آخر المواد

برعاية مسرح البلد… عندما تصبح محاربة التطبيع موضع تساؤل

بقلم رامي أبو جبارة //

Space

قرأت مقالة السيدة زينة أبو عناب بعنوان “لمصلحة من؟” والمنشورة على موقع حبر بتاريخ 05-04-2011، وحتى أكون صريحا، استفزني جدا سؤالها الذي يؤدي اوتوماتيكياً إلى التساؤل: لمصلحة من تتم محاربة التطبيع؟! حتى تخيلت نفسي أواجه محكمة مستقبلية تقاضيني بتهمة الدفاع عن القضية الفلسطينية أو أية قضية عادلة أخرى!! تقول زينة في مقالها ان انخراطها في العمل السياسي لا يتعدى كونها مواطنة مهتمة بالعمل العام، وقد اشارت لي صديقة وهي احدى منظمات اسبوع ارض وكرامة، أن غالبية المشاركين في التنظيم كانوا كذلك. ولذلك فمن حق هؤلاء التعجب لأنهم لا يعرفون حساسية النشاط السياسي في الأردن، ومن حقهم التساؤل عن الهجمة الشرسة ضد النشاط، وسأحاول أن اجيب عن تساؤلاتهم قدر الامكان.

هناك العديد من المؤسسات الفاعلة عربياً، وخصوصا في الاردن ومصر ولبنان، لها نشاطات تطبيعية، وأخرى متآمرة بشكل واضح مع الكيان الصهيوني. هذه المؤسسات غالبا ما تعتمد في نشاطاتها على استقطاب الناشطين الجدد على الساحة السياسية، لأن أمرهم بات مفضوحا في أوساط النخب الفاعلة. لذلك فعندما تقوم هذه المؤسسات بنشاط ما، يتم مهاجمة النشاط حتى لا يقع في شباكها المزيد من الضحايا، وحتى لا تتلقى المزيد من الدعم المشبوه من فوق ظهور هؤلاء الشباب. ببساطة هذا ما حدث مع نشاط “أرض وكرامة” الذي يقول اعلانه أنه من تنظيم مسرح البلد.

خلال الفترة الماضية، تابعت نشاط “أرض وكرامة” وما لحقه من سجال، وتحدثت مع العديد من منظميه وهم من أعز أصدقائي، وقد أعلنت صراحة تحفظاتي على النشاط، وخصوصا فيما يتعلق بمسرح البلد، واكتفيت بعدها بمشاهدة السجال. نعم قد أتفق أن هناك بعض الأمور الخلافية والتي تحتمل وجهات النظر رغم قناعاتي الراسخة بأنها تساعد على التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولكن مسرح البلد بالتأكيد ليس ضمن هذه النقاط. وهذا بالتحديد ما استفزني للكتابة، فالدفاع المستميت عن مسرح البلد هو مؤشر خطير ينذر برفع الحظر عن المؤسسات المطبّعة، ولهذا ارتأيت ان اكتب، وافند جميع المزاعم التي تحاول رفع تهمة التطبيع عن مسرح البلد.

جذور مسرح البلد كما هو موجود على موقعه تعود إلى مهرجان أيام عمان المسرحية ومسرح فوانيس حيث كان مؤسس مسرح البلد السيد رائد عصفور هو المدير التنفيذي لمسرح فوانيس مع شريكه نادر عمران. ومسرح فوانيس هذا له قصة معروفة في التطبيع ناقشها الصديق هشام البستاني بتفاصيلها مرفقا الوثائق في مقال له على موقع الأردن العربي. وواضحة بشكل لا لبس فيه دعوات مقاطعةمسرح فوانيس ومهرجان أيام عمان المسرحية وادارته، باعتبارهم مطبعين من قبل لجنة مقاومة التطبيع ونقابة الفنانين، وادراج اسم نادر عمران على رأس المسرحيين في قوائم المطبعين. وتفاصيل ارتباط مسرح فوانيس بمؤسسة فورد الأمريكية واضحة وضوح الشمس بإعتراف نادر عمران نفسه كما هو مبين في مقال د.هشام البستاني، ولا أود الخوض في كل ذلك مرة أخرى.

إذا من هذه الخلفية جاء السيد رائد عصفور مؤسس مسرح البلد، ومن هذا الرحم ولد مسرح البلد، ولذلك فقد حاصره المجتمع الأردني سريعا كما يعترف رائد عصفور بنفسه (8).

ربما يبدو الكلام حتى الآن مكررا، ولكن ما يقوله البعض ردا على ذلك، وهذا ما سمعته من أصدقاء لهم عندي مكانة، أن مسرح البلد هو تجربة منفصلة عن مسرح فوانيس وأيام عمان المسرحية، فلذلك جاء ردي هذا أن مسرح البلد عليه من الشبهات ما على مسرح فوانيس وأيام عمان المسرحية بل وأكثر.

يعترف مسرح البلد كما هو موجود على موقعه بأنه يتلقى تمويلا من هيئة سيدا السويدية، وهذه المنظمة ليست فقط كما قال عنها البعض (مثل لجنة المجابهة ود. هشام البستاني والزميلة كوثر عرار وغيرهم) أنها تروج لشعارات تطبيعية وتسعى لخلق جو من التعايش والسلام مع الكيان الصهيوني، بل اكتشفت خلال بحثي أنها تقيم نشاطات على الأرض في اسرائيل بالتعاون مع EuropeAid وذلك عبر مجموعة من المشاريع تعرف بمشاريع التوأمة Twinning projects)10) وتدعم مشاريع اسرائيلية بشكل واضح لا لبس فيه. هذا بالاضافة إلى كل ما طرحه الاصدقاء واللجان عن النقاط التطبيعية في استراتيجيتها المنشورة للشرق الأوسط للاعوام 2010 الى 2015 والتي تتضمن دعم مشاريع المياه المشتركة حول حوض نهر الاردن ودعم انشاء “سوق اقليمي” يمكّن من حل “النزاع” عبر ربط المصالح الاقتصادية بعضها ببعض، ودعم مشروع “الاتحاد من أجل المتوسط” التي تتمثل فيها اسرائيل الى جانب “جيرانها العرب” كما تقول الاستراتيجية.

كما أن منظمة أخرى على لائحة مانحي مسرح البلد (وهي هيئة SDC السويسرية كما هو مبين على موقع المسرح، بلغت مرحلة أعلى في التواطؤ، فهي تصرح علانية على موقعها أن مكتبها المعني بشؤون الضفة الغربية وغزة عنوانه في القدس – اسرائيل!

هذه اذن المنظمات التي تدعم مسرح البلد، ولا يمكن لهذا المنظمات أن تدعم دون أن تكون المؤسسة المتلقية للدعم توافق مبادئها وتعمل وفق استراتيجاتيها.

كما أن إحدى أعمال السيد رائد عصفور مدير عام مسرح البلد عام 2004 كان فيلما من انتاج مؤسسة هينريخ بل والملتقى التربوي العربي، ومؤسسة هينريخ بل لها مكتب في تل أبيب، واحتفلت عام 2008 بمناسبة مرور عشر سنوات على افتتاح مكتبها في اسرائيل (14) وغيرها من النشاطات غير تلك التي طرحت ضمن اطار مسرح فوانيس.

أما السيد أحمد الزعتري فقد كان المنسق لاحتفالية يوم حرية الموسيقى والتي أقيمت على مسرح البلد بتاريخ 02-03-2010 بالتعاون مع مؤسسة فريميوز (Freemuse). ومؤسسة فريميوز هذه تتلقى تمويلها من هيئة سيدا التي تمول مسرح البلد نفسه كما أسلفنا، كما وتتلقى هذه المؤسسة كما هو مبين على موقعها التمويل من منظمة سيجريد (Sigrid Rausing Trust)  التي تعمل في اسرائيل كما هومبين على موقعها، وتدعم عشرات المشاريع فيها، وأخطرها على الاطلاق مشروع African Refugee Development Center والذييسعى لتطوير ودعم اللاجئين الأفارقة المهاجرين إلى اسرائيل. وها هو السيد احمد الزعتري يتحدّث في احدى مقالاته المنشورة في جريدة الأخبار بتاريخ 29-12-2010 عمّا يدعوه الثقافة البديلة، ويشيد فيه بمهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان والذي واجه العديد من الانتقادات على محتواه بالإضافة إلى الأشخاص القائمين عليه، فمنسقه العام السيد أيمن بردويل حسب موقع المهرجان معروف بنشاطاته التطبيعية وعمله تحت ادارة السيد سري نسيبة (والكل يعرف من هو سري نسيبة)، فعلى سبيل المثال يسرد السيد أيمن البردويل في احدى مقابلاته المنشورة في جريدة نيويورك تايمز بتاريخ 29-03-1998 تفاصيل مشاركته في انتاج برنامج أطفال مع اسرائيلين ، وغيرها الكثير. أما مدير عام مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان السيدة سوسن دروزة ، فقد شاركت في نشاطات حضرها اسرائيليون مثل نشاط المعادلة العراقية والتي شارك فيها الكاتب الاسرائيلي من أصل عراقي شمعون بلاس.

وكما يظهر من خلال الأرشيف فإن ارتباط مسرح البلد بمنظمة تسمى “الملتقى التربوي العربي” هو ارتباط وثيق، حيث اقيم عدد كبير من النشاطات المشتركة بينهم مثل مسرحية الاتجاه المشاكس وفعاليات ملتقى حكايا وغيرها الكثير. كما أن مسرح البلد يظهر على لائحة الشركاء في برنامج حكايا المنبثق عن الملتقى التربوي العربي. هذا بالاضافة إلى أن اسم مدير مسرح البلد السيد رائد عصفور يظهر على لائحة رفاق درب الملتقى، بينما يظهر اسم مديرة هذا الملتقى السيدة سيرين حليلة في مجلس ادارة مسرح البلد. وحتى نتعرف أكثر على الملتقى التربوي العربي، فهو تأسس برعاية برنامج الدراسات العربية المعاصرة في مركز دراسات الشرق الأوسط – جامعة هارفارد حسب ما هو مذكور في موقع الملتقى، وان كان القاريء الكريم يريد التعرف على مبادئ مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد فما عليه إلا زيارة موقعه والبحث فيه عن كلمة اسرائيل حتى يرى حجم الكارثة بأم عينه وحجم النشاطات التي يقيمها في اسرائيل وترويجا لها. فعلى سبيل المثال يقيم المركز فعالية في 12-04-2011 المقبل بعنوان كسر الحاجز واقامة الجسر: التقسيمات الاجتماعية في اسرائيل. وأضع بين يدي القارئ الكريم مثال بسيط عن آحد ندوات هذا المركز بعنوان: “From Greater Israel to Global Israel: The Jewish State’s Last Chance for Democracy–and Peace” أي “من اسرائيل الكبرى إلى اسرائيل العالمية: آخر فرصة للدولة اليهودية لاقامة السلام والديمقراطية”، وللمصادفة السعيدة كان المتحدث الرئيسي في هذه الندوة هو د. روجر أوين، الذي قام د. منير فاشة بتأسيس هذا الملتقى برعايته تحديدا كما هو مبين.

أما اذا قمنا بالغوص أكثر في التفاصيل فسنجد أن سيرين حليلة مدير عام الملتقى التربوي العربي وعضو مجلس ادارة مسرح البلد، هي أيضا عضو في مجلس ادارة منظمة تعرف بRoberto Cimetta fund كما هو مبين على موقع هذا المنظمة، وهي منظمة تدعم التواصل الفني والابداعي في منطقة الأورو-متوسط. وتنشط من أجل سد الفجوات الحضارية والخلافات من خلال الفن في هذا المنطقة، وذلك من خلال تقريب وجهات النظر في المشاكل السياسية في جنوب منطقة الاورومتوسط. وبالطبع تشمل نشاطات هذه المنظمة جميع الدول الأوروبية والدول الواقعة على البحر المتوسط ومن ضمنها اسرائيل كما هو مبين في موقعها. والأدهى من ذلك فإن هذه المنظمة تركز على ضرورة التنقل (Mobility) بين الدول المذكورة (ومنها اسرائيل) في تقديم الدعم للنشاطات الفنية. بل إن احد القائمين على منظمة Roberto Cimetta fund والممولين لها هو مجلس يدعى ب The Conseil Général des Bouches du Rhône وله مكتب في اسرائيل كما هو مبين على موقع المنظمة. ومما يؤكد خيوط المؤامرة أن مسرح البلد ومشروع حكايا والملتقى التربوي العربي كلها ترد على لائحةشركاء منظمة Roberto Cimetta ، جنبا الى جنب مع منظمة Dramatiska Institute الداعمة لمسرح البلد ومشروع حكايا.

عودة إلى نشاطات الملتقى التربوي العربي، وخصوصا برنامج حكايا، وهو برنامج يمول بدعم من الاتحاد الأوروبي EuropeAid، ومشروع EuropeAid هذا هو الداعم القوي لمشروع الاندماج والتعايش بين اسرائيل وجيرانها كما نرى على موقعه. كما يوجد أيضا ممولين وشركاء مشتركين بين هذا البرنامج ومسرح البلد مثل Dramatiska Institute والتي تعمل بالتعاون مع المنظمة التي تدعم مسرح البلد وهي SIDA. بالاضافة إلى أن برنامج حكايا يتشارك مع مؤسسة تدعى ب MS Danish Association for International Co-operation كما هو مبين على موقع برنامج حكايا، وهذه المؤسسة تتعاون وتدعم مشاريع في اسرائيل.

ومن رفاق درب الملتقى التربوي العربي منتجة الأفلام السيدة Sharry Lap، وهذه السيدة من الذين تربطهم نشاطات وثيقة مع اسرائيلين، وهذا مثلا احدى البيانات الموقعة عليه والصادر عن منظمة اسرائيلية ينتقد بعض القوانين الاسرائيلية. كما أن هذه السيدة هي واحدة من منتجي فيلم سلطة بلدي والذي تم عرضه في مسرح البلد ضمن ملتقى حكايا بتاريخ 14-01-2001، ويتحدث الفيلم عن صدام الحضارات وامكانية التعايش، وتدور أحداثه في عدة دول منها اسرائيل. مما دفع الكثيرين إلى اتهام الفيلم أنه يروج صراحة للتطبيع أثناءعرضه في مصر. وقد عبر عن هذا الكاتب الدكتور جوزيف مسعد عندما هاجم الفيلم بشدة وقال أنه فيلم يروج لإسرائيل ويتجاهل معاناة الفلسطينيين بشكل سافر في مقاله المنشور في جريدة الأهرام بتاريخ 28-02-2008. والمأساة أيضا أن هذا الفيلم عرض على مسرح البلد بدعم من مؤسسة فورد المذكورة أعلاه ومؤسسة أخرى تدعى مؤسسة آنا ليند للحوار الأورو-متوسطي، وهدف مؤسسة آنا لينداكما يقول موقعها “هو التقريب بين الشعوب على ضفتي المتوسط من أجل تعزيز الاحترام المتبادل بين الثقافات ودعم المجتمع المدني الذي يعمل على تحقيق مستقبل مشترك للمنطقة”، ومن ضمن هذه الدول اسرائيل كما هو مبين على موقع المؤسسة .

عند تتبع نشاطات مسرح البلد الأخرى، نجد أن أغلبها هي اما نشاطات تطبيعية في مضمونها، أو تقام بالتعاون وبدعم من مؤسسات تطبيعية، فمثلا النشاط المقام على المسرح بعنوان أسبوع الفيلم الفلسطيني بتاريخ 2-11-2008 كان بالتعاون مع مؤسسة فنون الشرق ArteEast ، وهذه المؤسسة أيضا لها علاقات مع جهات اسرائيلية كما هو مبين على موقعها. وحتى النشاطات العادية والعابرة فلها من التطبيع نصيب حيث تم استضافة Kinan Azmeh وعازف البيانو  Dinuk Wijderatne على مسرح البلد، وكلاهما شارك في مهرجانات في اسرائيل ويعزفان من أجل السلام والتعايش مع اسرائيل، خصوصا في ما يسمى Daniel Barenboim’s Divan Orchestra for Arabs and Israelis أي أوركسترا ديفان للعرب والاسرائيلين. وغيرها الكثير الكثير من نشاطات مسرح البلد.

بصراحة لقد ذهلت وأنا أحاول تتبع هذا الملف، لتجد أن كل مؤسسة توصلك الى الأخرى، وكلها تتعاون مع بعضها البعض، وتدعم بعضها البعض، وبنفس الأشخاص، دائرة كاملة من التطبيع يجب فضحها ومقاطعتها.

أما الآن وقد أثبت لكم ليس بدليل ولكن بالأدلة القاطعة أن مسرح البلد هو مؤسسة تتلقى دعما من منظمات تطبيعية، وأنه يقيم نشاطات ذات توجهات تطبيعية لا يمكن أن تلتبس على احد (وهو ما يعززه بيان لجنة المجابهة الأخير)، فقد أستطيع أن أجيب عن سؤال “لمصلحة من؟” بأن من يحارب التطبيع انما يحاربه لمصلحتكم أنتم الشباب ولمصلحة وطنه وقضاياه العادلة ونصرة للحق. ويصير لزاماً علي أن أسأل: من الذي يزج بهؤلاء الشباب النشطاء للدفاع عن مسرح كالبلد؟ ولمصلحة من يتم تلميع المنظمات الغارقة في التطبيع؟

***

الرابط للمقال: http://www.7iber.com/2011/04/on-normalization-2/