آخر المواد

الذكوريون الثوريين

بقلم جويل جيريس //

Space

تتفشى ظاهرة غريبة في العالم الصغير لليسار الجذري: السلطة قائمة وسط هذه التنظيمات التي تتبنى معاداة التسلط.

Space

مفارقة ما هي مفارقة

إذا كان ممكنا أن يبدو وجود علاقات السيطرة داخل المنظمات الثورية مفارقة، فليس في الأمر مع ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فتلك المنظمات ليست فقاعات مفصولة عن العالم: الأشخاص الذين يشكلونها رجالا ونساء يستبطنون قيم المجتمع الذي ترعرعوا فيه ويعيدون، بلا وعي، شاءوا أم أبوا، إنتاج ما يؤاخذون عليه الطبقات المهيمنة. لذا يُفترض منطقيا أن تكون أولى مراحل النضال ضد السيطرة على المستوى العام وعي وجود تلك السيطرة داخل المنظمة نفسها. إنها مرحلة قد تبدو بسيطة نسبيا، لكنها تصطدم مع ذلك بمقاومات عديدة: إن إعلان تلك المنظمات محاربتها كل شكل من أشكال السيطرة ينزع الشرعية على مواقف نقدية محتملة داخلها. يسعى هذا المقال إلى توضيح أن واقع السيطرة يُنتَج ويعاد إنتاجه في المنظمات الثورية قدر ما يجري ذلك في أماكن أخرى. سأهتم لهذه الغاية بهذا الشكل الخاص من السيطرة المتمثل في سيطرة الذكور.

في تركيب المنظمات الثورية

أول ما يسترعي الانتباه داخل تلك المنظمات الثورية هو ارتفاع نسبة الرجال بكثير ضمن المناضلين والمناضلات على نحو بليغ. ليس الأمر صدفة. إن النساء الراغبات طوعا في النضال ، واللائي استبطن أنهن لم يولدن لمجال النشاط ذاك، لا يتجهن الى تلك المنظمات. تحدد السيطرة الذكورية تركيب الفئة التي تكوّن المنظمات الثورية، لتصبح هذه فضاءات غير مختلطة عمليا. إن استمرار تحكم الرجال في مجالات السيطرة (منها المجال السياسي) يمثل في الواقع كل رهان النوع الاجتماعي.

في قسمة العمل

إن ما يسترعي الانتباه كذلك هو أن توزيع المهام وسط هذا النوع من المنظمات قائم بقوة على أساس الجنس. للرجال النقاشات النظرية اللامتناهية. و للرجال “اقتراح الاستراتيجيات وخطط العمل”. و للرجال رئاسة النقاشات.و للرجال كتابة المناشير والمقالات. وللنساء ترتيب صفحاتها للطبع و/أو توزيعها. وللنساء تحرير تقارير عن الأوضاع المحلية (1).

للرجال المهام المرتبطة برهانات السلطة. وللنساء المهام التنفيذية، التي لا غنى عنها لكنها مع ذلك أقل قيمة وحتى مطموسة. توزع السيطرة الجنسين في مختلف الأنشطة وفق هذا المنطق: “للرجال الاختيار، والنساء التنفيذ” (2) .وبالإمكان القيام هنا بمقارنة مذهلة بين ما تنجزه النساء من عمل في منظمات النضال والعمل المنزلي . إن قسمة العمل على أساس الجنس بالغة الوضوح في “عمل المحادثة” (3): إن النساء اللواتي تلقين تربية ليكن رزينات ويتفادين المواجهة، يصبحن منطويات تماما في النقاشات الجماعية مقارنة بالرجال الذين يتم تشجيعهم لإثبات الذات منذ الطفولة.

في المطالب السياسية

إن المكانة المخصصة للنسوانية في تلك المنظمات تقدم كذلك معلومات بالغة، حيث لا يجري تناول معظم المسائل النسوانية الا في “لجنة نسائية”. “نجد الرجال البيض في المراكز الهامة (اللجنة التنفيذية). ويمكن لهؤلاء الرجال البيض أن تكون بشرتهم غير بيضاء و/أو أن يكونوا نساء. غير أن سلوكهم سيكون سلوك الرجل الأبيض (استبدادي، مدافع عن المجتمع الذكوري، الخ). ولمن ليس رجلا ولا ابيضا ثلاثة خيارات: إما أن يكون صديق/ة شخصيات هامة، أو أن ينخرط/تنخرط في اللجنة ” الهوياتية “، وإما أن يصبح/ تصبح رجلا أبيضا ويشغل/ تشغل مراكز هامة. […]إن [لجان المرأة] هي في الغالب وزارات صغيرة مكلفة بشؤون النساء، وما تقوم به اللجنة داخل المنظمة لا يجب أن يتجاوز بأي وجه هذه المنظمة، وإلا سيكون ذلك نهايتها. غالبا ما يتم الاكتفاء في لجان المرأة، بتقديم مطالب و تكييفات و حملات نسائية تكون مجرد إضافة لما هو قائم من قبل، وليس كتجاوز له (4).

تحدد السيطرة طبيعة النضالات التي يجب أن تحظى بالأولوية. إن (التعس) هو كالتالي: إن واقع الحال هو التالي: غالبا ما أبعد اليسار الجذري، الذي أخضع السيطرة الذكورية للسيطرة الرأسمالية، المعارك النسوانية إلى المرتبة الثانية. مع ذلك يجب أن نكون واضحين: إن العدو الرئيسي ليس الرأسمالية (5). إن القضاء على الرأسمالية لن يلغي السيطرة الذكورية.

في تعلم القيم الذكورية

“لأن النقاشات الجماعية مكان لاتخاذ القرارات ولكن كذلك لبلورة الأفكار أو التحركات، فإنها تتضمن رهانات سلطة تبرز على نحو صريح إلى هذا الحد أو ذاك” (6). تحتد علاقات السلطة في الاجتماعات: مقاطعة المتحدث واحتكار الكلام، ويتم إثبات وجهات نظر على نحو غير قابل للنقاش، الخ. ولاسماع رأيه يجب على الفرد اللعب وفق الأصول: تعلم منطق السلطة. و كما الأمر في كل مجموعة اجتماعية، تمثل المنظمات السياسية أدوات تنشئة اجتماعية: تشكل أماكن إعادة إنتاج اجتماعي لفئة الجنس المسيطرة (“الرجال”). وبعبارة أخرى، تُكتسب الكفاءات السياسية في المنظمات السياسية. ولأن هذه المنظمات غير مختلطة عمليا، يتجه هذا التعلم للرجال بشكل رئيسي. وحتى عند وجود نساء في تلك المنظمات، فإنهن يشغلن مناصب ثانوية ولا يخضن نفس التجربة النضالية.

جهد هيكلة واع

كل مجموعة رافضة للنظام الاجتماعي القائم هي قبل كل شيء فضاء غير متجانس، فضاء تجابه مختلف المجموعات الاجتماعية (7). وقد تكون عواقب علاقات السلطة هذه كارثية على المستوى الفردي أو الجماعي. فقد وضع غزافيي دونيزات ، معيدا النظر في دورة حركة اجتماعية على ضوء المفاهيم النسوانية، فرضية مفادها أن الفتور في التعبئة قد يكون جزئيا ناجما عن علاقات النوع داخل الحركات الرافضة للنظام الاجتماعي، وأن مصادرة على السلطة من قبل أفراد نصبوا أنفسهم قادة، وتنافس الافراد على السلطة، والوهم الديمقراطي في كيفية اتخاذ القرار، واستعمال التهديد في العلاقات الإنسانية ، كلها ” عناصر مكونة للنظام الذكوري” وهي “حاسمة في الفتور التدريجي لتعبئة المشاركين والمشاركات في حركة اجتماعية” (8).

مع ذلك، “رغم علم الجميع بأشكال عديدة من التفاوت في المجتمع، فإنها لا تؤخذ بالحسبان في علاقات المجموعة. و بالعكس يستدعي تدارك على أشكال التفاوت “الثقافية” هذه، وضمان إرساء بنيات ديمقراطية، جهود هيكلة واعية ” (9). رغم تجلي السيطرة في كل مكان بلا استثناء، حتى حيثما لا نتوقعها، يمكن الحد من عواقبها: بإعادة التفكير في المنظمة، وبالتفكير في الوسائل التي تسمح بتفادي اشكال الشطط في استعمال السلطة هذه. الغاية زيادة فعالية النضال. النقاش مفتوح.

***

(1) كيرغوات.، الممرضات وتنسيقيتهم، 1992

(2) غزافيي دونيزات، حركات اجتماعية مبنية على الجنس، 1998

(3) كونياك مونيت، تقسيم المهام بين الرجال والنساء في عمل التخاطب، 1998

(4) لفهم لجان النساء انظر موقع : http://infokiosques.net/spip.php?article=264

(5) في إحالة لمقال مشهور للكاتبة كريستين ديلفي، العدو الرئيسي، 1970.

(6) نقاش حول النقاشات: http://infokiosques.net/article.php3?id_article=87

(7) غزافيي دونيزات، حركات اجتماعي ذات جنس

(8) نفس المرجع

(9) أدغال المناضلين الأنبياء: : http://1libertaire.free.fr/MilitantProphete.html

***

الرابط للمقال: http://www.almounadil-a.info/article1512.html