آخر المواد

حين يرتدي التطبيع عمامة

بقلم مجد محسن //

Space

تناقلت وسائل الإعلام في الأيام الماضية خبر زيارة مفتى الديار المصري علي جمعة والأمير غازي بن محمد رئيس مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي إلى القدس لافتتاح كرسي الإمام الغزالي للدراسات الإسلامية. ولأن التطبيع لدى البعض ما عاد من المحرمات البديهية، فيبدو أن علينا أن نفسّر.

كل شيء في العالم يحدث في سياق إلاّ عندنا في فراغ. فلسطين محتلة والقدس محتلة والأقصى ضاع وهم يزورونه متذرعين بالدين. فإسرائيل الآن ستخشى من استكمال خططها لأن القوة الأخلاقية لهؤلاء ستسحقها ولأنها لن تجرؤ على هدم “الكرسي” الجديد. الحمد لله أن لا هرمية ولا مؤسسات في الإسلام وأن بضاعة المدّعين بصدارة الدين لا تردّ إلاّ عليهم.

لمن يريد من رجال الدين أن يمارس دوراً دينياً- سياسياً (ليس طبعاً على طريقة الشيخ علي جمعة ) هكذا اختار الكاتب أمين معلوف أن يبدأ كتابه “الحروب الصليبية كما رآها العرب”:

“دخل القاضي أبو سعيد الهروي ديوان الخليفة المستظهر بالله الفسيح صائحاً حاسراً حليق الرأس علامة على الحداد، وفي أثره حشد من الرفاق شباناً وشيباً يصدقون بصخب على كل كلمة من كلماته ويُبدون مثله للعيان منظراً يشوبه التحدّي: لحية كثّة تحت رأس حاسر أملس. ويحاول بعض وجهاء البلاد تهدئته ولكنه يُزيحهم بحركة تنمّ عن ازدراء ويتقدّم بعزم وتصميم إلى وسط القاعة فيأخذ في تبكيت الحاضرين من غير اكتراث مناصبهم بكلام لاذع كالذي يستخدمه الواعظ على المنبر:

– أتجرؤون على التهويم في ظل أمن ورغد وعيش ناعم شأنَ زهرة في خميلة وإخوانكم في الشام لا مأوى لهم سوى ظهور الجمال وبطون النسور والعقبان؟ كم من دماء سُفكت! وكم من نساء أخفين وجوههن بأيديهن حياءً وخجلاً! أيرضى العرب البواسل المهانة ويقبل الأعاجم الشجعان بالذل؟!.

ويقول الإخباريون العرب: ’وكان خطاباً أبكى العيون وحرّك القلوب‘. وانتاب الحضور جميعاً نشيجٌ ونحيب، ولكنّ الهروي لا يريد شيئاً من دموعهم فيقول لهم:

– إن أسوأ ما يلجأ إليه المرء من سلاح أن يسكب الدمع بينما تُذكي السيوفُ نارَ الحرب.

وإذا كان قد سافر من دمشق إلى بغداد طوال ثلاثة أسابيع من أيام الصيف تحت أشعة الشمس المحرقة ما كان ذلك لاستدرار الشفقة، وإنما لإخطار أرفع السلطات الإسلامية بالمصيبة التي حاقت بالمؤمنين والطلب إليها أن تتدخل بلا إبطاء لوقف المجزرة. وردّد الهروي قائلاً: ’لم يسبق قطّ أن أذِلّ المسلمون هذا الإذلال ولا أن نهبت بلادهم بمثل هذه الوحشية‘. لقد كان كل من معه من رجال قد فرّوا من المدن التي نهبها الغازي؛ وكان بعضهم من القلّة القليلة الناجية من أهل بيت المقدس.”

وروي أيضاً عن القاضي الهروي (وكان أفغانياً كما كان صلاح الدين كردياً لمن يرددون أن القضية الفلسطينية شأن فلسطيني) أنه قبل أن يذهب إلى الخليفة، أراد استثارة حميّة الناس ليرافقوه. فلم يجد أمامه سوى المجاهرة بالإفطار وكان ذلك في أيام رمضان. وطبعاً استثار الحمية الدينية الضيقة والتي لا نريد أن تفارقنا إلى اليوم. فالأوطان كانت كما الآن تستباح، وكما الآن كان هناك من لا يرى إلاّ توافه الأمور.

الشيوخ الأفاضل، تعريف التطبيع ليس سراً وعليه إجماع، وهو خط أحمر أو هكذا كنا نعتقد. وكنا نعتقد أن من يأتي بمنكر كهذا على الأقل يفعله في الخفاء، لأنكم إذا بليتم فاستتروا. ومن لم يرد أن يمدّ للقدس يده ليحرّرها فليكفّ يده عنها. حتى إنهم لم يذهبوا ليطمئنوا على حال أهلها ويشدّوا أزرهم، ويشاهدوا مباشرةً عملية التهويد المتواصلة ليعودوا إلينا بالتوصيات والمعلومات. هم يكفيهم أن يظهروا علينا في الإعلام برسائل في حملات الدفاع عن القدس كالتي رأيناها منذ أسابيع. أظن أن القاضي الهروي كان سينتحر لو رأى ما يجري الآن (ومعه الشيخ الغزالي ربما) لا فقط أن يفطر.

أختم بما قاله أحد النشطاء الفلسطينيين في مصر معلقاً على هذا الموضوع “خائن من يدخل القدس سائحاً وليس فاتحاً”… وهو لم يقصد فاتحاً لكراسي بحثية وإن كانت إسلامية… أو ربما ظنّوه فتحاً إسلامياً.

http://www.filmirsad.com/opinions/حين-يرتدي-التطبيع-عمامة