آخر المواد

اتوستراد عمان- الناصرة: هل هي مُعبّدة؟

بقلم وافي بلال //

Space

أثارني في الأيام السابقة النقاش الدائر حول حضور “فرقة أتوستراد” من الأردن لإقامة حفلة موسيقية في مدينة الناصرة، فراودني شعور “عمان العاصمة تعلن واحدة من صرخاتها بالحلة الشبابية”. وسرعان ما تعالى غضبي إذ فكرت بمعنى هذه الزيارة من خلال أخذ تصريح من الاحتلال وسفاراته، التي نفتخر بكونها معزولة في العالم العربي عن محيطها.

لهذا التواصل العربي، وبدون شك، معنى ثقافي ومعنوي ووطني ليس بالقليل، بل هو ثمرة تعطش الأقلية الفلسطينية الأصلانية لامتدادات جذورها العربية. وهي بدون شكّ تقدم ثمناً بكونها معزولة هي الأخرى عن محيطها الطبيعيّ؛ فتفاصيل المكان تغيّرت، وموروث هذا الشعب ينهب يوميًا، فلا التراب باقٍ على حاله ولا السماء.

يبدو بديهيًا للوهلة الأولى أن نشارك وندعم هذا الحفل، فهو واحد من منافذنا الضيقة على العالم العربي. مدينة الناصرة بتاريخها وحاضرها، ستحتفي بغريزة الأطفال المرحة بهذه الزيارة. قال المهاتما غاندي: “من الخطأ اعتقاد أنّ كل شيء لا نستطيع فهمه أو استيعابه، خطأ”. الأمر حتماً كذلك. فاعتراض حملة المقاطعة على زيارة “فرقة اتوستراد” يبدو غير مفهوماً للوهلة الأولى؛ فما المشكلة في حضور فرقة عربية إلى مدينة الناصرة وإقامة عرض فنيّ ملتزم وهادف فيها؟ لكن عدم فهمنا لهذا الاعتقاد لا يجعله خطأُ. علينا أن نتذكر أنّ شعوبنا العربية وبعيداً عن حكامها، قامت بعزل السّفارات الاسرائيلية على مدى سنوات عدة، ونبذتها رغم تآمر وتعاون حكوماتها وأذرعتها الاقتصادية معها. وهذه الحقيقة برأيي ولدت حالة المقاطعة الشعبية الأوسع لإسرائيل، والتي بفكرتها وروحها وأثرها أمتدت وتشعبت لنراها اليوم في ممارسات المقاطعة المختلفة التي عزلت اسرائيل ونبذتها في الدول العربية وفي العالم أجمع، ليمتدّ أثرها، فنقرأ يومياً بيانات كبار الفنانين العالمين والجامعات الكبيرة التي اعلنت مقاطعتها وإلغاء حفلاتها وأنشطتها. أضف إلى ذلك الشركات المختلفة التي سحبت استثماراتها من هذا الكيان المغتصب، والأمثلة كثيرة.

اليوم توجد حقيقة واحدة: إسرائيل تتخوف وترتعب من فكرة مقاطعتها أكثر من صواريخ المقاومة أحياناً، لأنّ حراك المقاطعة هو ممارسة يومية غير محدودة السقف وغير محدودة الخسائر، من الممكن إلحاقها بهذا الكيان، وهي أسلوب “غير عنيف” بمفهوم ما تحاول إسرائيل ترويجه وادعاءه حول المقاومة الفلسطينية المسلحة، وبالتالي تتبخر ادّعاءات إسرائيل المزعومة.

كلّ ما ورد أعلاه ليس تحليلاً؛ فسنّ إسرائيل لقانون المقاطعة الذي يمنع الترويج أو المساهمة في أيّ نشاط يقاطع إسرائيل، يُعتبر تصريحاً واضحاً لما تعانيه هذه الدولة من خسارات وعزل. وكلنا أمل ان يكونوا أقل من “مائة عام من العزلة”، لأنّ شيئًا ما يجب أن يتغير…

وبالتالي، فإننا يجب أن نعلن صرخة مدوية في وجه زيارة “فرقة اتوستراد” بهذا الشّكل، لا تخويناً لهم أو لمنظمي الأمسية، بل لأنهم بحضورهم للناصرة بالتنسيق مع السّفارة الإسرائيلية في الأردن، يكونون قد فتحوا باب التطبيع مع إسرائيل على وسعه، وساهموا في تحويل مشهد التعامل مع السفارات الإسرائيلية كمشهد عاديّ في حياة الشعوب في الدول العربية، ويبدو أنه بهذا الشكل سنرى قريباً رجال الأعمال العرب يستثمرون حتى في المستوطنات الإسرائيلية. فالتطبيع هو مسبحة، حين تكرّ حبّاتها تصعب إعادتها إلى سابق حالها.

وهنا يطرح السؤال: كيف نحافظ على هذا التواصل العربي ومعانيه المختلفة، دون المساس بأداة المقاطعة التي تشكل إحدى أفضل أدواتنا الحالية ضمن مشروعنا التحرّري؟ إنه تحدٍّ ليس بالهيّن بلا شك. ولهذا، ندعو حملة المقاطعة لأسرائيل أن تفكر مجدداً وبشكل أبداعيّ، في مناقشة إضافية لمعاير المقاطعة الخاصة بمناطق الـ 48، لتصاغ معايير جديده تتيح هذا التواصل ضمن منظومة واضحة وليست عبثيه. ولكن، وإلى حين يقرّ ذلك، لن نقبل بأن نراهن على ما قدّمه حراك المقاطعة حتى الآن من إنجازات، وعليه أدعو الجميع للتفكير مرة أخرى بمشاركته بهذا الحفل. فلدينا عتب كثير على “فرقة اتوستراد” التي لم تكترث بنداءاتنا المختلفة، وغيّرت موقفها الذي أعلنته قبل عاميْن برفضها الحضور لفلسطين بالتنسيق مع السّفارات الإسرائيلية، وتجاهلت المعاني المتعلقة بهذه الزيارة.

فكيف سنطالب الفنانين الأجانب بمقاطعة إسرائيل وعدم إقامة الحفلات، طالما تقوم فرقنا العربية الملتزمة بذلك؟

***

الرابط للمقال: http://www.qadita.net/2012/12/06/bilal