آخر المواد

الوثيقة الأساسية

مَسَار تَحَرُّري

من أجل نضال وحدوي طبقي لاديني عابر للوطنيّات والقوميّات في المنطقة العربية

Space

أفق جديد لنضال وحدوي طبقي لاديني عابر للوطنيّات والقوميّات

على النضال في منطقتنا (التي سنصطلح على تسميتها “المنطقة العربية” لتسهيل التصوّر الجغرافي لها لا أكثر) أن يتجاوز فكرة الهوية الوطنية أو القومية أو الدينية أو الطائفية بالكامل، الوحدة التي يجدر الحديث عنها وعن إنجازها هي وحدة المضطهدين، خارج هذا التعريف، فإننا نجد أن فكرة تأسيس الهوية على “القومية” أو “العروبة” أو “الوطنية” أو “الدين” أو “الطائفة” هي مجرد فكرة ضبابية تميل إلى الشوفينية وتؤدي إليها في نهاية المطاف.

الفكرة من مشروعنا هو إنهاء هذه الشوفينيات والسجون الهويّاتية، والعمل من خلال ممارسة نضالية لادينية عابرة للقُطريات والقوميات على حد سواء، هكذا نتغلّب على المنطق التفتيتي الذي لا يكتفي بتقسيم العرب إلى سنة وشيعة ومسلمين ومسيحيين، بل يستخدم أيضاً التناقضات “القومية” بين العرب والفرس، وبين العرب والأتراك، وبين العرب والأكراد، وبين العرب والأمازيغ، وهكذا. وظيفة هذا المشروع هو تجاوز هذا المنطق بالتحديد. الحديث إذاً عن “وحدة عربية” سيكون خارج السياق. يفترض بنا الحديث عن “وحدة الشعوب المضطهدة” أو “وحدة الفئات المتضررة” في صيغة نسترجع فيها ما تم تفتيته كنتيجة عن الخطاب “القومي” و”الديني” و”الطائفي”.

إننا نرى أن الصراع في المنطقة العربية ضد الامبريالية وأدواتها وحلفائها من الصهيونية ونظم الحكم القُطرية هو صراع ضد منظومة  متكاملة تنتج الاستغلال الذي ترزح شعوب المنطقة تحت وطأته، صراع عليه أن يكون دائم التجدد موضوعيا لضرورات العمل الشعبي المشترك العابر للأديان والطوائف والقوميات والاثنيات والوطنيات نحو التحرر، وهو ما يمثل مساهمتهم الإنسانية الملتحمة مع حركات التحرر والنضال العالمية في خلخلة قواعد النظام الرأسمالي الذي يقبع على صدور كل البشر كناظم لآليات الاستغلال والإفقار وإدامتها.

إن بنية السلطة في المنطقة العربية تعبر عن تبعية الدولة القُطرية العربية (وبالتالي نظام حكمها) للامبريالية والصهيونية. من الخطأ تشخيص العلاقة بين الأنظمة العربية والامبريالية على أنها علاقة تحالفية، فالتحالف يستلزم أن يتساوى المتحالفون في الوزن السياسي والاقتصادي نسبياً، ما يوجد في العالم العربي هو أقرب لتبعية ناتجة أساساً عن أن الطبقة الحاكمة هي طبقة كمبرادورية في الأساس، وأن بنية الدولة القطرية مصممة (من قبل الاستعمار) لتكون مفرغة من أية امكانية للتحرر وغير قادرة على انجاز السيادة والاستقلال الكاملين، وهي من تنتج سياقات التبعية وتديمها. ومن هنا، فإن موجة الانتفاضات في المنطقة العربية، والتي انطلقت بزخم في نهاية ٢٠١٠، وما سبقها من حركات احتجاجية مختلفة في الاقطار العربية وإيران وتركيا، هي  تعبير واقعي عن الالتحام الموضوعي بين مختلف شعوب المنطقة في سعيها إلى التحرر، وإن كانت تعايش واقعا غير متطابق تماما بين دولة وأخرى، أو بين فئات الأغلبية الشعبية داخل نفس الدولة. واقع غير متطابق تماما لكنه ناتج عن بنية الاضطهاد نفسها.

ولتنجح موجة الانتفاضات الحالية وتتصاعد لانتصارات أعلى على طريق هزيمة الصهيونية ودحر الامبريالية كأهداف أساسية للتحرر، فلا بد لها من العمل بأفق لا ديني، ما فوق قطري، وما فوق قومي، وما فوق وطني، يعتمد على توحيد الفئات المسحوقة في مواجهة الفئات المتسلطة -والتسلط هنا بمعناه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي-، وبمنهج جذري ضد الهيمنة، وآلياتها التفتيتية، وسياقات إعادة انتاجها بشكل متجدد.

في نقد “القومية العربية” والتأسيس لتحرر ما فوق قومي

استندت ما تسمى بـ “الحركة القومية العربية” بكافة تجلياتها (القوميون العرب، البعثيون بأصنافهم، الناصريون بأصنافهم) بشكل أساسي على 1- الشعور القومي، الناتج عن الاضطهاد العثماني (الذي مورس على غير العرب أيضاً مثل الأرمن)، وهو ما استلزم انشاء بنية ما غير اسلامية لإقامة التعارض مع العثمانيين على أساسها. ومن المفهوم أن الشعور القومي هو مسألة غير موضوعية وغير ناتجة عن بنى أعمق (اقتصادية مثلا)؛ و2- التأثر بالحركات القومية الأوروبية ذات الأساس الموضوعي التي ابتدأت في القرن التاسع عشر  (القومية الأوروبية هي التعبير السياسي/الهويّاتي عن تشكل السوق القومية)، والنزعة الانعزالية الفاشية (القومية الأوروبية هي أساس الحركة الفاشية والحركة النازية والتأسيس “الأخلاقي” للاستعمار ومعاداة المهاجرين والملوّنين…الخ).

هذا يعني أن “الحركة القومية العربية” هي رد فعل انعكاسي ذاتي من جهة (ليست فعلاً موضوعياً خلاقاً خارجاً عن أسر الفكرة النقيضة التي أنتجته)، وهي انعزالية أيضاً بحكم استحالة تعريفها خارج سياق العرق والثقافة، وكلا المفهومين (العرق والثقافة) هما مفهومان مرتبطان بالهيمنة (الهيمنة العرقية و/أو الهيمنة الثقافية).

إن الشرعنة الإنسانية للفعل النضالي تأتي (وبالضرورة) من خلال إسقاط القوميات، وإسقاط كل أشكال تحوّل الدين إلى مؤسسة سلطوية و/أو سياسية وإنهاء تسلّط الأديان على حرية الرأي والتعبير (أما التديّن الشخصيّ أو عدمه، فهو أمر يندرج في سياق حريّة الضمير والاعتقاد، وليس هناك من عداء موجّه ضدّه بل هو حق شخصيّ محفوظ)، وإسقاط كل التقسيمات الوهمية غير الناتجة عن ثنائية مضطهِد/مضطهَد. كل “الحدود” و”التناقضات” الأخرى وهمية وموجودة أساساً لحرف اتجاه النظر عن أساس الظلم والاضطهاد باتجاه تفريغ الأزمة الناتجة عن الظلم داخلياً (داخل كتلة المضطهَدين) لا خارجياً (في مواجهة المضطهِد).

لنتخيّل القومية العربية وقد تشكّلت حقاً في دولة. ما هي هذه الدولة؟ وكيف تعرّف نفسها؟ بالعِرق؟ مشكلة عنصرية واضحة. باللغة والثقافة؟ مشكلة انعزالية. بشموليّتها واستيعابيتها وسموّها؟ مشكلة هيمنية.

إن ما يسمى “المشروع القومي العربي” يتلخص في أمر واحد: بناء دولة عربية قوية من المحيط الى الخليج، شيء يشبه الولايات المتحدة الأمريكية أو الصين أو الاتحاد الأوروبي. دولة كبرى أخرى. هل هذه هي العدالة حقاً؟ دعونا لا ننسى أن الدولة القوية/الدولة الكبرى هو الاسم المخفف لدولة تهيمن على دول و/أو شعوب أخرى، وتتصارع مع مثيلاتها من الدول الكبرى على مناطق النفوذ الاقليمية والدولية، وهكذا. العدالة هي في مكان آخر بالتأكيد، مكان يتجاوز القومية إلى الانسانية أو ما بعدها (الكونية)، وإن كنا نتحدث عن أن التحقق القومي هو خطوة تدفعنا نحو الإنساني، فلم -إذاً- لا نتبنى الانسانية دون وساطة القومية (التي هي وفي حقيقتها تتعارض مع الإنسانية)، ونعمل على بناء تحالفات/شراكات حقيقية شعبية تتجاوز كل التقسيمات القُطرية والقومية والدينية وتؤسس لنضال فعّال حقاً يُنتج المستقبل من خلال صيرورات صراعه مع الظُلم والهيمنة والتفتيت.

المنطلقات الأساسية

أولاً:  الإمبريالية والرأسمالية وبنى الهيمنة المرتبطة بهما هي العدو الأساسي للشعوب، وهي متعددة وليست واحدة، وأكبرها وأكثرها تأثيراً وتطوراً وعدوانية في عالمنا المعاصر هي الإمبريالية الأمريكية التي قد تتضارب وتتعارض مصالحها مع الإمبرياليات الأخرى، لكن هذا لا يعني أن الإمبرياليات الأخرى حليفة لنضالنا في أي حال من الأحوال.

ثانياً: الطبقات الحاكمة والأنظمة المسيطرة في الأقطار العربية منذ عقود عديدة هي فئات تابعة للإمبريالية وتحقق مصالحها، ولا يمكن أن تكون في معسكر التحرر وأن تناصر حقوق الشعوب، وما يسمى “إصلاحاً” تريد تنفيذه هو كذبة كبرى، وعليه فإن النضال ضدها هو جزء هام وأساسي من النضال ضد الإمبريالية، ويقوم على أساس ضمان المصالح الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية، وسيادة الشعوب على أراضيها ومواردها.

ثالثاً: الصراع ضد الإمبريالية، والتي تتمثل بعض مظاهرها في منطقتنا بأشكال الوجود العسكري الأجنبي، سواء أكان ذلك احتلالاً مباشراً، أو دعماً لأنظمة حليفة وإفادة منها، أو تواجداً على شكل قواعد عسكرية، أو تسلقاً على ظهر الثورات والانتفاضات الشعبية، أو غيرها، هو استمرار للنضال ضد الاستعمار الذي لم نتحرر منه بالكامل حتى الآن، والتبعية التي لا نزال نرزح في قيودها، وستمثل هزيمة الإمبريالية في المنطقة العربية خطوة أساسية على طريق هزيمة المشروع الإمبريالي عالمياً.

رابعاً: المشروع الصهيوني في المنطقة العربية هو مشروع استعماري استيطاني، ذو طابع هيمني/إحلالي/ديني/عنصري، ولهذا فنحن نؤكد  على عدم الاعتراف بشرعيته، ورفض انتقاله إلى حالة طبيعية دائمة ومقبولة في المنطقة. العلاقة مع هذا الكيان هي علاقة مقاومة وتفكيك للاحتلال الاستيطاني، وهذه لا يمكن أن تحسم بواسطة أي تسوية، وأي مشروع يتضمن أو يشجع على أو يؤدي إلى دمج الكيان الصهيوني في المنطقة العربية هو مشروع هيمنة تجب مقاومته، وعليه يجب التمسك بمناهضة التطبيع على كافة المستويات، لأن التطبيع وسيلة هامة من وسائل تثبيت الهيمنة الصهيونية، وهو مقدمة لتحويل المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الى حالة طبيعية. كما يجب التمسك بحق العودة كحق مطلق غير مشروط وغير قابل للتنازل أو التفويض، ويتحقق في سياق التحرير لا في سياقات أخرى، وبمفهوم يشمل جميع مناهضي الظلم من أي مكان، لا بالمعنى الوطني أو القومي الانغلاقي.

خامساً: الصراع ضد الامبريالية والصهيونية هو ضرورة لأنهما اضطهاد واستغلال واستعمار وإفقار وتشريد وتدمير، ولا يستند إلى أي نزعات دينية أو قومية أو طائفية أو عرقية، كما أنه ليس صراعاً مع  “آخر” يعاد تعريفه حسب الظرف.

سادساً: إن الموجة الاحتجاجية الراهنة في كافة أرجاء البلاد العربية والتي تتراوح بين الاحتجاج والانتفاض على  كامل النظام أو جزئيات منه، والتي انطلقت نتيجة لحالة الافقار والاذلال والتبعية، ونادت بشكل أساسي بالحرية والعدالة الاجتماعية، تمثل خطوة هامة إلى الأمام قابلة للتصاعد والإنجاز النوعي والكمي التراكمي يتجاوز ما تم حتى الآن من خلال إسقاط بعض رموز الأنظمة الحاكمة. إن الانتفاضات العربية على الانظمة هي صيرورات تاريخية إيجابية لم تُستكمل حتى الآن كثورات كاملة، وعلينا في المرحلة الحالية أن ندفع معها باتجاه مزيد من الجذرية المفاهيمية والمطلبية، وأن نعمل معها على توحيد الفئات المضطهَدة من خلال تعميق التناقضات القائمة بين جموع المضطهَدين من جهة، والطبقات والفئات المستفيدة من استمرارية النظم الحاكمة من جهة أخرى.

سابعاً: نقف مع المقاومة بكل أشكالها ضد الاحتلال والعدوان والهيمنة، ومن ضمن ذلك المقاومة المسلحة، إلا أن هذا الموقف في دعم أي طرف في مقاومته الاحتلال والعدوان والهيمنة لا يعني بأي شكل من الأشكال التأييد الشامل لذلك الطرف في سياقاته الأخرى، بل يتم الحفاظ على مسافة نقدية واضحة تجاه الطروحات الدينية والطائفية والليبرالية والقومية التي قد تتبناها بعض المجموعات المنخرطة في المقاومة. كما لا  يمكن قبول النكوص عن التحرر الداخلي من الأنظمة القمعية والتابعة تحت مبررات محاربة الامبريالية والصهيونية.

ثامناً: أن ما يسمى “الشرعية الدولية” المستند إليها حالياً، والمؤسسات المنبثقة عنها أو المؤسِّسة لها، تعكس وتثبت الهمينة الإمبريالية على العالم، وتجعله رهينة في يد القوى الدولية والإقليمية الكبرى. أما الشرعية التي نعترف بها فمصدرها الشعوب وحقوقها الطبيعية والتاريخية والأخلاقية، وهي القاعدة التي يقاس عليها حق الشعوب في قبول أو رفض القرارات “الدولية”.

تاسعاً: إن وحدة نضال المضطهَدين في منطقتنا هي ضرورة ملحة، وتنبني طبقياً بين كل “مكوّناتها” العرقية والدينية والثقافية، وتحترم المبادئ الإنسانية غير الشوفينية التي تقدّر التنوع الثقافي والعقائدي، لكنها لا تتأسس على هذا التنوع حتى لا تتحوّل إلى نوع من أنواع المحاصصة الطائفية أو العرقية أو الثقافية.

عاشراً: رفض التمويل الأجنبي والمنظمات الحكومية وغير الحكومية القائمة على التمويل الأجنبي وأجنداتها، من حيث أنها أدوات لترسيخ الهيمنة الإمبريالية وتفتيت القضايا الأساسية إلى جزئيات معزولة عن السياق التاريخي والنضالي العام، وتدجين المثقفين.

حادي عشر:  التأكيد على أهمية التحليل النظري الذي يقوم على المرجعية المعرفية المتجددة لفهم واستيعاب بنية الإمبريالية ومشاريعها الاستعمارية في منطقتنا العربية والعالم، وفهم طبيعة النظم الديكتاتورية الحاكمة في سياقات التبعية خارجياً وإخضاع البنى الاقتصادية والاجتماعية داخلياً. إن التحليل النظري هو المقدمة المؤدية للفعل الجماهيري الفعال، وهو الذي يؤسس للفعل السياسي ويصوّبه.

ثاني عشر:  إن الهوية النضالية التي نتبناها وندعو اليها، هي هوية عابرة للأديان والطوائف والمذاهب والأعراق والإثنيات والإقليميات الجغرافية، تماما كما هي فوق قطرية. ويتم تبني هذا المنظور بثبات في منهجية البرامج والأدوات النضالية كأحد العوامل الاساسية للانتصار على الإمبريالية والصهيونية، كما هي عامل أساسي في تجاوز الإفرازات التقسيمية والتحريضية التي نمت في سياق الاحتلال والهيمنة القائمين. الدعوات الانفصالية المختلفة في منطقتنا هي نتيجة لواقع متردٍّ اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، فهي، وإن قُبلت مبدئياً كحق لتقرير المصير، إلا أنها وفق المنظور الجدلي رد فعل، وهي قابلة للانحسار إن توفرت ظروف تطور هذه الهوية النضالية في الاتجاه الجامع الذي يكفل دحر مشاريع التقسيم الجديدة والقديمة.

ثالث عشر:  إن كل فرد أو تجمع يتفق على النقاط الأساسية المطروحة أعلاه، هو حليف في النضال. مع ملاحظة أن هذه المنطلقات مفتوحة للتطوير على ما ذكر أعلاه من أسس.