http://www.qadita.net/2012/12/09/autostradnaz