آخر المواد

نقد خطاب التحرّر اليهودي: عن الصهيونية والمشروع الاستيطاني في فلسطين

بقلم هشام البستاني //

Space

لقد حان الوقتُ ليَرفَع اليهودُ صوتَهم بقوة ضدّ الصهيونية. ويبدو انّ “الشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية،”وهي شبكةٌ من اليهود التقدميين الذين يناصرون قضايا التحرر، ويَعتبرون أنّ على اليهود أن يكونوا جزءًا من الصراع ضدّ الإمبريالية ضمنَ مجتمعاتهم الأصلية. وقد غيّروا اسمَهم مؤخّرًا من “شبكة التضامن اليهودية العالمية” إلى “الشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية.” انظر موقعهم الإلكتروني http://www.ijsn.net ضمن قوى تحررية يهودية مشابهة، تحاول أن تفعل ذلك بالضبط. وهي تسير قُدمًا باتّباع تكتيكٍ هجوميّ، بدلاً من ردّ الفعل الذي يميّز أغلبَ أعمال التضامن.
يأخذ هذا الهجومُ مساريْن. الأول عمليّ، وذلك من خلال مشروعٍ طموحٍ لإقامة محاكمات شعبية للشخصيات والمؤسّسات الصهيونية التي أسهمتْ في تعزيز أركان المشروع الصهيوني، وعلى الخصوص ما يتعلّق بإقامة التمظهر الماديّ للصهيونية (“إسرائيل”) ودعمه. أحدُ المستهدفين الرئيسيين من هذه المحاكمات سيكون “الصندوقَ القومي اليهودي” الذي لعب دورًا معروفًا في تهجير السكّان العرب من فلسطين وقتلهم وتعزيز الاستيطان الصهيوني. والمسار الثاني نظريّ يهدف إلى تأسيس خطابٍ تحرريّ جديدٍ لليهود، وإلى تصفية مجموعة من الخرافات التي وجدتْ طريقًا إلى عقول الناس حول العالم وإلى لغتهم اليومية، لتصبح ثوابتَ طبيعية.

الدعوة إلى تفكيك “إسرائيل
من خلال الالتزام بـ “تفكيك الأپارتهايد الإسرائيلي، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، وإنهاء الاستيطان الإسرائيلي لفلسطين التاريخية،”من البيان التأسيسي للشبكة، انظر الموقع الإلكتروني اعلاه. تقرّ الشبكةُ اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية بلاشرعية “إسرائيل،” وتعود بالنقاش إلى جذوره: كيف أُسّس هذا الكيانُ الاستيطاني ومن أجل ماذا؟ وتُعدّ هذه خطوةً كبيرةً إلى الأمام، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الذاكرة في أوروبا والولايات المتحدة عمومًا لا تستطيع (أو لا تريد) استرجاعَ ما كان يَحْدث في المنطقة العربية قبل عام 1967، وأنّ تاريخ الاستيطان الصهيوني قد بدأ منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ليتوَّج بإعلان “إسرائيل” دولةً على أنقاض السكّان العرب.

الصهيونية حركة مناهضة للسامية اختطَفت اليهودَ من جذورهم الأصلية
إضافةً إلى ذلك، فإنّ الشبكة المذكورة تُحمِّل الصهيونيةَ مسؤوليةَ “النزوح والاغتراب الشديديْن اللذيْن أُخضع لهما اليهودُ المزراحيم (اليهودُ من أصول أفريقية وآسيوية) عبر سلخهم عن أرضيّاتهم التاريخية المتنوعة… وبينما أخذت الصهيونية بالتجذّر، كانت تُخرج التواريخَ اليهوديةَ المتنوّعة] عن مساراتها لخدمة عزل اليهود الذي فرضتْه دولةُ إسرائيل.”من البيان التأسيسي للشبكة، انظر الموقع الإلكتروني اعلاه. وهو كلامٌ نجد صداه في عبارةٍ لسامي شالوم شطريت، اليهوديِّ المغربيّ الأصل الذي اختار تركَ “إسرائيل” والعيشَ في الولايات المتحدة: “هويتُنا العربية اختفت. لقد دمّرتهْا الصهيونيةُ، ولم يعد ثمة في العالم عربٌ يهود.”وارد في: شرون قومش، “صِدام العرب اليهود بالصهيونية،” الآداب، العدد 7/8/9، 2008، ص 93.
وهذا يعني أنّ الشبكة تواجه الخرافةَ الأساسية للصهيونية، وهي القول بأنّ اليهود “شعب” أو “أمة” أو “عرق.”تنبغي الإشارة هنا إلى الكتاب، المنشور حديثًا، الذي ألّفه الأستاذُ الجامعي الإسرائيلي شلومو ساند، تحت عنوان: أين وكيف تمّ اختراعُ الشعب اليهودي؟ وفيه يقول “إنّ فكرة الأمة اليهودية المحتاجة إلى ملجإ آمنٍ كمبرّر لإنشاء إسرائيل هي خرافةٌ اختُرعتْ قبل ما يزيد قليلاً من قرن.”
انظر مراجعة جوناثان كوك للكتاب على الرابط http://mrzine.monthlyreview.org/cook091008.html  فتأسيسًا على هذه الخرافة، رَوّجت الصهيونيةُ نفسَها منذ بداياتها على أنها حركةُ تحرّر وطني. وما تزال أصداءُ هذه الخرافة تتردّد في أحاديث بعض التقدميين أنفسهم، مثل وصف ما يحصل في فلسطين بأنه تطهيرٌ عرقيّ، أو عنصريةٌ، أو مقارنتِه بنظام الفصل العنصري ـ الأپارتهايد الذي كان قائمًا في جنوب افريقيا، وكأنّ اليهودية عِرقٌ أو إثنيةٌ قائمةٌ بذاتها.
على أنّ ذلك لا يعني أنّ ما تقترفه “إسرائيل” من ممارسات تمييزية ضدّ العرب، وضدّ اليهود الشرقيين أو السود أنفسهم، لا يرقى إلى عقليةٍ “عنصريةٍ بيضاء” ذاتِ تأثيرات أوروبية. ولكنْ ينبغي عدمُ النظر الى تلك العقلية على أنها عنصريةٌ صرفةٌ تنطلق من أرضياتٍ إثنيةٍ أو قوميةٍ أو عرقيةٍ خالصة، وإنما ينبغي التأكيدُ دائمًا على المستويات المتعددة داخل الصهيونية التي تُحَوِّل اليهوديَّ الشرقي أو الاسودَ (الأدنى في منظورها) إلى مستعمِر استيطانيّ، مُحاولةً استيعابَه و/أو توظيفَه في بنيتها.
كان الادّعاء الأساسي للصهيونية هو القول بأنّ اليهود “شعبٌ واحدٌ” منثورٌ في أربعة أرجاء الارض، وأنّ هذا الشعب في أمسّ الحاجة إلى وطنٍ قوميّ.http://www.matzpen.org  وعليه، تقوم الشبكةُ اليهوديةُ الدوليةُ المناهضة للصهيونية بتفكيك هذا الادّعاء الكاذب بتعريف اليهود من خلال عضويتهم الأصيلة في مجتمعاتهم التي كانوا يعيشون فيها تاريخيّاً. وهي بهذا تتجاوز أكثرَ التنظيمات الإسرائيلية “تقدّميةً” عبر السنوات السابقة، وأعني تنظيمَ ماتسبينالجدير ذكرُه أنّ ماتسبين تَعتبر “الصهيونيةَ مشروعًا استيطانيّاً كولونياليّاً يجري تنفيذُه على حساب الجماهير العربية (وفي طليعتها الشعبُ العربي الفلسطيني) تحت رعاية الاستعمار وبالشراكة معه،” وأنّ الحلّ “يمكن ان يتأتّى فقط عن طريق ثورة اشتراكية للمنطقة، تُسقط كلَّ الأنظمة القائمة فيها، وتقيم بدلاً منها وحدةً سياسيةً للمنطقة تحت حكم العاملين. في هذا الشرق العربي الموحّد والمحرّر، يُمنح حقُّ تقرير المصير (بما في ذلك حقُّ إقامة دولة منفصلة) لكلّ قومية غير عربية تعيش في المنطقة، بما فيها الأمةُ اليهوديةُ الإسرائيلية.” انظر المبادئ الأساسية لماتسبين على الرابط http://matzpen.org/index.asp?p=52 الذي يَستعمل مصطلحَ “الأمة الإسرائيلية اليهودية” في النقطة 12 من مبادئه الأساسية.
كما تدعو الشبكةُ في بيانها التأسيسي إلى “انتزاع التاريخ والسياسة والاجتماع والثقافة اليهودية من قبضة الصهيونية.” وهذا يعني تشخيصًا بأنّ التاريخ والثقافة اليهودييْن قد تمّ اختطافُهما بواسطة الخرافات والأفعال الصهيونية. وهو كلامٌ يعيد توجيهَ اليهود مرةً أخرى إلى مجتمعاتهم الأصلية، ويعبِّر عن موقفٍ حقيقيّ مناهضٍ لمناهضة السامية. فهو يدعو إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم وذوبانهم فيها، بدلاً من الموقف الصهيوني النقيض، المناهض للسامية في واقع الأمر. ويوضح البيانُ التأسيسي للشبكة موقفَه هذا على النحو التالي: “إنّ الصهيونية ليست فقط عنصرية، بل مناهضة للسامية أيضًا. فهي تتبنّى الصورةَ الأوروبيةَ المنحازةَ جنسيّاً والمناهضة للسامية حول ‘يهوديِّ الشتات،’ الضعيفِ والمخنّث (effeminate) ، وتعاكسها بـ ‘اليهودي الجديد،’ العنيفِ والمسلّح، الذي يصبح مُرتكِبًا للعنف العنصري بدلاً من أن يكون ضحيةً له.”من البيان التأسيسي للشبكة. انظر الموقع الإلكتروني أعلاه.
لكنْ رغم هذه الخطوات الإيجابية باتجاه تشخيصٍ أوضح للصهيونية و”إسرائيل،” فإنّ فهمًا أعمقَ وتحليلاً أدقّ ينبغي تبنّيهما من قِبل أيّ تيارٍ يهوديّ تحرريّ لاستكمال مهمة القطيعة الجذرية والنهائية مع الصهيونية. في ما يلي أوردُ ما أعتقد أنه يمثّل مثلَ ذيْنك الفهم والتحليل.

خرافة خصوصيّة التحرر اليهودية
على اليهود ألاّ يروْا أيةَ خصوصية في عملية تحرير اليهود، باستثناءِ ما يتعلّق بفلسطين التي تَبْرز فيها خصوصياتٌ عدةٌ سأتناولها أدناه. إنّ صراعَ اليهود من أجل التحرر هو جزءٌ من صراع مجتمعاتهم من أجل التحرر، بل جزءٌ من صراع الإنسانية للتحرر، وليس صراعًا منفصلاً أو مُمَيَّزًا. إنّ تحرّر اليهودي هو ببساطة: تحرُّرُ البشرية. لا توجد خواصُّ محددةٌ متعلّقة بتحرر اليهودي خارج تلك المتعلّقة بمجتمعه، ويجب إنجازُ هذا التحرر على أرضيّات الصراع الطبقي.
بهذا تنتفي موضوعيّاً الثنائيةُ التقليديةُ لليهودي في مواجهة “الغوييم” (غير اليهود ـ الأغيار) في نطاق صراعٍ طبقيٍّ حقيقيّ: فلا يعود اليهودي يهوديّاً بالمعنى المادي الموضوعي، مثلما لا يعود الغوييمُ غوييمًا. الكلّ يذوب في الطبقة عندما تبدأ آليّاتُ الصراع الطبقي بالعمل، مُبدِلةً الهوّياتِ الدينيةَ والإثنيةَ والطائفيةَ بهوياتٍ طبقية.
إنّ تأسيس مجموعةٍ مناهضةٍ للصهيونية تعلن عن يهودية هويتها ذو جانب إيجابي، ولكنّ له أيضًا جانبًا سلبيّاً. الجانب الإيجابي هو تحطيمُ مصداقية الصهيونية ودعايتها حول تمثيلها الحصري لليهود. أما الجانب السلبي فهو وضعُ اليهود مرةً أخرى في إطارٍ ذاتيّ منعزلٍ خارج المنظور العامّ للنضال العالمي المتداخل.

خطأ التحالف مع المزراحيم في “إسرائيل
يقوم البيانُ التأسيسي للشبكة المذكورة بتشخيص اليهود المزراحيم على أنهم مجموعة مضطهَدة في “إسرائيل” يمكن بناءُ تحالفاتٍ معها. وهذه هي الفرضية ذاتُها التي يذهب اليها بعضُ الكتّاب العرب مثل زياد منى بقوله: “لقد ارتكبنا، نحن العرب، ونحن الفلسطينيين في الطليعة، خطايا في صراعنا مع الصهيونية، وأهملنا اليهودَ ـ العرب، الذين من دون مشاركتهم الفعّالة، سيكون إحلالُ دولة فلسطينية ديمقراطية محلَّ الكيان الصهيوني أصعبَ بما لا يقاس.”من مقدمة زياد منى لملفّ “اليهود العرب في دولة ‘إسرائيل’،” الآداب، مصدر مذكور، ص 13 فلئن كان صحيحًا أنّ اليهودَ المزراحيم في “إسرائيل” مستوطنون من الدرجة الثانية (وهذا مُثْبتٌ في الكثير من الدراسات والممارسات الإسرائيلية نفسها)، فإنهم يظلّون مع ذلك مستوطنين استعماريين. والتمييز الحاصل ضدّهم إنما هو في شكل الامتيازات المتحقِّقة داخل المشروع الاستيطاني، لا خارجه.
وفي هذا الصدد تورد شرون قومش أمثلةً عمّا تسمّيه “القمعَ الهائل الذي يتعرّض له المزراحيمُ والمزراحيات،”شرون قومش،الآداب، مذكور سابقًا، ص 73 ومنها: أنّ المزراحيم الذين استوطنوا القرى الزراعية أُعطوا أرضًا أقلّ مساحةً وأسوأ نوعيةً من تلك التي وُزّعتْ على الأشكناز؛ وأنّ المزراحيَّ يتقاضى ما معدله 13% أقلّ مما يتقاضاه الأشكنازيُّ. ولكنْ أليست تلك المزارعُ، التي هي “أقلُّ مساحةً وأسوأُ نوعيةً،” أراضيَ العرب الفلسطينيين المغتَصبة أساسًا؟ وهل النضالُ المزراحي نضالٌ من أجل المزيد من الامتيازات الناتجة من الاستيطان الاستعماري وبناه، لا من أجل تصفية الاستيطان الاستعماري وبناه وتحقيق العدالة؟
إنّ اليهودَ المزراحيم هم مستوطنون استعماريون لا يمكن إقامةُ أية تحالفات “طبقية” أو “تحررية” معهم ماداموا يشكّلون جزءًا عضويّاً من بنية الكيان الصهيوني (المستوطنات، الجيش، الهوية…الخ). إضافةً الى أنّ العديد من الأحزاب الصهيونية المتطرّفة، مثل شاس، هي أحزابٌ تمثّل اليهودَ المزراحيمَ وترتكز قاعدتُها الاجتماعيةُ عليهم.
ليتحوَّلَ النضالُ المزراحي إلى حليف، فإنّ عليه أن يعلن عن نفسه وبوضوح: أنه يريد التحرّر من “إسرائيل” لا فيها، فينبذ المزراحيمُ “إسرائيلَ” والصهيونيةَ كيانًا وهويةً بشكلٍ كامل، معلنين رغبتَهم في الانفكاك نهائيّاً عن التمثّل المادّي للصهيونية (أيْ “إسرائيل”) من خلال كسر الرابط الاستيطاني مع فلسطين، محاولين العودةَ إلى بلادهم الأصلية العربية والأفريقية (حقّ العودة معكوسًا).
لاشرعية “إسرائيل” وعدمُ التصالح مع مشروعها الاستيطاني رغم أنّ البيان التأسيسي للشبكة يَذْكر تفكيكَ “إسرائيل” كمطلب مسبّق من أجل تدمير الصهيونية ومشروعها في المنطقة العربية، إلاّ أنه:
1 ـ لا يشير الى أنّ “اسرائيل” كيانٌ غير شرعيمن المهمّ الإشارةُ هنا، وفي السياق نفسه، إلى أنّ الكيانات العربية والهويّات الوطنية التي تنتجها هي أيضًا كياناتٌ وهوياتٌ غيرُ شرعية. وقد فصّلتُ الحديثَ عن هذه اللاشرعيات في عدة دراسات ومقالات تشير إلى أنّ الوجود غير الطبيعي وغير الشرعي للكيان الصهيوني وهويته الصهيونية (القومية اليهودية) هما انعكاسٌ وتثبيتٌ للوجود غير الطبيعي وغير الشرعي للنظام العربي الرسمي نفسه وللدول المفبرَكة التي يحْكمها ولهوياته “الوطنية” التي يروّج لها، الأمرُ الذي يُكْسبهما (“اسرائيل” والنظام الرسمي العربي بأقطاره المفبركة) “طبيعيةً” ما. أنظرْ: هشام البستاني، “الأوهام القُطْرية لليسار الاجتماعي الأردني” (النسخة الكاملة)، كنعان ـ النشرة الالكترونية، العدد 1583، 2 تموز 2008، http://www.kanaanonline.org/articles/01583.pdf. وأيضًا: هشام البستاني، “الهويّات المزوّرة.. الهويّات القاتلة،” مجلة النداء (بيروت)، العدد 86، الجمعة 13 حزيران 2008، ص5، وهذه نقطة مركزية لمخاطبة أولئك الذين يعتبرونها أمرًا واقعًا بناءً على اعتراف الأمم المتحدة بها وبالنظر إلى الوضع القائم في العلاقات الدولية وتوازنات القوى العالمية.
2 ـ يَفْشل في التشديد على أنّ “اسرائيل” مشروعُ احتلالٍ استيطانيّ يجب عدمُ التصالح معه، شأن تجارب عديدة أخرى مشابهة في التاريخ البشري (الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، نيوزيلندا، أميركا الجنوبية…الخ) ينبغي إعادةُ طرحها هي أيضًا على بساط البحث.حول إعادة التفكير بالكيانات الاستعمارية الاستيطانية “المستقرة” (كندا مثالاً)، انظر العدد الخاص من مجلة: New Socialist, Issue 58, September-October 2006. لقد تصالحت البشريةُ (ويا لعارها!) مع تجارب استعمار استيطانيّ مدمِّرة ومروِّعة، وعلى فلسطين ألاّ تكون إضافةً جديدةً إلى قائمة الخزي البشري هذه التي تُقرّ بالظلم أمرًا واقعًا، بل يجب أن تكون مدخلاً لاعادة النظر في قبولنا مشاريعَ الاستعمار الاستيطاني السابقة.
3 ـ يفشل في التأكيد على أنّ “اسرائيل” هي التمثّل المادّي للصهيونية. وعليه، فإنّ قتالَها وإنهاءَ الوضع الاستيطاني فيها (أيْ أن ينهيَ المستوطنُ وضعَه كمستوطن من خلال مغادرة الكيان الاستيطاني الاستعماري، وأن يقطعَ نهائيّاً أية روابط معه، وذلك في عمليةٍ معاكسةٍ لعملية الاستيطان ـ بالإنجليزية decolonization) هما أهمُّ فعليْن وأكثرُهما أساسيةً للوصول إلى نهاية الصهيونية.
4 ـ لا يَذْكر أنّ الإسرائيليين، أَعَرفوا بذلك أمْ لا، هم جزءٌ فعّالٌ في هذا المشروع الاستيطاني القمعي بصفتهم مواطنين فيه، مشرعِنين بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشر الدوغما الصهيونيةَ. إنّ تبنّي الهوية الإسرائيلية يعني التوحّد مع التمثّل المادي للصهيونية. ومثلما قام الشبابُ الأمريكي المناهضُ للحرب في فيتنام بحرق دفاتر تجنيدهم رمزًا لرفضهم الكامل للعدوان الأمريكي، ورمزًا للانفكاك الذي لا رجعة عنه عن آلة الحرب الأمريكية، فربما يَجْدر بالمواطنين الإسرائيليين (خصوصًا اليهود، ولكنْ ليس اليهود وحدهم) أن يقوموا بحرق وثائق جنسياتهم الإسرائيلية رمزًا لرفض المشروع الصهيوني الذين هم مجنَّدون فيه.
5 ـ في حين يورد البيانُ التأسيسي بوضوح أنّ “اسرائيل” كيانٌ قائمٌ على العسكرة والعدوان، فإنه لا يتحدّث بوضوحٍ وجرأةٍ عن دعم المقاومة المسلّحة بصفتها واحدةً من أهم الآليّات الفعّالة في مواجهة مشروعٍ استيطانيّ قائمٍ على القوة العسكرية، ولاسيّما أنّ التجارب مع “إسرائيل” تؤكّد مركزيةَ لغة القوة ضدّها (هزائمها في لبنان عاميْ 2000 و2006 على يد المقاومة المسلّحة لحزب الله). كما تؤكّد تجاربُ المقاومة المسلّحة ضدّ النازية والفاشية في أوروبا الدرسَ نفسَه، ولكنّ على الاوروبي عمومًا أن يزيل غشاوةَ “التفوّق الأبيض” عن عينيه ليدرك أنّ بشرَ الجنوب ليسوا أدنى، وأنّ لهم أيضًا الحقَّ الطبيعيَّ في المقاومة وبكلّ الوسائل، وخصوصًا المقاومة المسلّحة التي يطوّرها الناسُ بأشكالٍ مختلفةٍ في المراحل التاريخية المختلفة.

خطوات عملية لتفكيك “إسرائيل
من الداخل من المجدي للشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية، أو أيّ حركة تحرر يهودية أخرى، أن تتبنّى خطواتٍ عمليةً تهدف إلى تفكيك الكيان الصهيوني، مثل مجموعة مقترحاتي التالية:
1 ـ دعوة جميع يهود “إسرائيل” إلى إنهاء وضعهم الاستيطاني في فلسطين، مفكّكين المشروعَ الصهيوني، بالتالي، من داخله. ولعل إنشاءَ شبكة من المكاتب ومجموعات العمل في جميع أنحاء اوروبا، والولايات المتحدة، وروسيا، وأفريقيا، وأميركا الجنوبية، والوطن العربي، لمساعدة اليهود الإسرائيليين على إنهاء وضعهم الاستيطاني في فلسطين وإعادة اندماجهم في مجتمعاتهم الأصلية، سيكون خطوةً هامةً لتحقيق ذلك.
2 ـ دعوة الإسرائيليين اليهود إلى حرق وثائق جنسياتهم الإسرائيلية وإعلان أنفسهم غير إسرائيليين، كرمزٍ لانسلاخهم المادّي عن الصهيونية وما ترتكبه من فظائع ظالمة.
3 ـ دعوة الإسرائيليين اليهود إلى عدم الالتفات إلى أحلام حلّ الدولتين، أو ما يُطرح الآن على أنه الخيار “التقدمي” الأوحد والمتمثّل بـ “دولة ديمقراطية علمانية واحدة في فلسطين،”حول نقد الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين، انظر: هشام البستاني، “من أجل مانيفيستو ماركسي عربي حول القضية الفلسطينية،” كنعان ـ النشرة الالكترونية، العدد 1311، 21 تشرين الأول 2007، http://www.kanaanonline.org/articles/01311.pdf، وأيضًا: عادل سمارة ومسعد عربيد، “نحو حلّ اشتراكي في فلسطين” (ثلاثة أجزاء)، كنعان ـ النشرة الإلكترونية، الأعداد 1307، 1309، 1310، 17 تشرين الأول 2007،http://www.kanaanonline.org/articles/01307.pdf بل التوجّه نحو كسر الرابط الاستيطاني مع فلسطين نهائيّاً وبشكل كامل، والإقامة في مكانٍ آخر. إنّ الهجرة إلى خارج الدولة الإسرائيلية ينبغي أن تكون نقطةَ الارتكاز الأساسية لهزيمة الصهيونية.

يهودٌ شجعان: كسرُ الرابط الاستيطاني مع فلسطين
لقد قام العديدُ من اليهود الإسرائيليين بهذه الخطوة الهامة (كسر الرابط الاستيطاني) لإنهاء وضعهم الظالم كمستوطنين استعماريين. نعيم جلعادي هو يهوديّ عراقيّ هاجر إلى “إسرائيل” في الأربعينيات وكان متحمّسًا للصهيونية؛ ولكنه بعد مشاهدته للفظائع، وخصوصًا مجزرة صبرا وشاتيلا، قال: “كان قد نفد صبري من إسرائيل، فصرتُ مواطنًا أمريكيّاً، وتيقّنتُ من التخلّي عن مواطنيتي الإسرائيلية.”وارد في: شرون قومش، مذكور سابقًا، ص33
كما أنّ سامي شالوم شطريت، الذي أتيتُ على ذكره في فقرة سابقة، اتّخذ القرارَ بمغادرة “إسرائيل،” وهو يقيم اليوم في نيويورك (ويا ليته عاد الى المغرب). وها هو يخاطب محمود درويش بقصيدة مؤثّرة تحمل عنوان “جدارية بلا جدار،” يقول فيها:
“انا أقرأ أشعارَك كلَّها كلوائح اتّهامٍ، وأُقرّ بذنْبي عن كلّ تهمةٍ،/ في كلّ مرةٍ من جديد، وألفُ احتجاج واحتجاجٍ من جانبي لن يفيدَ، لا ضدّ الصهاينة الشيوخ ولا ضدّ الشباب، الأشكينازِ منهم والمزراحيم، بيضًا وسودًا ـ فأنا واحدٌ منهم لأني لستُ واحدًا منكم/ وهذا هو بؤسُ بيتِ القصيد…”سامي شلوم شطريت، “جدارية بلا جدار،” نقلها عن العبرية إلى الإنكليزية: دينا شونرا، ونقلها عن الإنكليزية إلى العربية: سماح إدريس، وقارنها بالأصل العبري: أنطون شمّاس، الآداب، مصدر مذكور، ص 15
شطريت هنا يعبِّر، ببراعةٍ وتكثيف، عن فكرة مجتمع الاستيطان الاستعماري؛ فالكلُّ شركاء في جريمته: شبّانًا وشيوخًا، أشكنازيين ومزراحيين، بيضًا وسُودًا. ولا حلّ لهذه المعضلة الأخلاقية سوى بكسر الرابط الاستيطاني: أن لا تعود واحدًا منهم. وهو ما فعله شطريت المرهفُ إلى أبعد الحدود..

الصهيونية معكوسة: ضدّ استعادة اليهود العرب؟
سامي شطريت مغربيُّ الأصل. وعندما شَطبت الصهيونيةُ عروبتَه، ثم نَبَذَها هو راميًا “إسرائيلَ” وراء ظهره، لم يجد أحدًا من العرب ليحتضنَه. تُرى، هل فَكّر مقاومو التطبيع يومًا بالنضال من أجل استعادة اليهود العرب إلى بلدانهم العربية التي خَرجوا أو أُخرجوا منها؟ هل فكّروا بأنّ الهجرة المعاكسة لليهود العرب من “إسرائيل” إلى بلدانهم الأصلية، وتشجيعَ مثل تلك الهجرة عبر عرض تسهيلات وضمانات، خطوةٌ كبيرةٌ ممكنةٌ يمكن العملُ عليها لتفكيك “إسرائيل” وتصفيتها؟ هل فكّروا بإقامة محاكمات شعبية للأنظمة العربية والقادة العرب الذين تآمروا على مواطنيهم من اليهود أو سهّلوا ترحيلَهم إلى فلسطين، وهم بهذا كانوا لاعبًا أساسيّاً لمصلحة المشروع الصهيوني؟
لعلّ الخطاب الإسلامي الدوغمائي المعادي لليهود واليهودية بالمطلق (والذي تنجرّ إليه أحيانًا بعضُ التيّارات القومية) يقف حجرَ عثرةٍ كبرى في وجه مثل هذا الأمر؛ وهو ما يؤشِّر على فراغ فكريّ وعبثية حقيقية في المفاهيم والآليّات المتداولة حول كيفية مواجهة “إسرائيل” وتصفيتها.
نقرأ في نشرة مخصّصة بالكامل لمقاومة التطبيع هي المجابهةالعدد الرابع والاربعون، 26/10/2008، وهي نشرة غير دورية تَصْدر عن اللجنة التنفيذية للمؤتمر الشعبي لحماية الوطن ومجابهة التطبيع خبرًا عن تولّي يهودية بحرينية منصبَ سفيرة بلادها في واشنطن. ترى ما علاقة مثل هذا الخبر بمقاومة التطبيع؟ وهل تَعتبر اللجنةُ التنفيذيةُ العليا لحماية الوطن ومقاومة التطبيع في الأردن، المصْدرة للنشرة، هذا الأمرَ عملاً تطبيعيّاً؟! وبدلاً من أن تشجّع اللجنةُ مثلَ هذا التعيين لإبقاء اليهود العرب في بلدانهم، فإنها توحي باستنكارها، وكأنها (من حيث لا تدري) تريد دفعَ مَن ْتبقّى من اليهود العرب في بلدانهم العربية إلى مغادرتها سريعًا إلى “إسرائيل”: مكانِهم “الطبيعي” من وجهة نظر الصهيونية، ومن وجهة نظر مقاومي التطبيع السطحية هذه! إنها الصهيونيةُ معكوسةً: لا تَرى في اليهودي إلا الإسرائيلي والصهيوني، ولا تريد أن ترى أيَّ يهوديّ آخر.
إنّ مقاومة التطبيع الحقيقية هي التركيزُ الدائمُ على لاشرعية “إسرائيل” والعملُ على تصفيتها وتصفية المشروع الصهيوني برمّته، وليست فقط “مقاومةَ إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني.” وإنّ الحفاظَ على اليهود العرب في بلدانهم الأصلية، واستعادةَ مَنْ كان منهم في “إسرائيل،” يأتيان في صلب مهمّات أية حركة عربية جادّة ترمي إلى إنهاء المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني لفلسطين.

خاتمة: السير إلى نهاية الطريق
لقد تم الإطلاقُ العلني للبيان التأسيسي للشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية في بريطانيا يوم 2/10/ 2008، وهو اليوم الذي نَشرتْ فيه مطبعةُ جامعة كاليفورنيا الكتاب المهمّ: الاحتلال الاسرائيلي لنيف غوردون.http://www.israelsoccupation.info/content/books-description يَنظُر هذا الكتاب بعمقٍ إلى الكيفية التي تتحكّم فيها بنيةُ الاحتلال الإسرائيلي بسبل ديمومته وتناسخه وعنفه، عارضًا هذا الترابطَ بما يشْبه “الشجرةَ السُلالية” للسيطرة. لكنّ غوردون، الأستاذَ في جامعة بن غوريون في النقب، لا ينادي بتفكيك مجتمع الاستيطان الذي هو جزء منه، ولا بتفكيك الجامعة الاستيطانية الاستعمارية التي هي بيتُه الأكاديمي، والمرتبطة عضويّاً ببنية السيطرة الاستعمارية التي يوضحها ويدينها في كتابه.http://redressnewsblog.blogspot.com/2008/10/israels-occupation.html إنّ النقب نفسَها، حيث تقع جامعة نيف غوردون، خاضعةٌ للسيطرة الاستعمارية، وليس فقط “المناطق المحتلة” (اي الضفة الغربية وقطاع غزة).
إنّ الشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية هي خطوةٌ إيجابيةٌ إلى الأمام، وعلى أعضائها أن يكملوا مشوارهم إلى نهاية طريق الوضوح السياسي والتاريخي، لا البقاء في منتصفه مثل نيف غوردون. لقد حان الوقتُ لينبذ اليهودُ الصهيونيةَ فعليّاً وجسديّاً، لا كلاميّاً فقط، مستعيدين بذلك إنسانيتَهم من خلال تصفية وجودهم المادي كمجتمعٍ استيطانيّ على أرضٍ مغتصَبة ومستعمَرة.

***

الرابط للمقال: http://adabmag.com/node/164