آخر المواد

عرب الـ48 …المقاومة من الصفوف الأمامية

بقلم رامي أبو جبارة //

Space

رغم ما عرف عن مدينة لندن من برودة الجو وكآبة منقطعة النظير بسبب الضباب إلا أن اللقاء الذي جمعنا – مجموعة من الاعلاميين والناشطين العرب – مع النواب العرب الثلاثة في كنيست الدولة الصهيونية وهم د.جمال زحالقة وحنين زعبي والمحامي طلب الصانع، كان شديد الدفء وحميميا إلى أبعد الحدود، رغم ما شابه من تساؤلات عن مشاركة النواب العرب في الكنيست، ما بين مشكك بجدوى هذه المشاركة ومن اعتبر أن مثل هذه المشاركة تضفي على النظام السياسي داخل الكيان الصهيوني المزيد من الشرعية وتوفر غطاء شعبيا عربيّا من فلسطيني الداخل لجرائم هذا الكيان المتكررة.

دافع النواب الثلاثة بشراسة عن خيارهم في المشاركة في انتخابات الكنيست، وشددوا على كارثية مقاطعة هذه الانتخابات من قبل الأحزاب والجماهير العربية، حيث أن جميع القوانين التي يتم استخدامها ضد العرب تطبخ وتفصّل داخل الكنسيت، كما أن حجر الأساس الذي تنطلق منه دولة ‘اسرائيل’ إلى تسويق نفسها ومساندة الرأي العام العالمي لها، هو أكذوبة الدولة الديمقراطية التي تجيد ترويجها، ولذلك نجد العديد من الزعماء والمنظمات وحتى وسائل الإعلام في الغرب يتجاوزون الجرائم التي تقترفها اسرائيل، مبررين ذلك بأنها وإن كانت تتجاوز هنا وهناك وتخرق القانون الدولي وتنتهك حقوق الإنسان بعض الأحيان – على حد قولهم – ولكنها على الأقل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وهنا تكمن أهمية مشاركة الأحزاب والجماهير العربية داخل الخط الأخضر في هذه الانتخابات، وذلك من خلال كشف زيف هذه الديمقراطية وفضح هذه الأكذوبة، رغم صعوبة المهمة. إذ إن نقيض الديمقراطية ليس الديكتاتورية بقدر ما هو الديمقراطية الزائفة، فالديكتاتورية لها وجها القبيح الذي لا يجمّل وبالتالي يسهل تصنيفها كخطر يمكن مواجهته، أما الديمقراطية الزائفة فهي تتقن لعبة الأقنعة، وبالتالي تكون المواجهة أصعب.

في البداية لا بد لنا أن نؤكد أن قرار التقسيم المعروف بقرار 181 لم يعط أغلب مناطق الوجود العربي الآن داخل حدود 1948 وهي مناطق الجليل والمثلث للدولة الصهيونية، وإنما كانت حسب القرار تابعة للدولة العربية المفترضة آنذاك، ولكن قامت العصابات الصهيونية بابتلاع هذه الأراضي وبسطت نفوذها عليها في محاولة لتوسيع حدودها مبكرا قبل حروب أخرى خاضتها من أجل هذا الهدف، خصوصا أن الرأي العام العالمي والوضع العسكري على الأرض كان يصب لصالح العصابات الصهيونية حينها.

المعلومة التي ربما لا يعرفها الكثير أنه عندما قامت ما تسمى بدولة ‘إسرائيل’ بتقديم أوراق اعتمادها لدى الأمم المتحدة في عام 1949 تم رفض هذه الأوراق، لعدم إعطاء جنسيات مواطنة للسكان الأصليين داخل تلك الدولة، وعلى هذه الأساس تم إعطاء العرب ما يدعى بجوازات السفر ‘الإسرائيلية’ وفرضها عليهم، خصوصا أنه كان هناك لغط وأقاويل عن عودة العرب إلى القبول بقرار التقسيم بعد رفضه، وذلك بعد هزيمة عام 1948، مما حدا بالحكومة الإسرائيلية آنذاك الى محاولة فرض سيطرتها على تلك المناطق من خلال إعطاء جنسيات ‘إسرائيلية’ لساكنيها، لأن قرار التقسيم لم يكن يشمل تلك المناطق كما ذكرنا سابقا، بالإضافة إلى أن عدد العرب الذين تم منحهم الجنسيات الإسرائيلية حينها لم يكن كبيرا ولم يكن يشكـّل تهديدا لتلك الدولة الناشئة، حيث أن إجمالي العدد لم يتجاوز 167 ألف مواطن في عام 1952.

قد يتساءل البعض لماذا العام 1952 بالتحديد؟ لأن عام 1952 يحمل قدرا كبيرا من التراجيديا، لأن الكنيست الإسرائيلي كان قد أقــــــرّ قانونا أغلق الباب فيه أمام اللاجئين العرب الفلسطينيين، الذين لم يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم حتى تاريخ 14 تموز/يوليو 1952، من منحهم الجنسية ‘الإسرائيلية’، ولكن المضحك المبكي أنه لم يكن باستطاعة أي لاجئ عربي فلسطيني العودة إلى دياره أصلا وذلك بسبب إغلاق الحدود أمامهم من جانب السلطات الصهيونية.

أما الآن فإن هذا العدد يقدّر بحوالي المليون ونصف المليون عربي يحملون الجنسية ‘الإسرائيلية’ ويشكلوّن ما نسبته 20′ من التعداد السكاني لدولة ‘إسرائيل’، مما أدى إلى اعتبارهم – وأسباب أخرى سنأتي على ذكرها – تهديدا استراتيجيّا من شأنه أن يقوض الدولة الصهيونية، ولذلك يصرّ الكيان الصهيوني اليوم على اعتراف العالم أجمع به كدولة يهودية خالصة، وهذا إن حدث سيهدم كل الإنجازات التي حققها عرب الداخل والتي سنمر على ذكرها في المقال وسيضع مصيرهم في المجهول.

قبل أن نشرع بتفصيل الدور النضالي الكبير الذي تقوم به الجماهير العربية داخل الكيان الصهيوني، سنقوم بمناقشة ديمقراطية ‘إسرائيل’، إذ ان جميع وسائل الإعلام الغربي وأنظمته الرسمية – والعربية أحيانا – تتشدق بشفافية الانتخابات داخل الدولة الصهيونية، والتداول السلمي والديمقراطي للسلطة داخله، وتمتد هذه الديمقراطية على حد تعبيرهم لتشمل عملية سن القوانين وتطبيقها عبر صناديق الاقتراع واستنادا إلى رأي الأغلبية. قد يكون هذا صحيحا، فأنا لست بصدد التشكيك بنزاهة الانتخابات الإسرائيلية، كما أنني قد أتفق على أن مرجعيات دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني هي الأغلبية الانتخابية – هنا على الأقل، ولكن ما غاب عن ذهن المتشدقين – لا أدري إن كان بقصد أو من دون قصد – بتلك الديمقراطية أن هذه الأغلبية الانتخابية هي ليست شرعية أساسا، فبعد أن تم قتل وذبح وتشريد سكان البلاد الأصليين وبعد نفي وإبعاد حوالي 70′ منهم، وبعد أن جعلت آلة الحرب الصهيونية الأكثرية أقلية والأقلية أكثرية تم الاحتكام لصناديق الاقتراع، هذا في حال صادقنا على وجود شرعية الـ30’ والذي هاجر معظمهم بين أعوام 1919-1947 بطرق غير شرعية وبتواطؤ مع الانتداب البريطاني. وهنا بالذات يكمن الخلل، فتخيلوا معي أن لجنة مكونة من عشرة أشخاص تريد انتخاب رئيس لها، قام ثلاثة أعضاء من تلك اللجنة باحتجاز السبعة الآخرين، واجتمع ثلاثتهم فقط وقاموا بةنتخاب رئيس للجنة بالإجماع بينهم! هذا ما حدث ويحدث في كذبة الديمقراطية المزعومةن ولذلك لا بد لنا من التركيز على هذا النقطة والإنطلاق منها لهدم الادعاءات الصهيونية.

أما بخصوص الجماهير العربية داخل الكيان الصهيوني وصراعها معه، فباستطاعة المدقق في مسيرتها أن يجد تطورا مستمرا في خطها النضالي منذ عام 1949. المرحلة الأولى من هذا الصراع كانت عبارة عن صراع بقاء مرير خاضته الجماهير العربية طويلا ضد الحكومات الصهيونية وما عرف بالحكم العسكري حينها، وكان الهدف من هذا النضال التشبث بالأرض وعدم الرضوخ إلى الاعتداءات والضغوطات الرامية إلى تهجير البقية الباقية من الشعب العربي الفلسطيني داخل ما يسمى بالخط الأخضر، حيث كان مطلبها النضالي الأساسي في هذه المرحلة هو الأمن والأمان.

بدأ هذا النضال بالتطور منذ إلغاء الحكم العسكري وتحديدا في عام 1966 واستمر بالتطور حتى شهد عام 1976 أول تحد صريح خاضته الجماهير العربية ضد السلطات الصهيونية وضد قرارها المتعلق بمصادرة آلاف الدونمات من الأراضي ذات الملكية الخاصة في نطاق حدود مناطق ذات أغلبية سكانية عربية مطلقة، وخاصة في الجليل، حيث هبت الجماهير العربية في 30 آذار/مارس 1976 وقامت بإعلان إضراب عام وحشدت لمظاهرات عديدة، مما أدى إلى وقوع صدامات بين المتظاهرين والجيش الصهيوني، عرفت لاحقا بيوم الأرض أو هبة الأرض، باختصار دخلت الجماهير العربية مرحلة جديدة من النضال وهو ما يمكن اعتباره المرحلة الثانية، حيث بدأ سقف المطالبات بالارتفاع وأصبحت الجماهير العربية لا تكتفي بحق الوجود فقط بل وأصبحت تطالب بالمساواة الاجتماعية مع فئات المجتمع الأخرى وبكافة حقوقها المدنية وأصبح المطلب الرئيس لهذه المرحلة هو المساواة والدولة لكل مواطنيها.

في الآونة الأخيرة بدأنا نلحظ منعطفا جديدا أكثر أهمية في نضال عرب الداخل أدخل الصراع مرحلته الثالثة، حيث أصبح يتبلور مشروع قومي ونضال سياسي مرتفع السقف يشمل الحقوق السياسية والتمثيل السياسي ومعارضة السياسة الخارجية، بل وأصبح هناك تحد صريح لمشروع الدولة الصهيونية من الأساس، مما حول هذه المقاومة إلى مقاومة سياسية عنيفة بدأت تتضح معالمها أثناء الحروب الصهيونية الأخيرة على لبنان وغزة وحتى في حادثة أسطول الحرية.

هذا التصاعد في وتيرة النضال والمقاومة عند الجماهير العربية أدى بدوره إلى ارتفاع ملحوظ في الوعي بين الجماهير، حيث كانت نسب تصويت العرب لأحزاب صهيونية – غير عربية – مرتفعة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت تفوق الـ60’، ولكن هذه النسب استمرت في الانحدار حتى وصلت إلى 34′ في انتخابات عام 2003، هذا وقد أكدت النائبة حنين زعبي خلال اللقاء أن هذه النسبة قد انخفضت إلى النصف – أي حوالي 17′- في الانتخابات الأخيرة.

لقد حمل العرب في الأقطار المحيطة بالكيان الصهيوني وفلسطينو الشتات ومعهم الكثير من أحرار العالم راية الكفاح المسلح والمقاومة ضد الصهيونية في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم في ما عرف بالثورة الفلسطينية، وقد استمروا في حمل هذه الراية حتى أوائل الثمانينات، ولكن ولعدة أسباب – لا مجال لذكرها هنا – تراجعت هذه الفئة عن قيادة النضال والمقاومة شيئا فشيئا إلى أن سلمت الراية إلى العرب الفلسطينيين الموجودين في غزة والضفة الغربية، وتحديدا في عام 1987 مع انطلاق الانتفاضة الأولى المجيدة، وقد استمر هؤلاء بدورهم في قيادة جبهة النضال والمقاومة المسلحة ضد الصهيونية حتى بدأت هذه المقاومة بالتراجع عقب توقيع اتفاقية الهدنة التي توقفت الانتفاضة الثانية على إثرها، وقد أدت حرب غزة الأخيرة إلى إطلاق رصاصة الرحمة على المقاومة المسلحة في تلك المناطق. أما الآن فأنا أرى أنه حان الوقت لتتسّلم الراية الجماهير العربية داخل الكيان الصهيوني وإن كان لنضالهم خصوصية قد لاتمكـّنهم من حمل السلاح ولكنني متيقن أنه سيكون لنضالهم وقع أكبر من وقع البندقية.

***

الرابط للمقال: http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=data%5C2010%5C10%5C10-03%5C03qpt17.htm